في الوقت الذي هدأت فيه الضغوط الخارجية على الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، مع تراجع فرص الخيار العسكري، أخذت الضغوط والتحديات الداخلية في التصاعد، ولم تكن رسالة التوبيخ العلنية من جانب المرشد الأعلى للثورة الإسلامية علي خامنئي لنجاد أمام البرلمان وأمره بتنفيذ قرار البرلمان بتوصيل الغاز لبعض المناطق النائية في شمال إيران، سوى مؤشر على نفاد صبر المؤسسة الدينية المهيمنة على مقاليد الأمور، تجاه نجاد وتثير التساؤل حول مستقبله السياسي وهل بدأ نجمه في الأفول خاصة أنه يعيش الآن بين شقي رحى، وبين سندان التحديات الداخلية ومطرقة الضغوط الخارجية، أم أن ما يحدث هو مجرد تفاعلات سياسية داخلية لا تشكل تهديدا حقيقيا له، وهل سينجح نجاد في احتواء هذه التحديات خاصة مع اقتراب المعركة الانتخابية البرلمانية الشهر المقبل والتي تمثل اختبارا حقيقيا لشعبيته ومن ثم مستقبله قبل الانتخابات الرئاسية العام المقبل؟لم يكن توبيخ خامنئي لنجاد هو بداية اهتزاز ثقته به بعد أن كان الداعم الأساسي له ودوره الكبير في فوزه، بل هذا التوبيخ كاشف للأزمة الحقيقية التي يعيشها نجاد ومؤشر لتراجع شعبيته بعد عامين من وصوله إلى الحكم، ويعود ذلك لأسباب عدة:أولا: إخفاق الرئيس نجاد في تحقيق شعاره التنمية الاجتماعية وبرنامجه الانتخابي الذي خاطب به الفقراء والشباب وأوصله إلى الحكم، وهو أن تكون عوائد النفط على موائد الإيرانيين، إضافة لمحاربة الفساد والقضاء على البطالة، بل على العكس زادت نسبة المهمشين والفقراء، عكستها أوضاع القرويين في شمال البلاد، كما ارتفعت نسبة البطالة، ولم تتحقق عدالة توزيع عوائد النفط، رغم أن إيران حققت طفرات مالية هائلة نتيجة لارتفاع أسعار النفط العالمية حيث تنتج أربعة ملايين برميل يوميا وتعد رابع أكبر احتياطي نفطي في العالم.ثانيا: يمثل الاقتصاد نقطة الضعف الرئيسية لنجاد، فالاقتصاد الإيراني يمر بأزمات عديدة تمثلت في ارتفاع نسبة التضخم إلى أكثر من 20% حسب تقرير البنك المركزي الإيراني، ويعود ذلك لثلاثة عوامل، الأول هو أنه تم استبدال العائدات الكبيرة للنفط والتي قدمت للبلاد في شكل عملات صعبة، بالعملة الإيرانية التومان من دون أن تحظى بتغطية حقيقية لقيمتها في البنك المركزي وهو ما أفقدها قدرتها الشرائية خاصة بعد أن فكت طهران ارتباط عملتها بالدولار، والثاني هو أن النخبة الإيرانية لم تقرر بعد هوية الاقتصاد حيث لا تزال متأرجحة بين فلسفة السوق المفتوح وبين الاقتصاد المغلق للحكومات الاشتراكية والتي تخشى من خصخصة قطاعات الإنتاج في ظل المخاوف من الاختراق الخارجي. والثالث هو العقوبات الدولية التي أدت لتراجع فرص الاستثمار الأجنبي وانسحاب العديد من الشركات والبنوك الأجنبية من طهران مثل بنك دويتش بنك واسهمت العقوبات الأمريكية منذ عام 1979 وأحكمتها بقانون داماتو عام 1996 الذي يعاقب أي شركة تتعامل مع إيران بعدم الدخول للسوق الأمريكية، وكان من نتيجة ذلك أن أصبحت مصافي تكرير النفط والغاز في وضع سيئ جعل إيران التي تمتلك ثاني أكبر احتياطي من الغاز في العالم تستورد احتياجاتها من الغاز من جارتها تركمانستان التي علقت عملية التصدير مؤخرا.