على مدى قرن كامل، التاسع الهجري، تصدت المدرسة التاريخية المصرية لمهمة جليلة حفظها التاريخ لنا لحسن الحظ، وهي تدوين وتسجيل الوقائع والأحداث بكل تفاصيلها ودقائقها من خلال مؤرخين معاصرين كانوا شهود عيان وبعضهم أسهم بقسط وافر في تلك الأحداث على نحو أو آخر.
لم تعد المدرسة التاريخية المصرية بمصر وحدها في واقع الأمر، فالعالم الإسلامي كان يشكل المجال الحيوي لها، فضلا عن أن مصر والشام بما في ذلك لبنان وفلسطين وسوريا، كانا بلدا واحدا لعدة قرون كما كان المغرب العربي بكامله، ولعدة قرون أيضا، جزءا من مصر وخصوصا في العصر الفاطمي الذي امتد حكمه ليشمل بقية أجزاء العالم العربي.
وإذا كان المؤرخون المعاصرون الثقاة يجمعون على أن تلك المدرسة افتتحت بالمقريزي واختتمت بابن إياس، فإن جمال الدين بن تغربردي (812 874 ه)، (1409 1469م) واحد من ابرز أبناء المدرسة فهو تلميذ المقريزي ودرس على يديه وصادقه وعاش بجواره عدة سنوات.
ويجمع المؤرخون أيضا على تميز ابن تغربردي بالرصانة والدقة وتحري الحقيقة والعودة إلى الأصول والمصادر الأساسية، مما منح أعماله التي وصلتنا قدرا هائلا من الثقة والقول الفصل فيما اختلف عليه معاصروه من المشتغلين بالتاريخ.
ابن تغربردي هو جمال الدين أبو المحاسن يوسف الذي ولد بالقاهرة وفي فمه ملعقة من الذهب كما يقال، فأبوه كان مملوكا روميا اشتراه الملك الظاهر برقوق وأعتقه لذكائه وشجاعته وقربه منه ورقاه في السلك العسكري حتى أصبح أتابك العسكر أي أميرا للسلاح وهي أرفع مناصب الجيش، وفي أوائل عهد الناصر ابن الظاهر الذي خلفه في السلطنة ثار نائب الشام وكانت الشام وقتذاك جزءا من مصر وشاركه بعض قادة الجيش ومن بينهم ابن تغربردي والد جمال الدين فحاربهم الناصر وهزمهم، فهرب ابن تغربردي واختفى.
تلك الحوادث كانت عادية جدا أثناء الحكم المملوكي، أي محاولات الانقلاب والثورات، حتى ان الملك الناصر تزوج من ابنة ابن تغربردي وأخت جمال الدين. أكثر من ذلك فما لبث أن عفا الملك عن الثائر وقائد جيشه، فعاد بل وعينه قائدا للميسرة، ثم توفي عام 815ه، وولده جمال الدين طفل لم يبلغ الثالثة من عمره بعد، وتولى تربيته زوج أخته الثانية قاضي قضاة مصر ناصر الدين بن العديم الذي توفي بعد فترة وجيزة فانتقل جمال الدين إلى كنف زوجها الثاني الذي تولى منصب قاضي قضاة مصر أيضا جلال الدين البلقيني.
وعلى الرغم من أنه نشأ يتيما، إلا أن حياته كانت ناعمة هادئة، قريبا من الملك وفي بيوت رجاله من المشتغلين بالعلم، فحفظ القرآن في صغره ودرس على يد أعلام عصره الكبار من أمثال ابن حجر العسقلاني والعيني والمقريزي.
ويشير المؤرخ الكبير الراحل محمد عبدالله عنان في كتابه "مؤرخو مصر الإسلامية" إلى أن جمال الدين استقى من نشأته "بعض خلاله ومواهبه، فقد برع في التركية وهي لغة البلاط والخاصة والقادة يومئذ، واستطاع بذلك أن ينفذ إلى دقائق الدولة والسياسة وأن يفهم نفسية هذا البلاط التركي أو الشركسي، الذي تبوأ ملك مصر منذ زمن بعيد وأدمجته القوة المصرية في أعماقها وأن يتعرف الى أحوال طوائف المماليك المختلفة التي كانت تموج بها مصر يومئذ".
وهذا هو في الحقيقة سر تميز جمال الدين ومكمن قوته، فقد نشأ قريبا من مركز صنع القرار في الدولة يعرف الدقائق والتفاصيل في مركز الحكم إلى جانب دراسته رفيعة المستوى وعلى يد كبار الفقهاء والمفكرين الذين أنجبتهم مصر على مدى تاريخها، وإذا أضفنا إلى ذلك تفرغه للقراءة والكتابة فلم يكن محتاجا للسعي وراء لقمة العيش وكل الظروف ميسرة أمامه، لذلك أتيح له أن يكتب الموسوعة تلو الأخرى من التاريخ والتراجم، وفي الوقت نفسه كان فارسا بارعا في ألعاب الفروسية بل وموسيقيا يعزف على عدة آلات.
أما عمله الخالد "النجوم الزاهرة في ملوك مصر القاهرة" أصدرته دار الكاتب العربي في الستينات من القرن الماضي في أربعة عشر مجلدا فهو أكمل وأدق المراجع التاريخية لتلك الفترة وأكثرها رصانة على الإطلاق، كما أنه آخر أعماله حيث أنجزه في آخر أيامه بعد أن امتلك ناصية البحث والدراسة واستفاد فيه من كل ما سبق أن كتبه وأنفق فيه الأعوام الطوال.
