يمضي الفنان زهير النوباني في مشواره الفني، وفق خطط خمسية يدرجها سلفاً، تواجه اجهاضات حسب تعبيره نتيجة ظروف محيطة، ورغم ادراكه بأن تخلف الفن العربي يندرج ضمن منظومة الهبوط السياسي والاجتماعي والاقتصادي، فإنه يؤكد محاولته البحث عن أفق جديد ليعيش حالة خوف وتوتر عميقة، تسبق وتلازم وتلحق تعامله مع أدواره ذاتها التي كانت في بداياته على مدار نحو 35 عاماً، خلاصة مسيرة فنية وضعته في مقدمة ابناء جيله حيث حصل مؤخراً على وسام العطاء الملكي للتميز من الدرجة الأولى.النوباني المثقف فكرياً والملتزم دينيا ابتعد لفترة طويلة عن اللقاءات الاعلامية، نتيجة ما نعتها ب فبركات ومغالطات طالت احاديث ماضية، لكنه ارتأى فتح صندوق اسراره ل الخليج، وواجه طرحنا تحفظات طالت اعماله الاخيرة مثل الاجتياح ووضحا وابن عجلان، والجزء الثاني من خالد بن الوليد، وترسيخ أدوار الشر في اطلالته الدرامية، مقدماً رأيه الصريح في جملة من القضايا أبرزها حالة المسرح الأردني، الذي كان اول من أسس عروضه اليومية، وتطرق الى مغالطات انجاز الحلقات، وغيرها في هذا الحوار: متى أديت أول مشهد؟ موهبتي التمثيلية ظهرت في طفولتي واخبرتني والدتي حين كبرت بأنني كنت أضيف جوا من المرح بأدائي خلال زيارات جاراتها وبحكم عمل والدي مديرا لمخفر كانت تصلنا تذاكر للعروض السينمائية، لذلك شاهدت الافلام التاريخية منها ما تناول سيرة هرقل والكابوي والكلاسيكيات مثل دعاء الكروان، واسهم انتقالنا الى السكن في قلب العاصمة عمان في تحفيزي للعمل والدراسة في آن منذ الصغر بقصد اكتشاف الأشياء والانماط الحياتية المحيطة وكنت احصل على مايكفي مصروفي لسنة دراسية كاملة بممارستي مهناً صيفية فبعت الكعك والايس كريم والخضار وعملت في مطبعة، ومحل للخياطة وادركت لاحقا ان ذلك التنقل افادني في الاستناد الى تراكمات تسعفني عند تقمصي للشخصيات الفنية وحين كنت في الصف الخامس الابتدائي في مدرسة الحسن البصري شاهدت للمرة الاولى عرضا مسرحيا لفرقة الكشافة وتمنيت الوقوف على الخشبة، وتزامن ذلك مع دعوة معلم اللغة العربية الطلبة لأداء مشهد ارتجالي قصير داخل الفصل، وكان أول تجربة تمثيلية لي امام مجموعة من أبناء جيلي، وفي الصف الأول الثانوي في مدرسة الامير حسن، قدمت وبعض زملائي عرضا باللهجة المصرية السائدة فنيا آنذاك لكن اهتمامي بالتفوق في القسم العلمي في الثاني والثالث الثانوي في كلية الحسين، صرفني عن ممارسة هوايتي مؤقتاً. ماذا عن ممارستك التمثيل اثناء دراستك الجامعية؟ والدي كان يرغب ان يراني مهندسا او طبيباً، وذهبت، الى دمشق للدراسة في كلية الطب، وحين دخلت مختبر التشريح، ورأيت الجثث أصبت بغثيان، فقررت ترك المكان على الفور، وعدت لاسجل في الجامعة الاردنية متخصصا في الادارة العامة والعلوم السياسية، ضمن كلية التجارة والاقتصاد ولأن والدي ابتعد عن املاكه في رام الله ومع التزامه بتعليم شقيقي الاكبر قبلي ضمن توليه مسؤولية أربعة أبناء وثلاث بنات، طلب مني الاعتماد على نفسي بعدما اعطاني مبلغا زهيدا يشمل رسوم الدراسة والمصروفات للسنوات الاربع وفعلا رحت ابحث عن وظيفة في الفنادق لكن ارتدائي ثياباً مرتبة وأنيقة دفع الجميع الى رفضي لاعتقادهم عدم قدرتي على تلبية حاجتهم في مسح الأرض، وتكنيس الغرف، وحين رجعت الى