وفي العراق دم

05:36 صباحا
قراءة 3 دقائق

كانت الأيام الأخيرة قاسية ودموية جداً في العراق، الأمر الذي يؤكد بأن الوضع في هذا البلد لا يزال هشّاً، وربما ذهب عميقا في التفتت.وقد حدت هذه التطورات الدراماتيكية بالمراقبين إلى طرح العديد من الأسئلة، حول أسباب تدهور الوضع الأمني إلى هذا الحد، وما المؤشرات على تجدد التفجيرات والعمليات الإرهابية في مناطق متفرقة من العراق، وخاصة في بغداد، ومن المسؤول عن اتساع رقعة أعمال العنف بعد انحسارها نسبياً منذ أواخر عام ،2007 وما علاقة ذلك بقرب انسحاب القوات الأمريكية من بعض المدن والمناطق العراقية، في إطار الخطط المرسومة للانسحاب التدريجي قبل نهاية عام 2011م. وأخيراً ما مسؤولية الحكومة العراقية عن كل ما يجري؟

في البداية تتوجب الإشارة إلى أن هناك إجماعاً في أوساط الخبراء الغربيين، على أن الخط البياني للعنف سوف يعرف تصاعداً كلما اقتربت مواعيد الاستحقاقات الكبرى ، ومنها على وجه الخصوص الانتخابات التشريعية المقبلة المقررة في نهاية الشهر الأول من السنة المقبلة. وتعد هذه المحطة أساسية لكونه يتوقف عليها تشكيل وصياغة الفريق السياسي، الذي سيقود البلد في مرحلة انتقالية صعبة جداً ومهمة، كما سيجري خلالها إعادة تسلم مقاليد العراق من الولايات المتحدة، وفي الوقت ذاته سترتبط الانتخابات بحدث كبير سوف يسبقها حكماً، وهو اجراء احصاء سكاني ، هو الأول من نوعه منذ اكثر من عشرين عاماً، ويراهن البعض أن تتكشف الارقام الحقيقية للتركيبة الديموغرافية المتشابكة والمكونة من قوميات وأعراق وطوائف.

ورغم قتامة الصورة يرى بعض الخبراء الغربيين أن تخطي المحنة أمر ممكن، والأمل باستقرار العراق لا يزال كبيراً، خاصة بعد أن رفض معظم العراقيين العنف الذي كاد يدمر البلد، لكن هناك عدة ملاحظات يسجلها هؤلاء، ومنها أن هناك عدة قضايا أو انشقاقات وانقسامات أساسية في تركيبة العراق الراهنة، قد يشكّل كل منها سبباً كافياً لتجدد العنف خاصة إذا استغلته الأطراف، التي لا تريد الاستقرار في هذا البلد.

اعتبرت أبرز التقارير الأمريكية التي صدرت هذه السنة من حول تقييم الوضع في العراق، أن البلد دخل مرحلة جديدة، ولن يعود إلى الوراء، ومن ابرزها ذلك الذي قدمه في مايو/أيار الماضي أنتوني كوردسمان، الخبير الاستراتيجي في مركز الدراسات السياسية والدولية في واشنطن، الذي ثابر على رصده العميق للوضع في العراق، وجاء تحت عنوان العراق: اتجاهات العنف والضحايا المدنيين 2005 -2009.

انطلق حكم التقرير من تراجع العنف في صورة كبيرة خلال السنة الماضية، ورغم أنه جزم بصعوبة العودة للوراء، فإنه أكد بأن استقرار العراق عملية لم تُنجز بعد، والى الآن لم يصل البلد إلى حال من انعدام العنف، فالاستقرار يتطلب سنوات عديدة من الجهد المركّز على محاربة القوى الإرهابية التي لا يزال الجنرال بترايوس ينبه من خطرها المستمر على العراق، ومع أن التقرير يولي أهمية خاصة للجهد العسكري، فهو يرى أن ذلك يجب أن تحضنه وتواكبه الحياة السياسية فثباته من تقدمها، وانهياره من فشلها.

يورد التقرير جملة من المهام التي تنتظر إنجازها، قبل الاستراحة الى حقيقة استقرار دائم منها أولا، الخلاف العربي - الكردي من حول كركوك والموصل، وقد بينت الأسابيع الأخيرة مدى حدة هذا الخلاف، حيث أثارت عملية ترتيب البيت الكردي حالة من الاستنفار في الجوار العربي، بسبب المخاوف من اتجاه الأكراد للانفصال، بعد تحديهم للسطة المركزية في ما يتعلق بقانون النفط، والعمل على توقيع اتفاقات منفصلة، من دون الرجوع الى بغداد.

والنقطة الثانية تتعلق بالتنافس على السلطة والمراكز الحكومية وإدارة موارد الدولة، وهذا يقود للحديث عن الفساد واستشراء البطالة في أوساط الشباب من كافة الطوائف وفي كافة المناطق، وتحدثت الأرقام عن عدة ملايين من العاطلين عن العمل، الذين لا يجدون عملاً في بلد يعوم على بحر من النفط.

وتتمثل المعضلة الثالثة في ضعف أداء القوى الأمنية العراقية، فالجيش العراقي يعاني من توترات طائفية وعرقية بين أفراده (شيعية - سنّية، عربية - كردية)، كما أن الشرطة العراقية لم تبرهن عن جدارة كافية ميدانياً في عدّة مناطق، وخصوصاً في العاصمة التي تكاثرت فيها مؤخراً عمليات السطو على المصارف، فيما انزلق بعض أفراد قوات الأمن في نزاعات طائفية وعرقية في عدة مناطق، الأمر الذي يثير الشكوك من حول نجاح الخطط الأمريكية لنقل السلطة الأمنية، إلى القوى الأمنية العراقية خاصة في بغداد والموصل والبصرة.

وفي الختام هناك عامل مهم يتعلق بحكم القانون، الذي يجب أن يواكب التقدم المنشود والتنمية الاقتصادية، التي باتت اليوم حاجة أمنية - سياسية، لا غنى عنها للوصول إلى عراق مستقر، فالأمن الاقتصادي ركيزة أساسية للأمن العام.

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"