إن ما جاء في كتاب الله، عز وجل، من وعد ووعيد وترغيب، يجعل المسلم يخشى ربه ويسلم له أمره ويأمل منه خيره وبره، وينأى به عن الشرور وما يتصل بها من أقوال وأفعال . وفي القرآن الكريم يقول الله عز وجل في سورة النجم (3 - 5) وما ينطق عن الهوى . إن هو إلاّ وحي يوحى . علمه شديد القوى كذلك يقول سبحانه في سورة مريم (64): وما تتنزل إلاّ بأمر ربك . وفي حديث أخرجه الإمام البخاري في كتاب التوحيد عن أبي هريرة رضي الله عنه، أخبر به أبو طاهر الفقيه، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: إن اللّه تعالى قال: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر . قال: وقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: قال اللّه عز وجل: وأنا عند ظن عبدي بي . قال: وقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: قال اللّه عز وجل: كذبني عبدي، ولم يكن له ذلك . وشتمني عبدي، ولم يكن له ذلك . أما تكذيبه إياي أن يقول: لن يعيدنا كما بدأنا .
وأما شتمه إياي، يقول: اتخذ اللّه ولداً . وأنا الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفواً أحد . قال: وقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: إن اللّه تعالى قال: أنفق عليك . قال: وقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: إن اللّه عز وجل قال: إذا تلقاني عبدي بشبرٍ، تلقيته بذراع . وإذا تلقاني بذراع، تلقيته بباع . وإذا تلقاني بباع جئته أو (أتيته) بأسرع .
الغفور الكريم
وفي حديث آخر رواه الإمام مسلم في كتاب الذكر عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: يقول اللّه عز وجل: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها أو أزيد . ومن جاء بالسيئة بجزاء سيئة مثلها أو أغفر . ومن تقرّب مني شبراً تقربت منه ذراعاً . ومن تقرب مني ذراعاً، تقربت منه باعاً . ومن أتاني يمشي، أتيته هرولة . ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئاً، لقيته بمثلها مغفرة .
وروى الإمام مسلم في الصحيح أيضاً: شهد أبو هريرة وأبو سعيد رضي الله عنهما أنهما شهدا على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما جلس قوم يذكرون اللّه تعالى، إلاّ حفت بهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم اللّه فيمن عنده . وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول كما روى مسلم: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: إن اللّه عز وجل يباهي بأهل عرفات أهل السماء، فيقول عز وجل: انظروا إلى عبادي، جاؤوني شعثاً غبراً .
ويحدث ابن عباس رضي الله عنه (كما في صحيح مسلم) في شرح قوله تعالى: وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله (سورة البقرة: 284) . فيقول: دخل قلوبهم منها شيء لم يدخله من شيء . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قولوا: قد سمعنا وأطعنا وسلمنا . قال: فألقى اللّه عز وجل الايمان في قلوبهم، فأنزل عز وجل: آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه، والمؤمنون كل آمن بالله . . إلى قوله تعالى: لا يكلف اللّه نفساً إلاّ وسعها . لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا قال: قد فعلت . واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين (البقرة: 286) قال: قد فعلت .
لعبدي ما سأل
وفي صحيح الإمام مسلم، عن قتيبة بن سعيد، عن مالك، قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: اقرأوا يقول العبد: الحمد للّه رب العالمين . يقول اللّه تعالى: حمدني عبدي . يقول العبد: الرحمن الرحيم يقول اللّه تعالى، أثنى عليّ عبدي . يقول العبد: مالك يوم الدين . يقول اللّه تعالى: مجدني عبدي . يقول العبد: إياك نعبد وإياك نستعين فهذه الآية بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل . يقول العبد: أهدنا الصراط المستقيم . صراط الذين أنعمت عليهم . غير المغضوب عليهم ولا الضالين فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل .
وفي رواية مسلم أيضاً في باب الدعاء من كتاب الايمان، أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم تلا قول اللّه عز وجل في إبراهيم عليه السلام: ربّ إنهن أضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فإنه مني (سورة إبراهيم: 36) . فرفع يديه وقال: اللهم أمتي أمتي، وبكى . قال عز وجل: يا جبريل: اذهب إلى محمد - وربك أعلم - فسله: ما يبكيك؟ فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فسأله: فأخبره رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بما قال، وهو أعلم، فقال اللّه تبارك وتعالى: يا جبريل: اذهب إلى محمد وقل: إنا سنرضيك في أمتك .
وفي الصحيحين عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه أنه قال: صلى بنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح في الحديبة في أثر سماء كانت من الليل . فلما انصرف، أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: اللّه ورسوله أعلم . قال صلى الله عليه وسلم: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر . فأما من قال: مطرنا بفضل كذا وكذا فذلك كافر بي، مؤمن بالكوكب . وأما من قال: مطرنا بفضل اللّه ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب .