عادي

لبنان.. الحلول السياسية مستعصية

23:57 مساء
قراءة 4 دقائق

بيروت –رامي كفوري:
في الوقت الذي يتضاءل فيه عدد المصابين بجائحة «كورونا» في لبنان، وتسجل الوفيات أدنى مستوى منذ انتشارها، فإن ال«كورونا» السياسية متجذرة في المشهد اللبناني لجهة استشراء الأزمة الحكومية وتمدّدها، وتسببها بشلل قاتل انسحب على جميع المستويات: السياسية، والاقتصادية، والمالية، والمعيشية، في ظل ابتعاد دولي وعربي عن الاهتمام بمعالجة الأزمة.

رقعة الفقر والجوع والبطالة تتسع، وتوترات محتملة قد تلامس حدود انفجار كبير لا قياس لمداه ونتائجه على الأرض، لن يوفر أحداً إلى أي طائفة أو جهة حزبية انتمى، ولن يكون أي فريق في منجى عن التداعيات المحتملة لهذه الحال إذا استمر نهج المكابرة والمكاسرة، كما لم يعد يجدي منطق «جهنم هو الآخر»، بل العمل لاتّقاء لظى جهنم الآتي إذا لم يبادر المعنيون إلى كسر حاجز التباعد، والاتفاق على تركيبة حكومية تنسجم مع طبيعة الواقع السياسي، وتستجيب له.

العقد المتناسلة

إذا أردنا توصيف المشهد السياسي الحالي يمكن القول إن هناك هجراً بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، ورئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، لم يبلغ درجة الطلاق، لأن الأخير يمتلك عصمة وفّرها له الدستور اللبناني الذي لم يحدد مهلة زمنية لتأليف الحكومة. وبالتالي، فان باستطاعته أن يبقي التكليف في جيبه إلى أن تقضي التطورات السياسية أمراً كان مقضياً، لكن الدستور منح رئيس الجمهورية صلاحية مزدوجة، فهو الذي يوقع منفرداً مرسوم تكليف رئيس الحكومة التي يؤلفها الأخير بالاتفاق مع رئيس الجمهورية الذي يشاركه التوقيع على مرسوم التأليف. وهذا يعني أن دوريهما يتلازمان في عملية تشكيل السلطة الإجرائية الممثلة في مجلس الوزراء مجتمعاً، بعدما تسمي الاستشارات النيابية الملزمة المرشح لرئاسة هذا المجلس.

ولكن بدا واضحاً، بعد استقالة حكومة حسان دياب إثر انفجار مرفأ بيروت، وما خلّفه من تداعيات سياسية واقتصادية، أن الجرة قد كُسرت بين بعبدا، وبيت الوسط، وأن أزمة ثقة تحكم علاقة عون - الحريري، انسحبت على الأداء والتصريحات، من دون الالتفات إلى كلفة هذا الأمر على لبنان ككل، ويرد المراقبون هذا العجز إلى الصراع بين أطراف السلطة المرتبط بعوامل عدة:

أ- الانتخابات الرئاسية وحسابات كل طرف.

ب‐ الانتخابات النيابية وهاجس القوى، ولاسيما التيار الوطني الحر وتيار المستقبل، في الحفاظ على موقعهما في السلطة التشريعية، بعد انتفاضة 17 أكتوبر/ تشرين الأول ٢٠١٩، وما فرضته من إيقاع سياسي واجتماعي جديد.

ج- حرص كل طرف على الاحتفاظ بأرجحية تمنع هيمنة الآخر على قرار مجلس الوزراء والقدرة على تعطيله بإسقاط الحكومة أو شلّها، وهذا ما يعرف بال«ثلث المعطل»، أو «الضامن»، أو «النصف زائداً واحداً»، إذ تعددت التسميات والنتيجة واحدة.

د- حرص الرئيس المكلف على تزامن ولادة الحكومة مع زوال أسباب القطيعة المستمرة له من قوى إقليمية مهمة على صعيد توفير الدعم للبنان بعد تشكيل الحكومة.

