هل يطوي صدور التقرير الاولي الذي تضمن خلاصة التحقيقات في قضية احداث الضاحية الجنوبية التي حدثت بعد ظهر الاحد الماضي في 26 يناير/كانون الثاني المنصرم، صفحة جديدة من صفحات الازمة اللبنانية، ويفتح على صفحة جديدة يكون عنوانها الاساسي إفساح المجال مجدداً امام المبادرة العربية الرامية لحل هذه الازمة التي دخلت عامها الثاني على التوالي عبر تأمين فرصة انتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيساً للبلاد وتأليف حكومة وحدة وطنية؟ هذا السؤال طرح بإلحاح في الاوساط السياسية اللبنانية في اعقاب صدور نتائج اسرع تحقيق قضائي أمني يشترك فيه الجهازان القضائيان الرسمي والامني العسكري.المعلوم أن الحدث الذي شهدته الضاحية الجنوبية للعاصمة والذي ذهب ضحيته 7 مواطنين برصاص تبيّن لاحقاً انه رصاص الجيش اللبناني قد فتح بقوة جرحاً آخر في الجسد اللبناني المثخن بالجراح فهو أفضى الى:1 زيادة حدة التناقضات الداخلية اللبنانية اذ وجهت المعارضة اصابع الاتهام الى السلطة بشبهة عدم الاهتمام بما حصل ورفع منسوب التحريض الطائفي والمناطقي فيما الموالاة حملت المعارضة مسؤولية تحريض الناس للنزول الى الشارع بغية تأجيج الاوضاع ودفع الأمور الى الانفجار مما ادى الى الحادث المأساوي. 2 تعرضت مؤسسة الجيش التي كانت حتى الامس القريب في موقع المؤسسة الوحيدة التي تجمع اللبنانيين وتقف على مسافة واحدة من طرفي الازمة والنزاع الى حملة تشهير خصوصاً من جانب المعارضة، التي وان حيّدت نوعاً ما قائدها فإنها افهمته بأن ثمة في قيادتها من بات يعمل لمصلحة طرف دون آخر، او على الاقل يسير وفق هوى هذا الطرف ويعمل وفق توجهاته ورؤاه البعيدة الأمد. وعموماً صارت المؤسسة العسكرية احد مظاهر الازمة بعدما كانت في وقت من الاوقات الامل بالانقاذ. 3 توقفت كلياً جهود الجامعة العربية لحل الازمة اذ ارجأ الامين العام للجامعة عمرو موسى عودته الى لبنان لاستئناف الجولة الثانية من مهمته بعدما أُبلغ من جانب ممثل المعارضة العماد ميشال عون بضرورة انتظار نتائج التحقيقات بأحداث الضاحية قبل ان يعود الى بيروت. وقد تقرر فيما بعد أن يستأنف مهمته. 4 لم يعد قائد الجيش العماد سليمان بعد احداث الضاحية مرشحاً توافقياً أو مرشح تسوية، اذ ان المعارضة رهنت هذا الامر واستطراداً رهنت موقفها منه بنتائج التحقيقات. 5 صارت مؤسسة الجيش نفسها عرضة للاستهداف الامني خصوصاً بعدما وجه رصاص مجهول الى العديد من مواقعها ومراكزها في مناطق مختلفة مما افضى الى جرح جنديين. 6 تفجر الصراع او السجال الاعلامي على نطاق واسع مجدداً بين المعارضة والموالاة على خلفية الموقف من الجيش اذ سارعت الموالاة الى تجنيد خطابها السياسي والاعلامي للدفاع عن الجيش في وجه ما اسمته حملة ابتزاز بحقه مارسها الفريق الآخر، فبدا وكأن هذه المؤسسة صارت محسوبة على طرف يدافع عنها فيما الطرف الآخر يهاجمها. الى جانب ذلك بدا واضحاً ان المعارضة ارسلت رسائل الى اكثر من جهة فحواها انها، وان كانت راضية مبدئياً عن نتائج التحقيقات الا ان ذلك لا يلغي رغبتها المكتومة في ان تبادر قيادة الجيش الى اجراءات وتبديلات داخل قيادة هذه المؤسسة بحيث تبعد ضباطاً كباراً كانوا في موقع المسؤولية لحظة اندلاع شرارة الاحداث الامنية التي وقعت في أطراف الضاحية الجنوبية، فتكون تلك التعديلات والتغييرات عقاباً للضالعين او المقصرين وبداية لعودة جسور الثقة بين المعارضة وهذه المؤسسة. وهذا الامر بطبيعة الحال مرفوض من الموالاة التي ستعتبره استكمالاً لنهج ابتزاز المؤسسة العسكرية. ومهما يكن من أمر يبدو واضحاً ان المعارضة تسعى بداية إلى الاستفادة الى اقصى الحدود من الثمار السياسية لما حصل وهي نجحت إلى حد ما في ان تدفع المؤسسة العسكرية الى تبني المسؤولية كاملة عن هذه الاحداث وان تبدي قيادتها نوعاً من الندم على النتائج وتتهم نفسها بأنها انزلقت مكرهة وبطريقة لمتكن في الحسبان الى وضع لم تكن ترغب في بلوغه