أضحت وصمة الإرهاب في العصر الحديث شتيمة تطلق على كل من حمل ويحمل السلاح في مجتمعات العالم الثالث، وقد أطلقت على دول صغيرة تدافع عن حريتها ومكانتها في المجتمع الدولي مثل كوبا وأفغانستان. هبطت وصمة الإرهاب على دول عربية منها ليبيا في مرحلة من المراحل، ومنها العراق عندما راق للدولة العظمى أمريكا أن تنعتها بالإرهاب ليكون لها ذريعة لمهاجمتها واحتلالها. فإذا بجريمة نكراء ترتكب في حق شعب آمن فتمزقه وتجعل بلده ساحة للصراعات الدامية والمدمرة بين فئات الشعب الواحد. وطاولت وصمة الإرهاب في مراحل معينة حتى سوريا عندما كانت الدولة العظمى، ومعها بعض الدول الكبرى في العالم، غير راضية عن الحكم فيها. هكذا كانت وصمة الإرهاب وجهة نظر تعبر عن رأي أو موقف مطلقها وعلاقته بالموصوم بها.
من المفترض مبدئياً أن يوصم بصفة الإرهاب ذاك الذي يقتل ويدمر عشوائياً، وبخاصة إذا ما استهدف مدنيين أبرياء. التعريف واضح. مع ذلك فإن صفة الإرهاب كثيراً ما أطلقت على جهات لم ترتكب جرائم قتل جماعي أو عشوائي، وكثيراً ما حجبت هذه الوصمة عن جهات مارست فعلاً القتل الجماعي أو العشوائي. فلقد أضحت هذه الوصمة تطلق على أنظمة أو إدارات لا ترضى عنها قوى فاعلة في العالم، وفي مقدمها الولايات المتحدة الأمريكية وبعض حلفائها من دول القرار في العالم.
ولو أنصف اللاعبون على الساحة الدولية لأطلقوا صفة الإرهاب على كل دولة تقتني السلاح النووي والسلاح الجرثومي أو الكيميائي. هناك عدد من الدول التي تحتفظ بمخزون من السلاح النووي وربما أيضاً السلاح الجرثومي والكيميائي ومنها الدولة العظمى أمريكا وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين والهند وإسرائيل والباكستان. وتتميز أمريكا بأنها الدولة الوحيدة في العالم التي استخدمت السلاح النووي قبيل نهاية الحرب العالمية الثانية، إذ ألقت قنبلة ذرية فوق اليابان وأعادت الكرّة فاستسلمت الدولة الضحية.
السلاح النووي سلاح إرهابي بامتياز، إذ إن استخدامه يؤدي بالضرورة إلى إبادة معظم الذين يقيمون في المنطقة التي تلقى فوقها القنبلة دونما تمييز بين رجل وامرأة، بين مسنّ وطفل، بين مسلح وأعزل. لذلك يصح إطلاق صفة الإرهاب على كل دولة تمتلك السلاح النووي، وعلى الدولة العظمى أمريكا من باب أولى، باعتبار أنها أول من استحدث قنبلة نووية في العالم وباعتبار أنها الدولة الوحيدة التي استخدمت القنبلة النووية فارتكبت جرائم إبادة جماعية وهي جرائم إرهابية بامتياز، وكذلك لمجرد أنها ما زالت تمتلك قنابل نووية، ومخزونها من هذه القنابل هو الأكبر في العالم. ولعلها كانت سبباً بوصول القنبلة النووية إلى دول أخرى وتحديداً إسرائيل.
