ما من حرب تندلع فجأة وبلا مقدمات حتى لو كانت بين أفراد وليس بين دول، ورغم أنها تنفتح على الاحتمالات كلها، إلا أن حسابات الربح والخسارة تشكل ضوابط احترازية لها، ونادرة هي الحروب التي تعامل كما لو أنها ورقة يانصيب، كهذه الحرب المحتملة التي تتوفر قرائن كافية لاستبعادها، بقدر ما تتوفر قرائن مضادة لتوقعها.وقد لا تكون استقالة الاميرال الأمريكي فالون من قيادة المنطقة الوسطى القرينة الأخيرة التي ترجح وقوع حرب أمريكية ضد ايران، لكنها تتزامن مع تصريحات رسمية أمريكية حول الحرب، فبالرغم من أن الإدارة الأمريكية لا تريدها إلا أنها تبقى من ضمن الخيارات، وبالتالي ليست محذوفة من الأجندة الأمريكية المتعلقة بإيران والأزمة النووية.يضاف إلى ذلك استثمار الديمقراطيين لاستقالة فالون، لأسباب انتخابية، وهذا ما عبرت عنه هيلاري كلينتون عندما قالت إن هذه الاستقالة تبرهن مجدداً على أن الرئيس بوش لا يطيق سماع أي صوت يخالف رأيه.ولأن الحروب ليست أوراق يانصيب، فإن ما يرجح اندلاعها أو العكس هو مقدمات قابلة لعدة قراءات، شرط أن لا تتورط هذه القراءات بالاسقاط السياسي أو اخضاعها للرغائب، واحلام اليقظة.إن ما تبقى للرئيس بوش في البيت الأبيض هو بضعة شهور، قد لا تكفي للتجييش لحرب من هذا الطراز بمقياس تقليدي، لكنها تكفي بمقياس حروب الاستباق أو ما بعد الحداثة التي ابتكرها الرئيس بوش بدءاً من افغانستان ومروراً بالعراق.وما ينسب إلى الاميرال المستقيل فالون هو لمصلحة العسكرتارية الأمريكية النازعة إلى الدبلوماسية كنقيض للدبلوماسية النازعة إلى العسكرة والتي تجلت في حرب الخليج الثانية بعد أن تولى جنرال وزارة الخارجية الأمريكية هو كولن باول، الذي تبرأ من دعم تلك الحرب بالاستقالة معترفاً بأنه تعرض لخديعة.إن بعض الحروب بدأ قبل الإعلان عنه ولا حاجة به للمارشات العسكرية، لأن السياسة ذاتها في أحد تعريفاتها اضافة إلى كونها من الممكن هي حرب ايضاً لكن بوسائل أخرى.والحرب ضد ايران بهذا المعنى قائمة وبوسائل أخرى، منها حشد الرأي العام وقرع اجراس النذير النووي، واعتبار ايران، اضافة إلى كونها من محور الشر، خندقاً نووياً خطيراً على العالم.لهذا انتهت المفاضلة التي قام بها جيتس وزير الدفاع الأمريكي بين الجعبتين النوويتين في تل أبيب وطهران لمصلحة الأولى، عندما قال إن السلاح النووي في الدولة العبرية أقل خطورة من مثيله في إيران عندما يتحقق وجوده فعلياً.وما دمنا بصدد الاحتكام إلى القرائن كبديل لثقافة اليانصيب والطوالع، فإن زيارة تشيني نائب الرئيس الأمريكي إلى المنطقة لا يمكن لأحد أن يقرأها بمعزل عن قرع طبول الحرب، رغم أن هناك مهمات أخرى عاجلة في لبنان والعراق وإلى حدّ ما في فلسطين.ومن يستبعدون أن يشن الرئيس بوش حرباً ضد ايران في ربع ساعته الأخير، يعيدون هذا الاستبعاد إلى عدة عوامل، منها التورط الأمريكي في العراق، والدور الايراني الذي لم يتراجع في العراق، إضافة إلى قصر المدة المتبقية، من خريف الولاية الثانية لبوش.لكن هذا كله يتعلق جملة وتفصيلاً بثقافة سياسية وعسكرية أصبحت من التراث الكلاسيكي، وقد كانت الحرب على العراق مفاجأة صادمة لمن استبعدوا حدوثها.ومن يدري؟ لعلّ هذا التضارب في التصريحات والتقارير بين الإدارة الأمريكية والمخابرات المركزية هو ضباب ضروري لحرب من هذا الطراز.خيري منصور