يكتسي ملتقى الشارقة لفن الخط العربي الذي تنطلق اليوم دورته الثالثة، أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباطه بتأصيل فكرة الهوية والانتماء ومنحها المزيد من الألق والنماء والتطور، وذلك من خلال تدعيم بيئة التفاعل الابداعي بالمزيد من المفردات، حيث يشتمل الملتقى على جملة من الفعاليات الثقافية والفنية التي تكرس رسالة الملتقى وتفتح الباب للمبادرات الابداعية بين المشاركين المتخصصين في المجالات التطبيقية والنظرية.
الملتقى يعزز من جانب آخر، مكانة الشارقة بوصفها محطة عربية لا يمكن أن تذكر من دون الوقوف طويلا أمام الجهود الجبارة التي ما تنفك تبذلها من أجل الارتقاء بالفعل الثقافي المحلي والخليجي والعربي. والعمل على تطوير وترقية فن الخط العربي لا يخرج عن هذا الإطار. وتأتي في السياق نفسه، النشاطات والفعاليات الجادة والمستمرة على مدار السنة في المجال التشكيلي، لتتحول الشارقة من وجهة ثقافية بالمعنى العام إلى وجهة عالمية للتشكيل بالمعنى الخاص.
من هذا المنطلق، أتصور أن ملتقى الشارقة لفن الخط العربي ينبغي أن يخرج من الإطار الضيق لينفتح على التجارب العالمية في هذا المجال. وقد ظهرت في مناسبات مختلفة، تجارب خطية غير عربية مثيرة فعلا للاهتمام وجديرة بالبحث والدراسة لاستكشاف الخلفيات الثقافية التي تنطلق منها في العناق الذي تعمل على تجسيده بين الخصوصية والعالمية.
المطلوب الآن هو أن يتحول الخط العربي إلى محط اهتمام فني عالمي بحيث تخرج إبداعات جديدة من مختلف البيئات، يشتبك فيها العالم بمفرداته الثقافية المتنوعة، اشتباكا حميدا مع خصوصيتنا العربية الإسلامية.
الملتقى يهدف أساساً إلى الاهتمام بفن الخط العربي والحفاظ عليه باعتباره تراثاً إنسانياً جمالياً، وتفعيل الدراسات والابحاث النظرية، وتنمية الذائقة الجمالية لدى الجمهور، والإسهام في توضيح الصورة الحضارية للفنون العربية والاسلامية ونشرها وتكريم مبدعيها في إطار الحوار الانساني، والاهتمام بالتجارب الخطية على المستوى الدولي.
يتميز ملتقى الشارقة من بين الملتقيات العربية والدولية بأنه ليس معرضاً عاماً للوحات وحسب كما هو المعتاد، بل هو بينالي دولي بجميع المعايير والمقاييس الفنية العالمية. ولأنه البينالي الوحيد دولياً المتخصص في الخط، والذي يخاطب الأصيل منه والحديث والمعاصر معاً، فإن ذلك يجعل منه محطة انفتاح وعناق مع التجارب العالمية في هذا المجال.
من المهم أيضا وبخاصة في اللحظة الحضارية الراهنة، أن يدخل الخط العربي لا أقول ساحة الصراع، بل ساحة الحوار الفني الجميل مع الفنون العالمية في مختلف الثقافات، لتنتج عن ذلك موسيقا ثقافية عالمية جديدة مثل تلك التي نتجت قديما في الأندلس من خلال اللقاء والتفاعل المثمر بين الثقافات العربية والإسلامية والشمال إفريقية والإسبانية. تلك السمفونية الحضارية الأندلسية التي ما زال العالم كله إلى اليوم يستذكر أنغامها بكثير من الدهشة والانبهار أمام ذلك التعايش الخلاق والفريد من نوعه في التاريخ كله.
سعيد جاب الخير