إننا نعتبر أن من الجائز إطلاق وصمة الإرهاب على كل دولة تحتفظ بمخزون من القنابل النووية. بناءً على هذه القاعدة يجوز إدراج جميع الدول التي تمتلك هذه القنبلة في عداد الدول الإرهابية. هكذا يجب إطلاق وصمة الإرهاب على بريطانيا وفرنسا وروسيا والصين والهند والباكستان وإسرائيل. فلماذا تمتلك هذه الدول سلاح الإبادة الجماعية إن لم يكن في نيتها استخدامه في حالات معينة؟ ومن لا يتورع عن القتل الجماعي ولو في حالات معينة هو من الإرهابيين. إن مجرد الاحتفاظ بسلاح من أسلحة الإبادة يجعل صاحبه من الإرهابيين. العدو الإسرائيلي اكتسب صفة الإرهاب بمجرد اقتنائه القنبلة النووية، هذا فضلاً عن جرائم القتل الجماعي والتهجير التي ارتكبها، في حق الشعب الفلسطيني عبر أجيال من الزمن، وما كان ليمتلكها لولا أنه ينوي استخدام القنبلة ضد العرب في حال اضطراره إلى ذلك تحت ذريعة الدفاع عن النفس. هذا مع العلم أن إسرائيل لم تعترف بعد بامتلاكها القنبلة النووية، ولم تنفِ ذلك. والمقدّر أنها تمتلك لا أقل من مئتي رأس نووي. والمقدّر أن الدولة العظمى، بحكم التحالف، هي التي زودت الدولة العبرية بقنابل نووية وأعانتها على تطوير التكنولوجيا النووية المدمرة.
ومن سخريات القدر أن الدولة العظمى، ومعها كل الدول التي تمتلك السلاح النووي، تحرص على عدم تمكين دول أخرى من تطوير هذا السلاح. وكلنا يعلم كيف تعرضت كوريا الشمالية ثم إيران لحملة منظمة وضغوط دولية شديدة لحملهما على وقف عمليات تطوير السلاح النووي، وإيران ما فتئت تؤكد أنها ما خاضت في تجربة تطوير التكنولوجيا النووية إلا لتعزيز قدراتها على إنتاج الطاقة، والطاقة الكهربائية تحديداً. ولقد انفتحت إيران أخيراً على مفاوضة الولايات المتحدة وسواها من القوى النووية حول الوسائل التي يمكن اعتمادها للتحقق من أن إيران لا تعتزم تطوير السلاح النووي. والمفارقة أن الدول المتلبسة باقتناء السلاح النووي هي التي تمنع دولاً أخرى من تطوير هذا السلاح الفتاك. لماذا يا ترى لا تمنع نفسها أيضاً؟ لماذا لا يُطهر العالم أجمع من وجود أسلحة الإبادة الجماعية على أشكالها، بدءاً بتصفية ما في حوزة الدولة العظمى منها، مروراً بسائر الدول التي تقتني هذا السلاح؟ نحمد الله على أننا لم نستحق تهمة الإرهاب ولا حتى في نظر أعدائنا.
حسناً فعلت إيران إذ أعلنت تكراراً أنها لا تنوي اقتناء السلاح النووي وأكدت أنها لا تنوي تطوير التكنولوجيا النووية إلا لأغراض سلمية. ليس فخراً لأية جهة في العالم أن يكون لديها مخزون من أسلحة الإبادة الرهيبة. إن مجرد اقتنائها هو الإجرام بعينه إذ يوحي باحتمال استخدامه عند الاقتضاء في يوم من الأيام. نحن ينبغي أن لا نسعى إلى اقتناء السلاح النووي، أو أي سلاح آخر من أسلحة الإبادة الجماعية، بل ينبغي أن نسعى إلى تطهير العالم من وجود هذه الأسلحة. من حقنا أن نتصدر حملة عالمية لتبرئة العالم أجمع من الإرهاب بدءاً بنزع أسلحة الإبادة من أيدي القوى الكبرى. فالعالم في غنى عن وجود دول إرهابية في كنفه.
ثم إن ديننا ينهى كما تنهى سائر الأديان السماوية عن القتل الجماعي، أي عن الإرهاب بكل أشكاله.
رئيس وزراء لبنان الأسبق