الهروب إلى الأمام

03:19 صباحا
قراءة دقيقتين

موجة ارتفاع أسعار المنتجات الزراعية تجتاح العالم، وهي ظاهرة تضر بالفقراء أينما حلوا، سواء في البلدان الغنية أم في البلدان الفقيرة، إلا أن الأولى أقدر على تخفيف أضرارها، بينما الثانية ليست لديها القدرة على تخفيف نتائجها إلى المدى الذي تستطيعه الأخيرة. ويرى البنك الدولي أن مآل ذلك اضطرابات قد تعم 33 دولة في العالم، وهو توقع ليس فيه جديد، فالجوع سبب أساسي للاضطرابات ولفقدان الأمن والاستقرار.

وفي مواجهة هذه الأزمة القادمة ما الذي يقترحه البنك؟ رئيسه الجديد روبرت زوليك دعا إلى سياسة غذائية جديدة، وأبرز ما فيها أنه دعا إلى توفير 500 مليون دولار طلبها برنامج الأغذية العالمية، وكعادة البنك في معالجة القضايا الاقتصادية العالمية، فهو يغض النظر أولا عن الأسباب الحقيقية التي تؤسس لأية أزمة، ثم إنه ثانيا يؤكد على الحلول المخففة للآلام، أي المسكنات، كما أنه ينحاز إلى البلدان الغنية.

الأزمة الغذائية في العالم لها أسبابها، ومهما اختلف المراقبون في تأكيد أهمية أي واحد منها، إلا أنهم لا يستطيعون نكران أنها في مجموعها قد أدت إليها. ولعل الأسباب التي تقدم تتركز في التغير المناخي، وفي السياسات الاقتصادية الزراعية في البلدان النامية، وفي السياسات التجارية العالمية.

وقليل من الناس من يختلف حول أن التغيرات المناخية من صنع بني البشر، وبالذات من البلدان المصنعة. أما السياسات الزراعية في البلدان النامية التي لعب البنك الدولي إلى جانب الصندوق الدولي دوراً كبيراً فيها فقد ألحقت أضراراً بهذه البلدان لأنها قادت إلى تغييرات بنيوية في هياكل الملكية وطبيعة الإنتاج، يضاف إلى ذلك أن احتكار الشركات الكبرى وسيطرتها على ملكية البذور الزراعية أدى إلى أضرار من نوع آخر في الانتاج الزراعي العالمي. كما أدت السياسات التجارية العالمية للبلدان الكبرى إلى إلحاق الأضرار بالمنتجات الزراعية في الفقيرة.

هذه هي العوامل الحقيقية الأساسية التي أسست للسياسة الزراعية في العالم، والتي نرى من نتائجها زيادة الفقر بل والجوع في البلدان النامية. وينبغي أن تنطلق المعالجة لهذه الأزمة من إدراك أسبابها، ومن معالجة مباشرة لها، أما التخفيف من الأضرار من خلال مساعدة الفقراء والجوعى فقط فهو لن يذهب بالأزمة وإنما يعمقها في المدى البعيد.

ولن يكفي ما ذكره زوليك من أن النهج الجديد الذي دعا إليه لن يتركز على الجوع فقط، بل وأيضا الترابط بين الطاقة والمحاصيل والتغير المناخي والاستثمار وتهميش النساء. فما شاهدناه حتى الآن لا يتجاوز ملامسة الأسباب من دون الخوض العميق فيها، ومن دون الاعتراف الصريح بكونها كذلك. ولعل بعض ما اقترحه من علاجات مثل المساعدات، وانجاز دورة الدوحة لمنظمة التجارة الدولية، وتأكيد مبادرة شفافية الصناعات الاستخراجية من الأرض، لخير دليل على الهروب من الأزمة إلى أمامها، ومن ثم تكريسها حاليا أو إعادة إنتاجها مستقبلا.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"