الجامعة قرأت اعلانا مفاده بحث المخرج هاني صوبر -الذي كان ومجموعة زملاء اسسوا اسرة المسرح الاردني- عن وجوه طلابية لمسرحية الاشجار تموت واقفة وتقدمت لكن الادوار كانت توزعت على زملائي فأسند لي دور خادم ستيني وأنا في الثامنة عشرة من عمري اقول جملة قصيرة في البداية وثانية في الوسط واخرى قبل النهاية حينها شدتني البروفات والأجواء المسرحية فصرت اتواجد طوال التدريبات لأتابع كل شيء عن كثب وفاجأني الراحل صنوبر بضمي الى اسرة المسرح مؤكدا بأنني سأصبح ذا شأن في الفن.. وفعلا تعينت عضوا براتب يكفي مصروفاتي وما يزيد لوالدي، وانهمكت في عمل فني مكثف لاكتساب الخبرة من أهلها أبرزهم المخرج أحمد القوادري بعد دراسته المتخصصة في القاهرة وشاركت معه في مسرحيات الجرة المحطمة، ودنيا المصالح، وحلاق بغداد. متى زاولت المهنة بصورة عملية متفرغة؟ تأخر تخرجي من الجامعة عاماً كاملاً، نتيجة مشاركتي في مظاهرة طلابية سلمية، ضد رفع الرسوم الجامعية، واعتقلت على اثرها مع زملاء، وبعد خروجي بإرادة ملكية، فوجئت بقرار فصلي من الجامعة لمدة سنة، قدمت خلالها حلاق بغداد حول حرية الرأي والعدالة ويبدو ان مدير الجامعة اراد تعويض القرار التعسفي بحقي، فاقترح بعد تخرجي ايفادي الى بريطانيا، لإكمال دراستي العليا في الفن او عملي مشرفاً فنياً في الجامعة، واخترت الأمر الثاني بعد مشاورة والدي، وعملت لمدة سنتين ونصف السنة مشرفاً فنياً، وخضت تجارب مسرحية، فيما كانت اطلالتي الدرامية بسيطة، منها في مسلسل صقور الصحراء، ومشهد في صح النوم مع دريد لحام، وبعد تغيير ادارة الجامعة وصبغ الجانب الاداري على مهامي، استقلت، وتفرغت للعمل الفني، ووضعت خطة خمسية عنوانها بيان ان كنت صاحب موهبة جدية تقودني للاستمرا والا فالانسحاب. بادرت بتأسيس اول مسرح يومي محلياً فلماذا ابتعدت عن الخشبة؟ كانت محطتي المسرحية البارزة في حال الدنيا، وعرضتها في سبع دول عربية، وحازت على جائزة الدولة في الجزائر، وبعد عثرات اعترت فكرة تأسيس مسرح فلسطيني قومي، انضممت الى مسرح الخليج العربي في الكويت، مع المخرج الراحل عبدالعزيز المنصور، والفنانين محمد المنصور، ومحمد السريع، ومنقذ السريع وحملت هاجس تأسيس مسرح جماهيري يومي اردني في مبادرة قدتها بواسطة اعادة مسرحية حلاق بغداد، برؤية جديدة واستمر العرض ثلاثة شهور في قاعة احدى دور العرض السينمائية، كانت مغلقة قبلها ومع مطالبة صاحبها بمزيد من الدخل حتى وصل الى النصف لكن التكاليف أرهقتني رغم الاقبال المتواصل، واستفدت معرفة كيفية استقطاب الجمهور ثم توقفت مؤقتاً، لا سيما بعدما منحنتني ادارة مهرجان جرش آنذاك مبلغاً ضئيلاً، لعروض المسرحية ضمن فعالياتها مع ان الحضور كان كثيفاً وهنا تشعر ان ثمة خطأ ما ولا محفز لمشروعاتك الطموحة..في اعقاب الانتفاضة بحثت عن عمل ملائم، فكانت مسرحية البلاد طلبت أهلها، من انتاجي وتأليف الدكتور عبداللطيف عقل وبعد استعدادات طويلة ودقيقة ظهرت عروضها وسط حضور غصت به قاعة المركز الثقافي، ووصلني كتاب امني بإيقافها في اليوم الحادي عشر، ونقلتها الى القاهرة متكبداً التكاليف وكانت مغامرة ان يخوض غير الفنان المصري تجربة من هذا النوع في عقر دارهم. كيف تصف تجربتك الفنية فترة عودتك المؤقتة الى فلسطين؟ وصلتني دعوة من التلفزيون الفلسطيني، فغادرت الى هناك حاملاً حنيناً لمسقط رأسي، وبقيت هناك لأقدم مسرحية ديمقراطي بالعافية، وأحييت الحركة الفنية في علية في مركز خليل السكاكيني في رام الله، وقدت تدريبات وورش عمل داخله، وقدمت حال الدنيا بمفهوم جديد عنوانه قصة صفية على لسان زوجها شفيق أبو الصخر، وحورب المشروع وواجه مشكلات ادارية وارهقت في وقت تلقيت اتصالا هاتفيا للمشاركة في سلسلة سهرات للمركز العربي، فعدت الى الأردن، وخضتها ثم شاركت في أعمال ضخمة وقدت بطولات وأدواراً رئيسية في الفرداوي وعرس الصقر وامرئ القيس وذي قار مستندا الى خطة خمسية لاستعادة حضوري القوي بعد انقطاع وفعلاً عاد اسمي بقوة عبر أدوار تاريخية وبدوية واجتماعية معاصرة انتهاء في راس غليص، ثم وضحا وابن عجلان وأخيراً الاجتياح، أما خطتي الخمسية التالية بعد حصولي على وسام العطاء الملكي للتميز من الدرجة الاولى ادارة أعمالي الفنية انتاجيا وانتقاء الادوار المعروضة لأنه بات مهماً تقديم أعمال تليق بهذا التكريم. أيهما يحفز الفنان أكثر على العطاء: التكريم الرسمي أم الاقبال الجماهيري على أعماله؟ التكريم الرسمي يشبه المكافأة، التي تدخل السرور على المبدع لأنه لا يأتي الا بعد سلسلة من التراكمات الناجحة، وشخصياً أعد منحي الوسام من أعلى مستوى في الوطن تقديراً لجهودي واعترافاً بدور الحركة الفنية وبمثابة رسالة للاهتمام بمنظومتها وضرورة حسن ادارتها، لكن يبقى التقدير الجماهيري اساس تواصل ونجاح الفنان. لماذا لازم الشر حضورك الدرامي؟ أنا ضد التأطير، واعتبر موهبتي شاملة الكوميديا والخير والتراجيديا، وكل الشخصيات طالما أتقنت وأمتعت في تقديمها، ويبدو أن ندرة القادرين على تجسيد هذا النوع من الادوار بجودة عالية جعلني في أولوية من يعرضها وحتى عندما اقرأ النصوص اجدها الاصعب فتستفزني وأطرحها في كل مرة بهوية وشكل، فمثلاً اضفت بعض الطرافة على منّاع في راس غليص، ومع اقراري بأن نسبة 85%، من أدواري الدرامية تحت مظلة الشر بأساليب متنوّعة، حيث لاحقتني لفترة ولاتزال، لكنني قدمت نماذج اخرى ف بياع الهريسة في العلم نور كوميدي وصافي في حدث في المعمورة معطاء وأبو العز في البلاد طلبت أهلها قدوة مجتمعية ويبدو أنني كنت أكثر تنويعاً على المسرح عموما أنا مسالم بطبيعتي الواقعية. في رأيك اين العلة في المسرح الأردني حاليا؟ بعد التسعينات ظهرت تجربة الثنائي نبيل صوالحة وهشام يانس، بعدما جلس الأول معي واختلفنا في وجهات النظر، وقاد نبيل المشيني فرقته وفعل موسى حجازين مع مجموعته بعد استقلاله عن سابقه، وعرض ربيع شهاب مع بعض الزملاء، وصولاً الى حسين طبيشات، ومحمود صايمة لكن السؤال: هل استطاعت تلك المحاولات ترسيخ جمهور مواظب على المسرح؟. العلة ليست في الجمهور، ولكن في ما يتم تقديمه والأمر ينطبق أيضاً على مهرجانات تجريدية خاوية من الناس والمطلوب من خلال خبرتي نقل واقع المجتمع بأسلوب يحترم العقول بلا اسفاف هابط ولاتعال. ألا تزال مخاوف استعدادك للدور الجديد حاضرة كما كانت في البدايات؟ اتعامل بروح الهاوي، ولا أزال أخاف من الفشل، حتى الآن، ومع كل جديد تتسارع نبضات قلبي وانعزل، وأجرب الشخصية أمام المرآة، واضعاً الاكسسوارات ومتخيلاً أسلوب التعبير، ومع كل نجاح أتساءل عن الآتي، ولا أتوقف عند بريق سابقه.