ثالثا: أدت سياسة نجاد في الحكم إلى تزايد حدة الاستقطاب الداخلي بين المحافظين والإصلاحيين من ناحية وداخل المحافظين أنفسهم من ناحية أخرى، فخصومه الإصلاحيون يتهمونه باتباع منهج التهميش والإقصاء بل والتخوين، وقيامه باستبدال كثير من المسؤولين في حكومته بعناصر من الحرس الثوري ومنظمة الباسيج المقربة منه، بما يشبه حكومة الثكنات، إضافة لدوره في استبعاد ما يقرب من ثلث المرشحين الإصلاحيين للانتخابات البرلمانية المقبلة عبر عملية التدقيق من قبل مجلس صيانة الدستور تحت زعم مخالفتهم لمبادئ الثورة الإسلامية، ولم تكن الاحتجاجات الكبيرة والمتعددة في الجامعات إضافة لإضرابات المعلمين وسائقي الشاحنات وغيرهم سوى انعكاس لتصاعد غضب الإصلاحيين عليه، ومن ناحية ثانية فإن المحافظين المتشددين وعلى رأسهم علي خامنئي، ينظرون إليه على أنه خرج عن مبادئ الثورة الإسلامية وفكر مؤسسها، والأخطر أنه يشكل تهديدا لسيطرة المحافظين على مفاصل السلطة في إيران خاصة البرلمان والرئاسة مع اقتراب الانتخابات البرلمانية الشهر المقبل، وأن سياسته تؤدي إلى زيادة الغضب الشعبي مما يهدد سيطرة المحافظين أنفسهم على السلطة وعلى مستقبل الجمهورية الإسلامية، لذلك فإن الانتقادات تأتي من الإصلاحيين ومن تيار المحافظين المعتدلين وعلى رأسهم الرئيس الأسبق هاشمي رافسنجاني، رئيس مجلس صيانة الدستور، وقد بدأ خامنئي يعبر عن ضجره من أخطاء نجاد ويفقد الثقة فيه وهو الأمر الذي يشكل تهديدا حقيقيا له وعامل أساسي في بدء أفول نجمه السياسي.رابعا: أسلوب نجاد الصدامي في إدارته لتفاعلات البرنامج النووي، فرغم أن تفاعلات البرنامج قديمة قبل وصوله إلى الحكم، إلا أن خطابه المتشدد أدى لمزيد من عزلة بلاده ودفع الأوروبيين إلى الوقوف في صف الولايات المتحدة في فرض العقوبات بعد أن نجح الرئيس خاتمي في دفع أوروبا نحو الإبقاء على خيار الحوار عبر منهج الحوار النقدي وتمايز موقفهم عن الموقف الأمريكي، بينما راهن نجاد على روسيا والصين فقط في دعمه موقفه لكن لعبة المصالح متبدلة حيث انضمت الدولتان مؤخرا إلى الولايات المتحدة في تقديم مشروع جديد لمجلس الأمن لفرض الحزمة الثالثة من العقوبات مما يزيد من الضغوط على الاقتصاد الإيراني، وبرغم تراجع فرص الخيار العسكري بعد تقرير الاستخبارات الأمريكية، إلا أن ذلك بدوره أسهم في تفجر المشكلات الداخلية أمام نجاد، ومن ناحية أخرى فإن نجاد يخصص أموالا طائلة لإقامة البرنامج النووي، على حساب توجيه عوائد النفط لمصلحة التنمية مما يزيد من تدهور الأوضاع الاقتصادية ويكرر تجربة الاتحاد السوفييتي السابق الذي أنفق أموالا طائلة على سباق التسلح وأهمل الاقتصاد مما أدى لانهياره في نهاية المطاف.ومن ثم مع تراجع التوتر على صعيد الملف النووي، فقد نجاد أحد أهم الأوراق لحشد الدعم الداخلي له، وأصبح مصير نجاد السياسي على المحك، وهناك ثلاثة عوامل أساسية سوف تحدد مستقبله، أولها استفحال الأزمة الاقتصادية الداخلية، وثانيها زيادة حدة الانقسامات السياسية بين المحافظين والإصلاحيين وداخل المحافظين، وثالثها الضغوط الخارجية المتمثلة في العقوبات وتزايد العزلة الدولية، فإذا استمرت تلك العوامل الثلاثة في التصاعد، والتلاقي فسوف تؤثر بشكل سلبي في شعبية نجاد من ناحية، وفي هيمنة المحافظين على مفاصل صنع القرار من ناحية أخرى، بل قد تهدد سيطرتهم على البرلمان في الانتخابات المقبلة، كخطوة أولى ثم خسارة المحافظين للانتخابات الرئاسية في العام المقبل، وهنا فإن المؤسسة الدينية أمامها خياران، إما تنبيه نجاد وضبط سياسته الاقتصادية والسياسية، أو التضحية به ككبش فداء وإجباره على تقديم الاستقالة، ودعم مرشحين بدائل مثل علي لاريجاني ووزير الخارجية منوشهر متكي، لكن في كل الأحوال فإن التحديات التي يواجهها نجاد حتى الآن ليست من الخطورة التي تطيح به قبل انتهاء ولايته، لكن قدرته على مواجهة تلك التحديات وإعادة تصحيح سياسته ومعالجة الأزمة الاقتصادية وبناء التحالفات الدولية، خاصة الانفتاح مع دول الخليج العربية سوف تلعب دورا كبيرا في تحديد مستقبله السياسي خاصة في الانتخابات الرئاسية العام المقبل.
عادي
مستقبل نجاد بين التحديات الداخلية والضغوط الخارجية
7 فبراير 2008
01:40 صباحا
قراءة
5
دقائق