عادي

يوسف جيلاني من السجن إلى رئاسة الحكومة

02:17 صباحا
قراءة 5 دقائق

جاءت الرياح بما تشتهي سفن يوسف رضا جيلاني، أحد أبرز مساعدي رئيسة الوزراء الراحلة بينظير بوتو، وزعيمة حزب الشعب الباكستاني، في المرحلة التي سبقت اغتيالها أواخر العام الماضي، لتسهيل وصوله إلى مقعد رئاسة الوزراء، في ضوء مخرجات الانتخابات التشريعية العامة التي جرت في 18 فبراير/ شباط ،2008 ولتجسيد اتفاق تقاسم السلطة في الحكومة المركزية وحكومة البنجاب مركزا القوة في باكستان بين الحزبين الكبيرين، حيث وقع اختيار الجمعية الوطنية الباكستانية (البرلمان) على جيلاني لتولي رئاسة الحكومة الائتلافية بين أحزاب المعارضة الرئيسية في البلاد، بعدما حصل مرشح حزب الشعب على تأييد 264 صوتاً، من جملة أعضاء البرلمان، البالغ عددهم 342 عضواً، فيما حصل منافسه، تشودري برويز إلهي، مرشح حزب الرابطة الإسلامية (جناح القائد الأعظم) حزب الرئيس الباكستاني الحاكم، برويز مشرف، على 42 صوتاً فقط!! وليصبح رئيس الوزراء الخامس والعشرين في تاريخ باكستان.

على الرغم من أن انتخاب جيلاني كان متوقعاً حيث يمتلك تحالف المعارضة، والذي جرى تشكيله بعد هذه الانتخابات، بين حزب الشعب أكبر كتلة برلمانية بعد حصده 121 مقعداً، ولكن من دون العدد الكافي لكي يحكم بمفرده، وحزب الرابطة الإسلامية (جناح نواز شريف) رئيس الوزراء الباكستاني السابق والذي جاء ثانياً حيث حصل على 91 مقعداً، وحزب الجبهة القومية المتحدة البشتوني من الشمال الغربي، وحزب جمعية علماء المسلمين، بزعامة العلامة فضل الرحمن، غالبية المقاعد في البرلمان، والإجماع على تسمية جيلاني، فقد تجاوز عقبة نائب رئيس حزب الشعب، مخدوم أمين فهيم، الذي كان الخبراء يعتقدون أن الحزب سيقدمه على سائر المرشحين، حيث كان ينظر إليه على أنه يحظى بثقل شعبي يجعله بديلاً عن الراحلة، بوتو، بينما اعتبر البعض أن فهيم مقرب أكثر من اللازم من الرئيس الباكستاني، والذي بدوره لم يتسبب في أي اعتراضات أو انشقاقات في صفوف حزب الشعب ضد ترشيح جيلاني، بعد أن تم تهميش فهيم إثر المماحكات المريرة، والدور الذي لعبه آصف علي زرداري، الزعيم الفعلي للحزب، ووالد بيلوال بوتو زرداري، ابن بينظير بوتو، وخلفها على رأس الحزب، في تسمية جيلاني كمرشح لرئاسة الحكومة الائتلافية المقبلة، وعلاقته المميزة والوطيدة مع جيلاني وفترة السجن المشتركة، إضافة إلى فشل مشرف في الرهان على إحداث الوقيعة بين الحزبين الكبيرين، مستغلاً موروث الصراع المرير ضد بعضهما على مدى عقد تقريباً، لتغيير المعادلة السياسية في البلاد، قبل أن يستولي مشرف على الحكم في انقلاب ابيض عام ،1999 أطاح فيه برئيس الوزراء السابق نواز شريف، وعرقلة التحالف بينهما، ومحاولته تشكيل حكومة جديدة بالتعاون مع حزب الشعب وأحزاب أخرى، نتيجة ما سبق الاتفاق عليه مع بوتو، قبل عودتها للبلاد، لتقاسم السلطة، غير أن زرداري رفض المضي قدماً، وأبرم اتفاقاً مغايراً مع نواز شريف إثر لقاء جمعهما في إسلام أباد، معللاً ذلك الموقف بمدى مسؤولية الرئيس مشرف عن اغتيال بوتو، وعدم تأمين الحراسة الأمنية الكافية لها، والتستر على العناصر التي اغتالتها، ومبادرة مشرف الى إعلان حالة الطوارئ في 3 نوفمبر الماضي، وهي خطوة لم تكن ضمن بنود الاتفاق، وإصراره على عدم رد اعتبار محمد افتخار شودري وكافة قضاة المحكمة الدستورية والمحاكم العليا الذين أقالهم مشرف من مناصبهم، ورفض حزب الشعب كافة التعديلات التي أدخلها مشرف على الدستور الدائم للبلاد عام 1973.

