سيمر وقت طويل قبل أن يحسم اللبنانيون المنقسمون عمودياً حول كل الأمور تقريباً، ما اذا كان قرار غياب حكومة الرئيس فؤاد السنيورة عن القمة طوعاً وعن سابق وعي وتصميم، وفي خطوة ارادها أن تكون مدوية، قراراً موفقاً اعطى نتائجه وثماره أم العكس؟ وبالطبع ما من مقياس معين لحسم هذا الجدال الذي سيضاف الى قائمة مواد السجال الطويلة بين المعارضة والموالاة.
ولكن الواضح أن قرار المقاطعة الذي اتخذه لبنان، لم يفعل فعله، ولم يؤد غرضه بالمطلق، اذ نجحت الصفقات العربية العربية، التي جرت في كواليس المؤتمر في تغييب شبه تام للأزمة اللبنانية، إذ لم يتوقف المشاركون في مؤتمر القمة طويلاً امام مسألة الغياب اللبناني واسبابه ودوافعه، ولم تسجل وسائل الاعلام التي واكبت المؤتمر أي معلومات عن فتح نقاش سري أو علني حول الأزمة اللبنانية بكل تشعباتها ومنها الغياب اللبناني عن حضور المؤتمر.
جاء البيان الختامي للمؤتمر ليؤكد ما هو مؤكد وفق سياسيين لبنانيين، وتحديداً عندما اعلن دعم المشاركين في المؤتمر للمبادرة العربية لحل الأزمة اللبنانية.
مع هذا الشعور بالخيبة الذي تضج به خصوصاً الصالونات السياسية لقوى الموالاة في لبنان، وان بشكل مكتوم، فإن ثمة من يخول لنفسه ان يتحدث الآن عن تفاؤل يمكن ان يسجل من وراء اجواء التهدئة التي خيمت على اجواء المؤتمر وطبعت أعمال المؤتمر وبيانه الختامي خلافاً للجو العاصف الذي سبق المؤتمر على صعيد العلاقات العربية العربية.
ففي ضوء هذا التطور الايجابي الجديد، فإن ثمة في بيروت من يأمل ان يكون ذلك مقدمة لانعكاسات ايجابية على ملف الأزمة اللبنانية التي دخلت منذ نحو أربعة أشهر عامها الثاني، وقصرت كل المبادرات العربية حتى الآن عن انضاج تسوية تفضي الى ايجاد حل لها.
وطبعاً ليس بحوزة اصحاب هذا الرأي أية وقائع حسية تدفعهم الى المضي قدماً في تفاؤلهم ولكن الأمر يبقى مجرد تأويلات، تنطلق في عمقها من معلومات عن ان هدوء خطاب الرئيس السوري بشار الأسد في جلسة افتتاح القمة، لا بد أن يكون مقدمة أو مؤشراً على إمكان انفتاح ابواب انفراج العلاقات العربية-العربية، الأمر الذي من شأنه أن ينعكس ايجاباً على الأزمة اللبنانية التي تختزن كما هو معلوم في اعماقها تناقضاً عربياً-عربياً.
وفي كل الأحوال، لا بد من انتظار وقت معين حتى يتيقن المؤمنون بهذه الرؤية من صدقها ودقتها من خلال التحرك الذي أعلن الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى انه يعتزم القيام به في لبنان مجدداً من دون ان يحدد موعداً نهائياً لذلك.
ورغم ان ثمة من يتحدث في دمشق عن إمكان عقد اجتماع عربي مصغر لبحث الأزمة اللبنانية، وهو ما طالب به الرئيس السنيورة في الكلمة التي وجهها الى مؤتمر القمة عشية انعقاده إلا أن الأمر ما زال مجرد افكار يتم تسويقها وبحثها في عدد من العواصم العربية، علماً بأن ثمة من يرى صعوبة في تحقيق هذا المطلب، وترجمة عملية لهذه الافكار، اذا ما بقيت العلاقات العربية العربية على مستواها العالي من التوتر.
وفي كل الاحوال، فإن الأوساط السياسية في بيروت تملكها في الأيام القليلة الماضية ما يشبه اليقين من ان التخوف الذي سرى قبل انعقاد القمة في بيروت تحديداً من امكان حدوث تصعيد سياسي وأمني في الساحة اللبنانية، بدأ يتبدد شيئاً فشيئاً، لمصلحة نظرية تقول إن المعارضة ليست صاحبة مصلحة آنية أو مستقبلية في تصعيد سياسي وعلى الارض، كانت السباقة إليه دوماً، لقلب الأمور أو لإحكام حلقات الحصار على حكومة السنيورة. فالمعارضة ما برحت تلتزم بمضامين مقولة فحواها ان الوقت هو ضد مصلحة خصمها السياسي أي الموالاة العاجزة عن فعل أي شيء دراماتيكي يغير مسار الاوضاع ويبدد نظرية ان الامور هي عملياً بيد المعارضة وان كانت الموالاة تمسك بمقاليد أمور الحكومة.
