عادي

المسحراتي السوري ذكرى من الحارة الشامية

03:11 صباحا
قراءة دقيقتين

يستيقظ السوري أبو رياض عند الثانية فجراً ليبدأ عمله الذي اعتاد على القيام به في شهر رمضان من كل عام منذ عشر سنوات، محافظاً بذلك على موروث ثقافي يمتد إلى صدر الإسلام .

يجوب أبو رياض شوارع حي مشروع دمر السكني مشياً على الأقدام في جولة يوقظ خلالها النائمين لتناول سحورهم، منشداً عبارات يا نايم وحّد الدايم، قوموا إلى سحوركم جاء رمضان يزوركم، يفنى العبد ويبقى الله على وقع ضربات ينقرها على طبله .

ويقول أبو رياض (73 عاماً) لوكالة الأنباء الفرنسية لقد تعلمت هذه المهنة من جاري الذي كان يعمل مسحراتياً، حيث رافقته في جولته المسائية لمدة خمسة عشر يوماً، وذلك بعدما توقفت عن العمل كحمّال، نظراً لكبر سني مشيراً إلى أنه لا يعمل عملاً آخر خلال العام . وأضاف المسحراتي أبدأ جولتي يومياً طيلة شهر رمضان منذ عشر سنوات قبل أذان الفجر بنحو ساعتين، وتتراوح مدتها من ساعة ونصف إلى ساعتين حسب همتي، مضيفاً أن هذه المهنة نختار القيام بها طواعية ولا ناظم لها . يعتمد أبو رياض الذي يعيل أسرة قوامها ثلاث زوجات وسبعة أولاد، لتأمين حاجياته المعاشية على ما يقدمه الناس خلال هذا الشهر من مال وملابس أو من خلال جمع الفطرة والعيديات في أول أيام عيد الفطر .

والفطرة أو زكاة الفطر، هي المال الذي يفرض على المسلمين تقديمه قبل صلاة عيد الفطر .

ويشير أبو رياض إلى العلاقات التي أقامها مع سكان الحي بحكم مروره في شوارعه عبر الأيام والسنين، حيث يلتقي بالناس ويتجاذب معهم أطراف الحديث، حتى إنه ينادي أحياناً الأشخاص بأسمائهم لإيقاظهم .

ويروي الأديب عادل أبو شنب لوكالة فرانس برس ذكرياته مع المسحراتي الذي جاء في أحد الأيام قرب حلول أذان المغرب، وطرق باب عائلته حاملاً سلة فيها صحون ملأى بأنواع الطعام، مثيراً بذلك حفيظة الأديب الذي كان يبلغ حينها عشر سنوات .

وأضاف أبو شنب سكبنا له طعاماً في إحداها، ولكن فضولي شدني لمعرفة سر هذه الصحون، فتعقبته من حي القيمرية إلى سوق الخيل (العتيق)، وهناك فرز المسحراتي الصحون وباعها لأغراب لتكون طعام إفطارهم .

وتابع أبو شنب غالباً ما كان المسحراتي يعمل عملاً آخر، مبيضاً لأواني النحاس، أو أجيراً لدى البقال، ولكنه يتفرغ لعمله كمسحراتي في رمضان .

وقال أبو شنب المهنة تغيرت الآن فبت أشاهد مسحراتيين يوزعون بطاقة يدونون عليها أرقامهم لتسهيل الاتصال بهم وجمع التبرعات .

ولوجود المسحراتي في الليالي الرمضانية سحر خاص، تتحدث عنه عليا، وهي مدرسة، بحنين قائلة إن صوت المسحراتي يضفي حميمية على أجواء الحي، ويعيدنا إلى أيام الحارات الشامية القديمة، حيث كان الجيران يعرفون بعضهم ويعم الدفء بينهم .

وتضيف عليا لقد اندثرت تقاليد رمضانية كثيرة في ظل الحياة العصرية، كما تبدل تنظيم المدينة، فبتنا نسكن في أحياء لا نعرف سكانها، إلا أنني لا أستطيع تصور رمضان من دون المسحراتي، فهو بالنسبة لي مرتبط به ارتباطاً وثيقاً .

وتتابع عليا يعد المسحراتي آخر التقاليد الرمضانية التي لم تندثر، وهو يشعرنا بعيداً عن تقنيات الإيقاظ العصرية بالعودة إلى الأمور الإنسانية التي تجمع بين الأشخاص .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"