العرب ومعاهدة حظر القنابل العنقودية

05:41 صباحا
قراءة 4 دقائق

في خضم القضايا المحلية والإقليمية والدولية المتشعبة التي بدا العرب جميعاً منشغلين أو غارقين فيها من الرأس حتى أخمص القدمين، غابت عن اهتمامهم، خصوصاً اللبنانيين منهم، واحدة من اكثر القضايا المأساوية التي مازالت بمثابة سيف حقيقي مسلط يهدد آلاف العرب واللبنانيين، خصوصا أطرافهم الجسدية، جراء آلاف القنابل العنقودية الإسرائيلية التي لم تنفجر والتي مازال يروح ضحيتها بين الحين والآخر عدد غير قليل من المواطنين، ولا سيما في الجنوب اللبناني.

ويتمثل غياب العرب، واللبنانيين خصوصاً باعتبارهم أكثر المعنيين بهذه المأساة عن المؤتمر الدولي الذي عقد مؤخراً في العاصمة النرويجية أوسلو وخصص للتوقيع على معاهدة دولية لحظر القنابل العنقودية. ولا نقصد بهذا الغياب هنا بالطبع غياب ممثلين من الدول العربية عن حضور المؤتمر، فلربما حضر منهم من حضر، بل غياب التحضير المسبق والنشاط الملموس للمشاركة بفعالية في المؤتمر وابراز هذه المشاركة اعلامياً على أوسع نطاق، عربياً ودولياً، لتوعية الناس ومؤسسات المجتمع المدني بالمخاطر الجمة من هذه القنابل، وتفعيل شبكة من الاتصالات مع مختلف الدول والمنظمات الدولية، ولا سيما الكبرى أو الفاعلة على الساحة الدولية، بغية تأمين اكبر عدد من الدول المشاركة في المؤتمر والتوقيع على الاتفاقية، ناهيك عن التنديد، ولو بأخف لهجة، بالدول الضالعة في صنع هذه القنابل الإجرامية الوحشية، وهي كل من الولايات المتحدة واسرائيل وباكستان والهند وروسيا والصين، والتي غابت جميعها عن المشاركة في المؤتمر، ولم تبال ولو بأدنى مستوى من المشاركة أو إرسال مندوب عن كل منها بصفة مراقب مستمع لمداولات المؤتمر، ليعقب فقط على ما يود أن يبرره من ذرائع أو تحفظات على الاتفاقية، هذا على الرغم مما ينطوي عليه المؤتمر والاتفاقية الدولية التي تمخضت عنه من أهمية فائقة لتعزيز السلم العالمي، وتجنيب البشرية المزيد من الويلات، حتى في زمن السلم، من شرور تلك القنابل المباغتة المدفونة في باطن الأرض أو المختبئة على سطحها أو بالقرب منه.

لقد وقعت على اتفاقية حظر القنابل العنقودية في مؤتمر أوسلو الاخير مائة دولة، في حين كان يمكن لو كانت تحضيرات العرب واللبنانيين ومنظمات وقوى السلم في العالم اكثر فاعلية مسبقاً، أن يصل عدد الموقعين على الاتفاقية الى اكبر بكثير من هذا العدد، لا سيما انه سبق أن أجريت مفاوضات مكثفة في مايو/أيار الماضي في دبلن تمهيداً لتوقيع الاتفاقية وتعزيز قوة نصوصها الإلزامية ليكون حظر القنابل العنقودية حظراً حازماً، بما في ذلك انتاجها والتجارة فيها، ناهيك عن استخدامها في الحروب.

وكان من ابرز المتحدثين في المؤتمر وزير خارجية لاوس ثونجلون سيسلوليث الذي وصف المعاهدة بأنها تعد معلماً تاريخياً، مبدياً تفاؤله بأنها ستحمي الأبرياء من التعرض لويلات القنابل العنقودية. واشار الى ان ثلث القنابل الملقاة على بلاده إبان حرب الهند الصينية لم تنفجر، وأن 300 ضحية يسقطون سنوياً جراء هذه القنابل، وهو ما يشكل نصف ضحايا القنابل العنقودية على مستوى العالم.