اطلاقاً. والمأزق الذي شعرت به المؤسسة العسكرية التي كانت حتى لحظة وقوعه فوق كل الشبهات والصراعات الداخلية شعرت به ايضاً المعارضة بالتحديد حزب الله والتيار الوطني الحر بزعامة النائب العماد ميشال عون. فقد اضطر هذان التنظيمان الى بذل جهود مضاعفة للدفاع عن وثيقة التفاهم بينهما بعدما تأثرت هذه الوثيقة بفعل وصول شرارة احداث الضاحية الى منطقة عين الرمانة ذات الغالبية المسيحية الامر الذي استغلته القوات اللبنانية لتدلل على سقوط مفاعيل هذا التفاهم، وذهبت الامور الى حد اعتبار ان الاستهداف الأساسي من هذه الاحداث الامنية كان النيل من وثيقة التفاهم هذه التي عقدت قبل ثلاثة اعوام ومثلت في نظر المعارضة، نقلة نوعية في الحياة السياسية اللبنانية وفي العلاقات بين المجموعات اللبنانية. ولا تخفي مصادر الحزب والتيار ان ثمة جهداً كبيراً تبذله منذ زمن اطراف في الموالاة ولا سيما منها الطرف المسيحي بغية اظهار هشاشة هذا التفاهم بهدف إدانة سلوك التيار الوطني الحر والتقليل من وهج حضوره في الشارع المسيحي. وفي كل الاحوال فإن المعارضة لم تخرج خاسرة كل الخسارة من معمعة هذه الاحداث بدليل ترحيبها المبدئي بنتائج التحقيقات التي صدرت خلال اقل من اسبوع من تاريخ الاحداث. وعليه فإن السؤال المطروح بإلحاح الآن هو ماذا بعد؟ واستطراداً ماذا عن مهمة موسى التي تأخرت انطلاقتها بفعل الاحداث التي لم تكن في الحسبان؟ سواء عاد موسى الى بيروت قبل موعد جلسة انتخاب الرئيس (الثانية عشرة) المقررة في 11 فبراير/ شباط الجاري ام لم يعد، فالواضح ان طرفي النزاع في بيروت، يتحدثان بتحفظ عن نتائج المهمة، وان كان يبادر كل طرف الى اتهام الطرف الآخر بالعمل سلفاً على التأثير في هذه المهمة. اللافت ان المبادرة ومهمة عمرو موسى هما مادة السياسة في السجال الاعلامي والسياسي المندلع على أشدّه في الآونة الاخيرة، ولكن الامر الثابت ان الموالاة والمعارضة على حد سواء لا تطلقان حبل الآمال على غاربه حيال هذه المرحلة الجديدة من مهمة موسى والهادفة الى تسويق المبادرة العربية. فالفريق الاول (الموالاة) ما زال يرى نقطة الضعف الاساسية في مهمة موسى وفي المبادرة ان الاجتماع الوزاري العربي الاخير، تخلى عن مسألة تحديد الحصص في الحكومة العتيدة، بعدما كان يؤمل منه ان يتبنى تفسير البند الثاني من المبادرة والذي اعطاه موسى في المرحلة الثانية من جولته الاولى في بيروت. وهذا يعني بالنسبة للموالاة ان ثمة بداية غير جدية للمبادرة، اذ ستستغل المعارضة هذه الثغرة وبالتالي ستعود الى تمسكها بمبدأ الثلث المعطل او الثلاثة عشر وهو امر سبق لهذا الفريق ان رفضه بشدة. اما المعارضة، فالواضح انها ما برحت تتهم، وان بشكل غير مباشر، موسى بأنه منحاز الى خصمها وبأنه يتبنى وجهة نظر هذا الخصم، بل انها طالبته بصراحة بعدم العودة الى لبنان ان لم يكن يحمل جديداً. وهذا الواقع هو نوع من الشروط المسبقة الذي من شأنه ان يضع العصي في دواليب المبادرة والتي تركت للاطراف اللبنانيين مهمة الاتفاق على تفسير البند الثاني منها والمتعلق بشكل الحكومة وحصة كل فريق فيها.وفي كل الاحوال، وان كان صدور نتائج التحقيقات القضائية والعسكرية في شأن احداث الضاحية الجنوبية قد اطلق سراح مهمة موسى فإن ذلك لا يعني ان هذه المهمة ستحصد ثماراً ونتائج افضل من المرة السابقة. وهذا يعني ان امر الفراغ الرئاسي مستمر الى اجل غير محدد. وفي المقابل فإن خطر اندلاع احداث امنية على غرار احداث الضاحية وما سبقها وتلاها سيبقى امراً وارداً رغم ان طرفي الازمة يؤكدان يومياً اكثر من مرة رغبتهما في الحيلولة دون بلوغ مرحلة الانفجار الواسع. ويبقى الرهان الوحيد هو: هل ثمة في الافق الاقليمي تطورات جديدة تغير من الصورة المعروفة والمشهد المعلوم؟ وبانتظار الاجابة على هذه التساؤلات تبقى الاوضاع على حالها في بيروت.
عادي
أحداث الضاحية جرح جديد في الجسد اللبناني
7 فبراير 2008
01:35 صباحا
قراءة
5
دقائق