عادي

تصفية “إسرائيلية” للقضية على وقع الانقسام الداخلي

03:47 صباحا
قراءة 5 دقائق

لا يمكن وضع زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس للبيت الأبيض، ولقائه الرئيس الأمريكي جورج بوش، في غير مربع الفشل، فالرئيس عباس طار إلى واشنطن بعدما تملكته القناعة - رغم تصريحاته العلنية بأنه بإمكان الأطراف كافة العمل على انجاز اتفاق تسوية قبل نهاية العام الجاري- بأن الوقت يمر سريعاً منذ مؤتمر أنابولس من دون تحقيق تقدم ملموس في المفاوضات الجارية

مع الإسرائيليين، والسبب في ذلك جلي ومعروف وهو المماطلة الإسرائيلية والتسويف وإغراق الفريق الفلسطيني المفاوض في قضايا حياتية تفصيلية بعيداً عن قضايا الحل النهائي، وهو ما يضع رؤية ووعود الرئيس بوش في مهب الريح، كون الولايات المتحدة ستغرق في الانتخابات الرئاسية والإعداد لها خلال الشهور القليلة المقبلة.

مصادر رسمية رافقت الرئيس عباس في زيارته للعاصمة الأمريكية كشفت في تصريحات صحافية أن الرئيس عباس عاد من الزيارة محبطاً ومتشائماً، خصوصاً بعد اللقاءين الرئيسيين مع الرئيس بوش ووزيرة خارجيته كوندوليزا رايس، بمعنى أن عباس لم ينل ما سعى إلى تحقيقه من الزيارة للولايات المتحدة، وهو تسريع وتيرة المفاوضات حول قضايا الحل النهائي بهدف ضمان انجاز اتفاق تسوية سياسية قبل نهاية الولاية الثانية للرئيس بوش التي تنتهي مطلع العام المقبل.

ويدرك الرئيس عباس وفريقه أن استمرار وتيرة المفاوضات على وضعها الحالي وإطلاق اليد الإسرائيلية للتسويف والمماطلة والتحكم في سير المفاوضات، ستؤدي إلى الفشل الحتمي، وبالتالي فإن المفاوضات ستأخذ سنوات طويلة قادمة، إذ إن رحيل بوش عن البيت الأبيض يعني رحيل رؤيته ووعده وخريطته، وحتمية انتظار سيد البيت الأبيض الجديد لربع الساعة الأخيرة من ولايته- كما جرت العادة مع الرؤساء الأمريكيين- ليتذكر القضية الفلسطينية ويعمل على التوسط لحلها وإضافة انجاز إلى سجله قبل الرحيل عن كرسي الرئاسة وطبعاً لن يتأتى له ذلك إلا بالانحياز للمصالح الإسرائيلية على حساب الحقوق الوطنية المشروعة.

الدولة العبرية تريد الحفاظ على استمرارية المفاوضات مع الفلسطينيين من دون انجاز حقيقي على صعيد القضايا المصيرية، وذلك إلى حين استكمال مخططاتها الخبيثة على الأرض، والضغط من أجل إجبار الفلسطينيين في نهاية المطاف بالموافقة على ما كشفت عنه مصادر إعلامية حول إعلان مبادئ ينهي به الرئيس بوش حياته في البيت الأبيض، ويحقق للدولة العبرية مصالحها من حيث الحفاظ على مدينة القدس المحتلة موحدة تحت السيطرة الإسرائيلية بعد ضم مساحات من أراضي الضفة الغربية إلى حدود القدس الكبرى، في حين لن تمانع سلطات الاحتلال من الموافقة على وضع المقدسات الإسلامية في المدينة المقدسة تحت السيطرة الإسلامية.

وبحسب تصور رئيس وزراء دولة الاحتلال أيهود أولمرت، التي يبدو أنها تحظى برضا وموافقة أمريكية، فإن الكتل الاستيطانية في الضفة الغربية تُضَم إلى الدولة العبرية، وتوَسع أفقيّاً لتحقيق التواصل مع كل كتلة استيطانية، وتشير المعلومات المتوفرة حول هذا التصور إلى أن مجموع الأراضي التي تطالب سلطات الاحتلال بالإبقاء عليها حوالي 15 في المائة من مساحة الضفة الغربية الإجمالية، علماً بأن الطلب الإسرائيلي في مفاوضات كامب ديفيد الثانية عام 2000 كان على ضم 8 في المائة من الضفة، ووفقاً لهذا التصور فإن أولمرت يعرض لحل مشكلة ترابط وتواصل أراضي الدولة الفلسطينية البحث في بناء سلسلة من الجسور والأنفاق.