وفي ضوء مجمل ذلك، تسني لجيلاني (58 عاماً) أداء اليمين الدستورية أمام الرئيس، برويز مشرف، في مفارقة صارخة، تتبدى معالمها من خلال القراءة السريعة لسيرة حياة هذا القيادي البارز الذي لم يكن بمعزل عن الحياة السياسية الباكستانية، رغم أنه لم يكن من طبقة كبار ملاك الأراضي، مثل أسرة بوتو، حيث كان والده نائباً في الخمسينات، وبعدما حصل جيلاني على دبلوم الصحافة، إلا أنه دخل معترك السياسة في الثمانينات، في عهد نظام ضياء الحق العسكري، الذي اعدم رئيس الوزراء ذو الفقار علي بوتو، والد بينظير، وفي عام ،1988 انضم لعضوية حزب الشعب، وأصبح وزيراً للصحة، ثم وزيراً للإسكان في حكومة بوتو الأولى من 1988 إلى ،1990 كما عين رئيساً للجمعية الوطنية في ظل حكومة بوتو الثانية، من عام 1993 إلى عام ،1996 بيد أنه بعد استيلاء مشرف على السلطة في انقلاب عام ،1999 وإطلاقه حملة واسعة ضد الفساد تستهدف كبار السياسيين، اتهم جيلاني بمنح وظائف حكومية إلى 350 شخصاً من دون مراعاة القواعد المتبعة وبالتجاوز في استخدام سيارات وهواتف الوظيفة، وأدخل السجن في عام ،2001 وأمضى خمس سنوات في السجن من دون أن تتم إدانته، ورفضه الإفراج عنه مقابل التخلي عن حزب الشعب ليخرج في إطار العفو الذي يتيح لبينظير بوتو، المتهمة أيضاً، العودة من المنفى في أكتوبر/ تشرين الاول 2007.

وبصرف النظر عما إذا كان جيلاني سيمضي ولايته للسنوات الخمس القادمة، أم أنه سيكون مؤقتاً، ريثما يأخذ صديقه زرداري مكانه بعد أن يترشح عن دائرة زوجته الراحلة في الانتخابات الجزئية في مايو/ ايار المقبل، وينجح، والذي تعذر عليه ذلك حيث لم يكن نائباً، بعدما أسقطت محكمة مكافحة الفساد في راولبندي آخر دعاوى الابتزاز المالي بحقه وبرأته من التهم الموجهة إليه، فإن مواجهة صعبة ستحدد العلاقة بين الرئيس مشرف والحكومة الجديدة، رغم إعلان مشرف عزمه العمل مع رئيس الحكومة الذي اختاره البرلمان، خاصة بعد الإعلان عن إعادة تعيين أكثر من 60 قاضياً، ورفع الإقامة الجبرية عن الذين كان مشرف قد قرر إيقافهم عن العمل في أعقاب الخلاف الذي نشب مؤخراً بين المحكمة العليا والنظام الرئاسي في الفترة التي سبقت الانتخابات البرلمانية الأخيرة، على خلفية النظر في شرعية إعادة انتخاب مشرف رئيساً للبلاد، وكثير من الملفات الشائكة في الصراع المفتوح، لاسيما الإصرار على الدعوة لإجراء تحقيق دولي تحت إشراف الأمم المتحدة في جريمة اغتيال بوتو، واستحقاقات إكمال انتقال البلاد من الحكم العسكري إلى حكم مدني، وإلغاء التعديلات الدستورية التي أجراها مشرف لتعزيز سلطاته بما في ذلك سلطة إقالة الحكومة، واسترجاع هيبة وصلاحيات البرلمان وجعله السلطة العليا وضرورة مناقشته لمختلف السياسات الخارجية وحماية الدستور ودعم المؤسسات القضائية وحرية الإعلام، وتكاتف كافة القوى السياسية للعمل من أجل للنهوض بالبلاد وحل المشاكل والتحديات للخروج من الأزمة الراهنة، خاصة الصعوبات الاقتصادية الجمة والتي أدت إلى تضخم حاد وعجز متفاقم، والتدهور الأمني الملحوظ،، وصعوبة قيام الحكومة بتنفيذ كامل رغبات واشنطن في إطار الحرب على الإرهاب، وقدمت لحليفها مشرف، الذي خاض هذه الحرب بالنيابة عن واشنطن داخل الأراضي الباكستانية مساعدات مالية وعسكرية سخية تزيد على 10 مليارات دولار، وهو الشعار الذي استخدمه مشرف كمبرر للكثير من الخطوات غير الشعبية التي اتخذها مما أثار غضب الكثير من الباكستانيين، ما يعني بناء مقاربة جديدة تقوم على اعتماد سياسة الحوار بدلاً من استعمال القوة إلا بعد فشل المفاوضات.

وفي التحليل الأخير، على مشرف الوفاء بوعده الاستقالة من منصبه كرئيس للبلاد إذا خسر دعم وتأييد الشعب له، حيث جاءت نتائج الانتخابات الأخيرة بمثابة استفتاء على فشل سياساته، وتدهور حاد في قاعدته السياسية والشعبية، وفقدانه الكثير من الأوراق التي كانت بيده، وبات في مواجهة شرسة مع معارضة قوية البنيان تتولى زمام الحكم، وتتحكم في أغلبية الثلثين في البرلمان، وهو ما يمكنها الإطاحة، دستورياً، بمشرف، إذا لم يبادر بتقديم استقالته، وإلا سيواجه صراعاً مفتوحاً على الصلاحيات والنفوذ، رغم الضغوط التي تتعرض لها المعارضة من قبل واشنطن للإبقاء على مشرف في منصبه، مما سيدخل البلاد في أزمة سياسية متوقعة، يفاقم من حدتها مخاطر أن يمارس مشرف صلاحياته في حل البرلمان،

وما يمكن أن يتولد عن ذلك من تصاعد التوتر

والعنف واحتمالات انقلاب عسكري يزيد من تعقيدات الأزمة.

* باحث وكاتب سياسي عربي مصر

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"