تعتبر الديوانية سمة كويتية بامتياز وعلامة فارقة للبلاد نظراً لدورها البارز في الحياة الشعبية والسياسية والتكافل والتماسك الاجتماعي، وعرفها الكويتيون منذ 250 عاماً عندما كانت الكويت امارة صغيرة حيث كان السكان يعملون في البحر سواء للسفر بواسطة السفن الشراعية أو للغوص بحثاً عن اللؤلؤ أو صيد الأسماك .
وقال الكاتب والباحث في التراث منصور الهاجري لوكالة الأنباء الكويتية (كونا) إن الديوانية أصبحت المحرك الرئيسي والمؤشر القياسي لكثير من القرارات في مختلف النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأدبية في البلاد .
وأضاف الهاجري ان الديوانية في نشأتها الأولى بدأت اقتصادية وكان العمل في البحر أحد أسباب وجودها باعتبار التاجر والنوخذة ومالك السفن الشراعية والسفن الأخرى الكبيرة والصغيرة بحاجة إلى قطع غيار للسفينة، حيث أسست وبنيت ما كان يعرف بالعمارة وهي مخازن لأدوات السفن مثل الحبال والأخشاب وقطع الحديد الباوزة (المرساة) والشباك والزيوت وغيرها من مستلزمات وأدوات .
واستذكر كيف كان التاجر يجلس في عمارته منذ الصباح وحتى المساء على فترتين حيث يحضر اليه المشتري لشراء ما يحتاج من قطع وخلال فترة انتظاره مع عدد من المشترين ريثما يتم تجهيز طلبياتهم يدور الحديث بينهم وهكذا حتى باتت استراحة للحاضرين ومكاناً لم يقتصر فقط على قضاء الحاجات بل للتعارف والسؤال عن أحوال بعضهم بعضاً .
وشرح الهاجري معنى الديوانية لغوياً بالقول إنها مشتقة من كلمة ديوان وتعني مجتمع الصحف أو الكتاب الذي تجمع فيه قصائد الشعراء، كما جاء في المنجد . وأضاف ان الديوانية انتقلت من ساحل البحر العمارة إلى داخل السوق في محلات التجار فصارت اقتصادية وتجارية معاً للبيع والشراء، حيث يجتمع الرجال من التجار والعمال في المحل ويتداولون أطراف الحديث وهنا شعر الكويتيون بأهمية تجمعهم في المحلات و(العماير) واستحسنوا ذلك التجمع فنشأت الديوانية المنزلية التي يكون صاحبها عادة من التجار القادرين على تقديم القهوة قديماً والشاي عندما دخل إلى الكويت .
وذكر الهاجري أن التجار أسسوا فيما بعد الديوانية في بيوتهم على أن يختار التاجر جزءاً من منزله هي إما غرفة كبيرة بحيث تكون بداية مدخل المنزل وبابها على جزء من حوش البيت لدخول وخروج الرجال أو أن يقيم (حوشاً) خاصاً لها .
وأشار إلى أن الديوانية كانت تضم مطارح ومساند منجدة من القطن حيث يتصدر مقاعدها صاحبها وروادها على اليمين والشمال ومنها ما تفتح أبوابها لروادها بعد صلاة الفجر لغاية وقت الضحى، ومنها ما تفتح خلال الفترة بين صلاتي المغرب والعشاء بحسب المناسبة .
وأوضح انها تعد ملتقى في الأيام العادية وفي الأفراح تكون مكاناً لاستقبال المهنئين وفي حال الوفاة مكانا لتقديم التعازي وتبقى أبواب الديوانية الرئيسية مفتوحة طوال اليوم لاستقبال الرواد .
وتابع الهاجري أن الديوانية كانت في بعض الأحيان سكناً لمن يحتاجون إلى قضاء ليلة أو أكثر في البلاد وخصوصاً بعض التجار الذين خصصوا مكاناً خاصاً أو غرفة من الديوانية لضيوفهم من الأقارب أو المعارف والأصدقاء من التجار من الدول المجاورة للمبيت نظراً لعدم وجود فنادق حينئذ وكان صاحب الديوانية يضع في الخارج مقاعد يستريح عليها المارة ويستمتع فيها الضيوف بنسيم البحر حيث كانت موجودة على الساحل .
من جهته قال أستاذ الاجتماع والخدمة الاجتماعية بجامعة الكويت الدكتور يعقوب الكندري إن الدواوين تعتبر ظاهرة اجتماعية كويتية ويمكن وصفها بمنتدى سياسي وثقافي واجتماعي حيث تنفرد بكونها ملتقى دورياً يناقش فيه روادها آخر الأخبار والموضوعات وفيها يصنع جزء من تاريخ الكويت السياسي والاجتماعي والاقتصادي .
وأضاف الكندري أن الديوانية لعبت دوراً في التكافل والتماسك الاجتماعي من خلال عمل نظام للمناوبة في الديوانيات ذات المواقع الاستراتيجية للمراقبة وتوفير جو من الأمان لأبناء المنطقة إلى جانب متابعة أحوال الأسر وتقديم المساعدة للمحتاجين وتوزيع المبالغ المالية على الكويتيين .
واشار إلى بعض العوامل التي أسهمت في انتشار الديوانيات الحديثة، ومنها الوفرة المادية والتصاميم الهندسية الحديثة للمنازل، والتشجيع الحكومي من خلال زيارة المسؤولين في الدولة للدواوين، فضلاً عن أنها تحقق بعض المكاسب السياسية والاجتماعية والاقتصادية لصاحبها، لاسيما في ظل قلة وندرة الأماكن الترفيهية .