ورغم التفاؤل الذي ابداه نائب وزير الخارجية اللاوسي بأن تتمكن معاهدة حظر القنابل العنقودية من حماية الأبرياء المدنيين الذين تباغتهم هذه القنابل بانفجارها على حين غرة من دون مقدمات، فإن الكثير من المراقبين يبدون شكوكاً في قدرة المعاهدة على إلزام الدول التي تنتجها أو تتاجر فيها أو التي تستخدمها في حروبها، بحظر انتاجها والمتاجرة فيها أو استخدامها، ولا سيما في ظل غياب كل أو معظم هذه الدول عن المؤتمر بذرائع واهية مفضوحة. وهذا ما اعترف به عن حق وزير الخارجية الياباني هيروفومي تاكوسوني في المؤتمر، والذي أكد ان فعالية المعاهدة تظل محدودة مع غياب ابرز الدول المنتجة أو المستخدمة للقنابل العنقودية عن المؤتمر.

وفي الوقت الذي أكد فيه الوزير الياباني أيضاً أن بلاده تبرعت منذ عام 1988 ب 300 مليون دولار لمساعدة الدول التي تهددها القنابل العنقودية والألغام، فإننا مازلنا لم نسمع بعد كم هي تبرعات الدول العربية في هذه القضية الإنسانية السياسية التي يذهب ضحاياها عشرات اللبنانيين سنوياً، دع عنك الألغام المتبقية الأقدم الموروثة عن الاحتلال الاسرائيلي في سيناء وأراض مصرية اخرى على الحدود مع ليبيا وداخل ليبيا نفسها، والموروثة بدورها عن الحرب العالمية الثانية، فضلاً عن الأراضي السورية وغيرها من الأراضي العربية التي خلفها الاحتلال الاسرائيلي.

وليس بالضرورة ان تكون مساعدات الدول العربية المقتدرة فنية عسكرية، بل يكفي ان تتبرع بالتعاقد مع دول ذات صناعة عسكرية وتكنولوجية متقدمة لمساعدة الدول العربية المتضررة على هذه المهمة لإزالة الالغام.

والأنكى من ذلك، فإن لبنان الذي مازال يدفع أثماناً باهظة لحروب اسرائيل العدوانية عليه، ما زال يعاني ويترك وحده عربياً في مطالبته المشروعة بإلزام إسرائيل بتسليمه خرائط لقنابلها العنقودية التي اسقطتها أو دفنتها في الأراضي اللبنانية.

مهما يكن، فإن هذه المعاهدة التي وقعت مؤخراً في أوسلو من شأنها على الأقل تسليط الأضواء بقوة على مخاطر وشرور هذه القنابل الجهنمية، التي تعد بمثابة قنابل صامتة موقوتة تصطاد فرائسها المدنيين الأبرياء على حين غرة. لكن ما لم تبادر فوراً كل الدول العربية ودول العالم المتضررة من هذه القنابل، أو المتعاطفة مع ضحاياها، فضلاً عن كل قوى السلم والخير، بتكثيف فعالياتها ونضالاتها من أجل حشد اكبر تكتل عالمي ضاغط نحو زيادة عدد الموقعين على الاتفاقية، وعلى رأسهم الدول المنتجة والمستخدمة لهذه القنابل الشريرة الفتاكة، والضغط على هذه الدول بكل الوسائل والتشهير بمواقفها الأنانية اللاإنسانية من المعاهدة، فإن نصوص هذه الاتفاقية ستبقى مجرد حبر على ورق أقرب الى المرجع القانوني أو الوثيقة التي توثق ضمير العالم الحي الذي تؤرقه هذه القضية لا أكثر.. تماماً كإعلان حقوق الإنسان العالمي.

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"