موسوعة النجوم الزاهرة تبدأ على عادة كثير من مؤرخي عصره بالفتح الإسلامي سنة 20ه وحتى سنة 872ه أي قبل وفاة جمال الدين بعامين فقط. كتب يقدم مؤلفه النفيس قائلا:
"استفتحته بفتح مصر، وأجمع في ذلك أقوال من اختلف من المؤرخين وأهل الأخبار، ثم أذكر من وليها من يوم فتحت وما وقع في دولته من العجب، ثم أذكر أيضا ما أحدث صاحبها أيام ولايته من الأمور، وما جدده من القواعد والولايات في مدى الدهور، ولا أقتصر على ذلك بل أستطرد إلى ذكر ما بني فيها من المباني الزاهرة كالميادين والجوامع ومقياس النيل وعمارة القاهرة". ويضيف انه ألف كتابه لنفسه و"أينعته بباسقات غرس، ليكون لي في الوحدة جليسا، وبين الجلساء مسامرا وأنيسا، ولا أنزهه من خلل وإن حوى أحسن الخلال، ولا من زلل وإن مورده الزلال".
وهكذا رتب جمال الدين موسوعته حسب التتابع التاريخي منذ الفتح ثم عهد الخلفاء الراشدين وطوال الفترة التي كانت مصر فيها مجرد ولاية إسلامية أثناء الدولة الأموية ثم العباسية، وعندما يبلغ الدولة الفاطمية بعد أن أصبحت مصر مركز العالم الإسلامي يتوسع ويستفيض ويصل توسعه واستفاضته إلى الذروة عندما يبلغ العصر المملوكي، كتب العلامة الراحل محمد عبدالله عنان في مؤلفه السابق الإشارة له:
"وقد عاش ابن تغربردي في عصر حافل بالسلاطين وعاصر أكثر من عشرة سلاطين من عهد الملك الناصر فرج أي عهد الملك الأشرف قايتباي وشهد أكثر من ثورة سياسية، وأكثر من محنة عامة، وفي أواخر حياته انقض الوباء على مصر فحمل من أهلها مئات الألوف وجدد بذلك عهد المحن والمصائب السابقة وأصيب المؤرخ نفسه بالوباء حسبما يذكر ولكنه نجا".
أما النيل فيحتل عناية خاصة في موسوعته، حيث يحصي تقلباته وسنوات إفاضته أو نقصانه منذ عام الفتح (20ه) وحتى نهاية تدوينه، أي على مدى ثمانية قرون ونصف القرن، معتمدا على ما ذكره المؤرخون السابقون عليه ثم يستكمل هو ما عاصره أثناء حياته.
ولتحقيق موسوعته ونشرها قصة تستحق أن تروى، ففي منتصف القرن التاسع عشر نشر المستشرقان الهولنديان جوينبل وماش القسم الأول ثم الثاني بعد أن حققاه عامي 1852 ثم نشر الأول القسم الثاني عام 1857. وبعد وفاته بنحو نصف قرن، استأنف المستشرق الأمريكي وليم بوبر نشر القسم الثالث عام ،1909 وأنفق عشرين عاما عاكفا على الأجزاء التالية حتى أتم عمله عام 1930 معتمدا على خمس مخطوطات من بينها مخطوطة بقلم جمال الدين نفسه وأعانه على تحقيق مهمته الصعبة وما استلزمه من تحقيق وتدقيق عدد كبير من كبار المستشرقين الألمان مثل نيلدكه وجوتهايل وسيبولد.
أما إنجازات جمال الدين الأخرى فيكفي أن أذكر عناوينها فقط مثل "مورد اللطافة فيمن ولي السلطنة والخلافة"، و"الذيل الشافي على المنهل الصافي"، و"البحر الزاخر في علم الأوائل والأواخر"، و"حلية الصفات في الأسماء والصناعات".. وغيرها.
ومع ذلك فإن معاصره شمس الدين السخاوي وهو مؤرخ فحل آخر ينتمي لذات المدرسة التاريخية يعمل بالمثل المصري القديم: "ما عدوك إلا ابن كارك" و"الكار" هنا بمعنى المهنة، أي أن أصحاب المهن المشتركة عادة ما يهاجم كل منهما الآخر، لذلك فإن السخاوي في مؤلف شهير له هو "الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع" يصفه بالجاهل والأحمق بل ويتهمه بتزييف التاريخ.
والواقع أن السخاوي في مؤلفه ذاك لا يهاجم جمال الدين أبو المحاسن وحده بل يهاجم جل الجماعة التاريخية التي التفت حول المقريزي، فالمقريزي في نظره لص نقل خططه من مسودة لمؤرخ آخر يدعى الأوحدي، كما يهاجم ابن خلدون أستاذ المقريزي، ويواصل السخاوي حملته على مؤرخي عصره في مؤلف آخر هو "الإعلان بالتوبيخ عن ذم أهل التواريخ".
ويكاد السخاوي يكون المؤرخ الوحيد المعاصر لجمال الدين الذي هاجمه واتهمه بالتزييف، لكن ما يضعف رأيه أنه هاجم الجميع ورماهم بالجهل، كما يضعف رأيه أيضا ما ورد في النجوم الزاهرة وغيرها من الموسوعات التي أنجزها فريد مؤرخي عصره وأكثرهم دقة.