ويستبعد مخطط أولمرت منطقة الأغوار بكاملها من أي اتفاق مع الفلسطينيين ويبقيها تحت السيطرة الإسرائيلية كونها مجالاً أمنياً حيوياً، ويطرح ممراً للفلسطينيين إلى جسر الملك حسين مع الأردن.

وبالنسبة لقضية اللاجئين، فإن أولمرت ووفقاً لمخططه التصفوي الخبيث، يرفض نهائياً عودة أي لاجئ فلسطيني إلى حدود فلسطين التاريخية التي هجروا منها قسراً إبان قيام الدولة العبرية في العام 48.

ما شجع الدولة العبرية على التفكير في مثل هذا المخطط الخبيث الذي يصفي القضية الفلسطينية ويقضي على آمال الفلسطينيين في التحرر والاستقلال، وإقامة دولة حقيقية متصلة وقابلة للحياة وذات سيادة ولو بحدودها الدنيا على الأراضي المحتلة عام ،1967 هي حال الانقسام الداخلي الخطيرة المستمرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ إحكام حركة حماس سيطرتها المطلقة على قطاع غزة في الرابع عشر من شهر يونيو/حزيران الماضي، في ظل غياب أي أفق حقيقي لإعادة اللحمة والوحدة الوطنية عبر حوار وطني جاد وحقيقي.

وبينما تمر القضية الفلسطينية في منعطف خطير، ربما هو الأشد خطورة منذ نكبة العام ،1948 يبقى السؤال متى يدرك طرفا الصراع الداخلي ممثلين في حركتي فتح وحماس أن استمرار حال القطيعة والانقسام يمنح الدولة العبرية فرصة ذهبية لتمرير مخططاتها الخبيثة من خلال اللعب على التناقضات الداخلية الفلسطينية.

إن أشد ما يخشاه الفلسطينيون أن تنجح دولة الاحتلال الإسرائيلي، التي تسعى بكل السبل إلى تعزيز الانقسام عبر وضع العقبات أمام الحوار الوطني الداخلي، في تمرير مخططاتها التصفوية من خلال الضغط على الرئيس عباس ووضعه أمام هذه المخططات كونها الحل الممكن، وفي الوقت ذاته انجاز اتفاق تهدئة مع حركة حماس يقتصر على قطاع غزة ويستثني الضفة الغربية، وهو اتفاق تحرص الدولة العبرية على انجازه بالشروط الإسرائيلية بما يحقق مصالحها، مستخدمة في سبيل ذلك الضغط العسكري وتشديد الحصار، لدفع حركة حماس وفصائل المقاومة للموافقة على تهدئة بالمقاس الإسرائيلي.

ولعل دولة الاحتلال تعتقد الآن أن ضغطها العسكري والاقتصادي على حركة حماس في قطاع غزة يدفعها في نهاية المطاف إلى الموافقة على تهدئة تقتصر على ساحة القطاع- بغض النظر عن اشتراطها أن تشمل الضفة لاحقاً- وهذا ربما يبرر الرفض الإسرائيلي لعرض التهدئة الحمساوي كنتيجة مشاورات مع القيادة المصرية ووصفه بأنه غير جدي، فربما تسعى دولة الاحتلال من خلال هذا الرفض إلى دفع حركة حماس إلى مزيد من التنازلات، ذلك أن الكيان يريد هدوءاً مقابل هدوء بمعنى أن توقف فصائل المقاومة عمليات إطلاق الصواريخ محلية الصنع في مقابل وقف العدوان، من دون أي التزامات إسرائيلية أخرى ترتبط بفك الحصار وفتح المعابر بحسب ما تشترط حركة حماس.

إن نجاح دولة الاحتلال في كل ما تسعى إليه يعني أن الفلسطينيين أمام واقع سيطول من الانقسام والتشتت، ذلك أن حكومة أولمرت تستغل حرص حركة حماس للحفاظ على سلطتها في قطاع غزة وسعيها لإنجاز اتفاق تهدئة يضمن رفع الحصار والتخفيف من وطأة المعاناة التي تعتصر حياة الفلسطينيين في القطاع وربما تؤدي بهم فعلاً إلى الانفجار في كل الاتجاهات، وفي وجه حماس نفسها، ومن جانب آخر تعمل حكومة الاحتلال على استغلال ضعف ووهن سلطة الرئيس عباس في الضفة الغربية لإبرام اتفاق هزيل تضيع معه الحقوق والثوابت التي ضحى من أجلها آلاف

الشهداء والجرحى والمعتقلين على مدار ستة عقود ماضية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"