لذا فالمعارضة لا تنكر في أوساطها أنه مهما كان حجم تلويح الموالاة بامكان ترميم الحكومة أو توسيعها، في طريق إمساكها بصلاحيات رئاسة الجمهورية الشاغرة، فالامر سيبقى مجرد تهويل أو خطاب توجهه هذه القوى الى جمهورها لتمرير الوقت.
وفي المقابل، فإن رموز الموالاة بدأوا يعبرون في خطابهم السياسي عن ضيقهم من مسألة العجز عن القيام بأي خطوات جديدة ولا يكتمون تبرمهم من البقاء مسمرين عند حدود اللعبة السياسية الحالية وفق قول النائب عن الحزب التقدمي الاشتراكي وائل أبو فاعور.
وحيال ذلك، فإن السؤال المطروح هو: ماذا في جعبة الموالاة من أوراق مستورة يمكن أن تلعبها في مرحلة ما بعد القمة العربية، من شأنها ان تحرك المياه الراكدة حالياً ومنذ زمن في طاحونة السياسية اللبنانية خرقاً للحصار الذي تحاول المعارضة فرضه على الواقع السياسي اللبناني تمهيداً لإنهاك خصومها وتوطئة لتقطيع الوقت حتى يحين موعد الانتخابات النيابية العامة المفترض إجراؤها بعد عام ونحو شهرين على ابعد تقدير؟
لا يخفي رموز في فريق الموالاة انهم يعدون العدة لملاقاة المرحلة المقبلة، وهم اذ ينفون ان يكون التصعيد في الشارع مدرجاً على جدول اعمالهم المقبل، دفعاً لإشاعات مغرضة بدأ يبثها بعض رموز المعارضة والدائرون في فلكها فانهم يعلنون على سبيل المثال وليس الحصر، أنهم لن يجاروا من الآن فصاعداً المعارضة في لعبة تقطيع الوقت، لذا فهم لن يمضوا مع رئيس مجلس النواب نبيه بري في دعوته الجميع الى الالتئام مجدداً حول طاولة حوار وطني على غرار الطاولة التي نظمها سابقاً وسيكون بالتالي ردهم على هذه الدعوة من خلال التمسك بانتخاب رئيس للجمهورية يملأ الفراغ الرئاسي الحاصل منذ اكثر من خمسة اشهر اولاً على ان يرعى هذا الرئيس وفي قصر بعبدا طاولة الحوار الموعودة هذه. ولكن هذا الأمر على بداهته، لا يعني بوادر حل وشيكة للأزمة اللبنانية، بل يعني ان الأزمة مؤهلة للامتداد.
ومهما يكن من أمر فقد بات واضحاً لدى طرفي النزاع في بيروت أن الذهاب الى التصعيد في الشارع محظور، وان المضي نحو خطوات من شأنها أن تزيد التناقضات وتدفع نحو التفجير والانفجار كمثل توسيع الحكومة أو ترميمها أو اتخاذها قرارات مصيرية (التعيينات في القضاء والسفارات) ممنوع مقاربته. وحيال ذلك بات على هذين الطرفين انتظار ثلاثة ثوابت أساسية والتعامل معها على اساس انه من الصعوبة بمكان تجاوزها وهي:
1 التعامل مع المبادرة العربية كحقيقة دائمة لا يمكن الاستغناء عنها أو انتظار مبادرة اخرى عربية أو غير عربية.
2 انتظار الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى علّه يحمل تنويعاً جديداً في داخل المبادرة يسهم في ترجمتها عملياً وتنفيذها.
3 عدم الايمان بإمكانية تحقيق تقارب لبناني داخلي، من شأنه أن يقرب المسافات بين الموالاة والمعارضة على نحو يسمح لهما بإنتاج تسوية داخلية تأخذ طريقها نحو التنفيذ بعيداً عن حسابات المحاور الخارجية.
وبناء على هذه النظرية، فإن ثمة من لا ينتظر النجاح للمبادرة التي سبق أن أعلنها الرئيس بري، وهي دعوة الجميع للعودة الى طاولة الحوار لأن الرجل ربط اتمام هذه الخطوة بإعلان نعي المبادرة التي يبدو أن قمة دمشق أعطتها جرعة حياة جديدة واختارت ان تبقيها على قيد الحياة بانتظار المناخات التي تسمح لها بالنضوج والتحول الى تسوية حقيقية تعيد عجلة الامور في لبنان الى ما قبل اندلاع الأزمة الحالية.
لذا فإنه صار واضحاً ان مرحلة ما بعد القمة في بيروت لن تختلف بكثير من مواصفاتها ومجاريها عن مرحلة ما قبلها، فعلى طرفي النزاع في بيروت ان يجددا مهلة انتظارهما والتعاطي مع المبادرة العربية للحل كحقيقة يصعب الفكاك منها أو الخروج عليها ولكن البحث سيبقى دائماً في مسألة تفسيرها وكيفية تنفيذها.