الرسالة الرئاسية.. وردّ الحريري

ولعله كان ذا دلالة عالية على ارتفاع درجة استعصاء الحلول السياسية، وحدّة الصراع بين طرفيّ التأليف الحكومي، ما انتهت إليه الجلسة النيابية الأخيرة، الأسبوع الماضي، عند مناقشة البرلمان رسالة رئيس الجمهورية إليه حول تعثر تشكيل الحكومة واحتجاز التكليف من قبل الرئيس سعد الحريري.

والمفاجأة في الجلسة أن كل التوقعات عن كلمة نارية لرئيس تكتل «لبنان القوي» الوزير السابق جبران باسيل، لم تصب، بل جاءت كلمته هادئة ومدروسة استهلها بأن كتلته تصر على تكليف الحريري، ولا ترغب في اعتذاره، ودعا الأخير إلى المبادرة وتشكيل الحكومة بأسرع وقت. لكنه في الوقت نفسه أشار إلى أمرين في معرض الحديث عن سحب التكليف، وهو أن هذا الأمر متعذر من دون تعديل دستوري يحدد سقفاً زمنياً لتأليف الحكومة قبل أن يبطل التكليف، أو الذهاب إلى انتخابات نيابية مبكرة لإبطال التكليف.

على أن الحريري الذي فوجئ بالنبرة الهادئة والمضمون التصالحي لكلمة باسيل، ألقى كلمة عالية السقف، حادة اللهجة، تضمنت هجوماً مباشراً على سلوك رئيس الجمهورية، وسمى أعضاء فريقه بال«أزلام».

وكان واضحاً أن كلام الحريري تصعيدي بامتياز، وطرح المراقبون على هامشه الأسئلة الآتية:

١- هل إن كلمته عالية السقف رمت إلى استنهاض شارعه، وشدّ عصب جمهور تياره، قبل أن يعتذر ليوظف ذلك في عملية التحضير للانتخابات النيابية المقبلة، للحفاظ على كتلته النيابية الحالية، أو رفع عددها؟

٢- هل إن هذا التصعيد سيحتم على الأفرقاء تكثيف الجهود لوضع تشكيل الحكومة على نار حامية، وهو ما باشر به: بري، جنبلاط، كل من موقعه؟

٣‐هل تكون الكلمة سبباً لامتداد الأزمة حتى نهاية العهد، فتبقى البلاد من دون حكومة؟

«التوصية المتوازنة»

بدا واضحاً أن الرئيس بري الذي امسك العصا من وسطها، رغم تعاطفه الضمني مع الحريري، وحرصه على تعويمه، سعى إلى مخرج متوازن لا ينكسر فيه أي طرف، ولا يطال الدستور، ولا يمس الثوابت الميثاقية، وحمل المجلس على التصويت لتوصية تثبت تكليف الحريري، تدعوه إلى تكثيف التحرك والعمل على تشكيل الحكومة بالاتفاق مع رئيس الجمهورية، وهي صيغة متوازنة حفظت للمرجعيتين دورهما المكرس دستورياً، لكنها وفّرت دعماً سياسياً ومعنوياً مضافاً للحريري امتنع عليه في الاستشارات النيابية الملزمة.. وهو الانتصار الذي أشار إليه الموالون ل«تيار المستقبل»..

ورغم أن المفارقة أن كلاً من «التيار» و«القوات» لم يصوّتا لهذه التوصية، ما افقدها دعم القوتين المسيحيتين الرئيسيتين، فإن ذلك لم يثن الرئيس بري عن إدارة محركاته بالقوة القصوى، والسعي لتقريب المسافات وتدوير الزوايا بين عون والحريري.

ويستدرك المراقبون بالقول إن للازمة أبعاداً خارجية تتصل بما يحصل في الإقليم، وما يحكى عن خلط أوراق، وتشكّل موازين قوى جديدة، كما أن للأبعاد الداخلية حساباتها، خصوصاً في ظل ارتفاع منسوب الهواجس الطائفية والمذهبية التي تقضّ مضاجع غير فريق..

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"