هل بات الشعار حاول أن تفهم هو القاعدة النظرية الرئيسية في الشرق الأوسط؟لوهلة، يبدو أن الأمر كذلك. لكن لوهلة قصيرة فقط، كما سنكتشف بعد قليل.فإلى خمسة أو ستة أشهر فحسب، كانت الحرب واضحة المعالم في العراق: مقاومة، هي مزيج من البعثيين وبقايا الجيش والفرق الإسلامية، تقاتل قوات الاحتلال الأمريكي. لكن هذا كان حديث الأمس. اليوم هناك حرب شيعية- شيعية تخوضها أحزاب المجلس الاعلى للثورة الإسلامية والدعوة والفضيلة ضد جيش المهدي، كجزء من سباق على مغانم السلطة والنفط والكهرباء والموانئ.. الخ. وهناك حرب سنية- سنية بين ميليشيات الصحوة وخلايا القاعدة، بإشراف مباشر من القوات الأمريكية. ثم هناك حرب تركية- كردية في الشمال اندلع لهيبها بضوء أخضر أمريكي.وقبل سنة واحدة، بدا أن تجربة التساكن في فلسطين بين حكومة حماس ورئاسة فتح ستنجح وستطلق ظروفاً أفضل للصراع/ التفاوض مع إسرائيل. لكن سرعان ما تبين أن عقد الزواج بين الطرفين كان غير شرعي، وأن كلاً من العريس والعروس كان يخفي للآخر سكيناً حاداً ومسموماً ليلة الدخلة. الآن، الحرب الأهلية الدموية هي لغة التخاطب الوحيدة بين الطرفين، برغم الوساطة اليمنية المدعومة مصرياً، وقبلها الوساطة السعودية، وبعدها ربما الوساطة الأردنية. الكل الآن يتسلح ويستعد للنزال: موسكو تزود فتح بالعربات المدرعة وواشنطن تساعدها على بناء ثلاث فرق عسكرية جديدة، وطهران وسوريا تهرب إلى حماس ما تيسر من صواريخ غراد وقذائف الآر. بي. جي. الهدف؟ ليس بالتأكيد مقاتلة إسرائيل.ومنذ سنتين، اعتقد الكثيرون أن لبنان الذي خرجت مقاومته ظافرة من مجابهة قاسية مع إسرائيل، سيتوصل إلى بلورة استراتيجية دفاع وطنية جديدة تحفظ المقاومة وتعزز مشروع بناء الدولة. الآن، الدولة تكاد تختفي من الوجود ( لا رئيس، لا حكومة وفاقية، لا برلمان فاعلاً)، والمقاومة محاصرة بالانقسامات المذهبية- الطائفية، وبقوات حلف الأطلسي في بر الجنوب وفي بحر بيروت والضاحية. من المسؤول عن كل هذه الانزلاقات من حروب التحرير إلى الحروب الأهلية؟هذا السؤال يعيدنا إلى وهلتنا الأولى لنقول إنه لا شيء في كل هذا الذي يجري، يحدث صدفة، بل تنطبق عليه الجملة الشهيرة التي أطلقها الرئيس الأمريكي روزفلت: أي صدفة تراها في العالم، تكون نتيجة لتخطيط مسبق. تخطيط ممن؟ من السلطة، أو السلطتين، اللتين تمسكان حالياً بزمام المفاتيح الرئيسية للحرب والسلام في الشرق الأوسط: واشنطن تل أبيب.لقد تناهى إلى مسامعنا في الآونة الاخيرة خطب عديدة في طهران وبعض ضواحيها الشرق أوسطية تتنبأ بقرب انحسار النفوذ الأمريكي وقرب اندحار المشروع الصهيوني في المنطقة. وهذا كلام جميل بالطبع، لكنه قد يصبح كلاماً خطراً إذا أسقط من الاعتبار الأوراق الهائلة التي تمتلكها واشنطن للتأثير ليس فقط في موازين القوى بل لتغييرها أيضاً، من دون أن تستخدم بالضرورة قواتها العسكرية.الحروب الأهلية في العراق وفلسطين ولبنان عينة على هذه الحقيقة. والحروب الأمريكية بالواسطة في شمال العراق (عبر تركيا) وأفغانستان (حلف الأطلسي) ولبنان (إسرائيل) عينة ثانية. واستنزاف إيران حتى الموت بسباق تسلح، وحصار اقتصادي، وصراعات إقليمية باهظة الكلفة، عينة ثالثة. وحبل العينات على الجرار.سرد هذه المعطيات الواقعية ليس هدفه الدعوة للاستلام، ولا الاستهانة بروح المقاومة وضروراتها، ولا إغفال المتاعب الحقيقية التي تتعرض لها السياسات الأمريكية في المنطقة. إنه مجرد تذكرة بأن التقليل من قدرات الخصم، يضخم إلى حد كبير من حجم المفاجآت غير السارة، ويدفعنا جميعاً إلى الاعتقاد الخاطئ بأن حاول أن تفهم باتت القاعدة النظرية الوحيدة الممكنة في المنطقة.وهذا ما لا يجب أن يحدث، ولو لوهلة!