تم في الآونة الأخيرة تحريك قضية اتفاقية الشراكة بين سوريا والاتحاد الأوروبي، التي تجمدت المفاوضات من حولها بسبب تداعيات اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري في شباط/فبراير سنة ،2005 وكانت الاشارة المهمة هي الدعوة التي وجهها ايفان لويس نائب وزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية إلى بداية جديدة مع سوريا، وذلك بعد اجتماعه في دمشق مع وزير الخارجية السوري وليد المعلم، وأبدى استعداد بريطانيا محاولة القيام بدور ايجابي للمساعدة في حدوث ذلك، على الرغم من أن بعض الدول الأوروبية ما زالت لديها مخاوف بشأن عناصر في السياسية السورية.
جاءت تصريحات المسؤول البريطاني بعد أحاديث تواترت في الآونة الأخيرة، من جانب مصادر دبلوماسية أوروبية رفيعة حول عزم الاتحاد الأوروبي التوقيع على اتفاقية الشراكة السورية الأوروبية في شهر أيلول/ سبتمبر القادم. وتقدر اوساط أوروبية مطلعة ان القرار الخاص بالمسألة سيصدر في اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد، ولكن من غير المستبعد ان تضع بعض الدول الأوروبية كهولندا، شروطا بصدد تحسين سوريا سجلها في شأن حقوق الانسان، وتقول الاوساط ان ذلك لن يؤثر في التوجه الأوروبي العام، لأن حجج المؤيدين للتوقيع أقوى من تحفظات المعارضين، وهناك رأي أوروبي قوي يدعو لأن تتم الموافقة على انطلاق اتفاقية الشراكة لسببين، الأول هو ان الاتحاد الأوروبي وقّع مع دول عربية ليس لها تاريخ جيد في ملف حقوق الإنسان، الأمر الذي يطرح التساؤل لماذا التشدد بشأ ن سوريا؟ والسبب الثاني أن تجربة عزل سوريا باءت بالفشل، ومن الافضل تغيير أساليب التعاطي مع هذا البلد، الذي يمتلك أوراقاً مهمة، وله دوره الخاص والمميز على صعيد تحريك وحل القضايا الكبرى في المنطقة، كما انه من المفيد عدم التمترس عند هذه النقطة، والاكتفاء بإضافة بند يتعلق بحقوق الإنسان في الاتفاق، يسمح بإثارة المسألة مع دمشق. وذلك من منطلق أن سوريا تعتبر موضوع حقوق الانسان شأناً داخلياً غير قابل للنقاش أو المساومة مع الخارج، وقد برهنت تجربة الفترة الماضية على تصلب الحكم السوري حيال هذا الملف، كلما جرى فتحه من طرف الخارج.
بالإضافة إلى هذين السببين هناك من يرى ضرورة في توقيع الاتفاقية، لأن فيه مصلحة اقتصادية مشتركة للطرفين، ويقول أصحاب هذا الرأي ان سوريا بلد عانى في الفترة الماضية من حصار اقتصادي، الأمر الذي أدى إلى تضرر بناه ومنشآته، وهو بحاجة اليوم إلى تحديث اقتصاده، وتنفيذ جملة من المشاريع العملاقة مثل ميترو دمشق، وتحديث اسطول النقل الجوي الذي تضرر في صورة خاصة من العقوبات الأمريكية، وتعول دمشق في ذلك على التعاون مع الاتحاد الأوروبي والشركات الأوروبية. ويرى هؤلاء أن بدء العمل بالاتفاقية يفتح الأسواق السورية أمام الشركات الأوروبية الكبرى. وهنا تجدر الاشارة إلى وجهة النظر الفرنسية التي تعتبر أن السوق السوري يشكل مدخلا للاسواق العراقية في بعض المجالات، لاسيما إعادة ضخ النفط العراقي عبر الأنابيب السورية.
لقد تبين اليوم ان تجميد توقيع الاتفاقية وربطه بالتحقيق الخاص باغتيال الحريري لم يكن سوى ذريعة، وبات واضحا ان الغربيين استخدموا هذه المسألة كورقة سياسية، وتكشف شيئاً فشيئاً، ان الأمر يتعلق بشروط أخرى مختلفة تماما، على صلة بأجندة سياسية غربية بحتة. وقال لويس صراحة إن بلاده تؤيد الاتفاقية على الرغم من مخاوفها بشأن انتهاكات دمشق لحقوق الإنسان. إلا انه استدرك وقال إنه ينبغي تشجيع دمشق لتغيير سياساتها، على الرغم من تحالفها مع ايران، ودعمها لحركة حماس الاسلامية الفلسطينية، وجماعة حزب الله الشيعية اللبنانية.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو إذا كانت الاتفاقية تتعلق بشراكة اقتصادية في الدرجة الأولى، فما هي علاقة التوقيع عليها بالموقف من حماس وحزب الله وايران؟
للإجابة عن السؤال لابد من التذكير بأنه أعيد فتح موضوع الاتفاقية في السنة الماضية، بعد ان شرع الاتحاد الأوروبي تحت رئاسة فرنسا في الانفتاح سياسيا نحو دمشق، ويعود الفضل في ذلك إلى باريس، التي قررت تغيير طريقة التعاطي مع سوريا وفق منطق الضغوط الأمريكية، وطرحت موضوع مراجعة الاتفاقية، من دون إغفال سجل سوريا لحقوق الإنسان، أو اعتباره عقبة. ولكن بت أمر الاتفاقية ظل معلقاً لثلاثة أسباب، الأول هو ان التوقيع النهائي مرهون بموافقة جميع دول الاتحاد السبع والعشرين. والثاني هو ان الاتحاد الأوروبي يربط التوقيع بأجندة سياسية وحزمة كاملة من الشروط، تتعلق بالوضع في لبنان وفلسطين وعلاقة سوريا مع إيران. والثالث هو انتظار ما تسفر عنه المفاوضات السورية الأمريكية، لاسيما بصدد رفع قانون العقوبات الأمريكية التي فرضتها واشنطن على دمشق لأسباب سياسية، لا علاقة لها بحقوق الإنسان، وإنما بسبب مواقف وسياسات سوريا الاقليمية والدولية، ودورها في لبنان والعراق والعلاقات مع إيران.