أحداث قصر العيني في مصر يمكن تلخيصها في جملة مفيدة واحدة كاملة الإعراب هي: بلطجية مصر وطابورها الخامس في الميدان مجدداً . أكتب عن ثورة مصر ويدي على قلبي الجزع مما أرى وأشاهد، وفي غيرها من بلدان ثورات الربيع العربي .
ما جرى من صدامات دموية أمام مجلس الوزراء المصري مؤخراً، أكد صدقية مخاوفي وصدقية مخاوف كل المشفقين الذين ستظل أياديهم قابضة على قلوبهم الجزعة إلى أن يستطيع شباب الثورة المصرية حسم بلطجية الطابور الخامس من بقايا عهد حسني مبارك وحبيب العادلي الذين يؤذيهم أن تنجح ثورة الشعب التي أهانتهم وأعادت إلى الشعب المصري كرامته التي امتهنوها على مدى عقود تطاولت . قتلى وجرحى سقطوا عند قصر العيني لا لسبب ظاهر غير الرغبة في زعزعة العهد الثوري الجديد . وإن كان من المفهوم أن يحاول أعداء الثورة أن يوظفوا كل قدراتهم ضد الثورة، إلا أنه من غير المفهوم أن تقع أجهزة الثورة الأمنية في فخ هؤلاء الأعداء ومخططاتهم، وكيف سمح المجلس العسكري الأعلى للقوات المسلحة المصرية بوقوع هذه المجزرة سواء كان للأجهزة الأمنية دور فيها أم لم يكن لها دور كما يقول المجلس العسكري .
وتبدو المفارقة واضحة وكبيرة بين ما حدث مؤخراً من تفلت أمني أدى إلى وقوع هذا العدد الكبير من الضحايا، وبين ذلك الانضباط والرزانة التي بدا عليها موقف وسلوك القوات المسلحة المصرية أثناء ذلك الفوران الثوري العاصف يوم اندلعت الثورة الشعبية، الأمر الذي كتب للثورة النجاح بأقل الخسائر وحجب عنها سبل الدسائس . وزاد كسب القوات المسلحة من حب شعبها وتقديره لها في تلك الأمواج البشرية الهادرة كان مفهوماً أن تحدث بعض التجاوزات هنا وهناك، فقد كانت أجهزة الأمن مرتبكة من سرعة الأحداث واتساع رقعتها وقلة الأعداد الجاهزة للحركة من القوات الأمنية، ومن غياب القيادة العليا وبالتالي غياب تماسك العناصر الأدنى .
أما في أحداث قصر العيني، فلم تكن هناك مفاجآت . ولم يكن هناك نقص في عدد القوات الأمنية القادرة على الحركة، ولم يكن هناك غياب للقيادة العليا . إذن كيف سمح المسؤولون بوقوع ما وقع من أحداث مأساوية يقع فيها قتلى ومصابون بالمئات هذا أمر يستعصي على الفهم والإدراك . ويكشف عن عجز القادرين، ويثير المزيد من المخاوف
من أن تكون الثورة عرضة في أي لحظة لأن تضرب في مقتل متى ووجهت بمخطط إجرامي أكبر .
فما حدث يكشف أن ثغرات كبيرة مازالت مفتوحة في جدار الثورة . ويمكن أن تدخل منها الريح إلى مفاصل الثورة وتجمد قدرتها على المواجهة والصمود . إن الأوضاع في مصر الثائرة تمضي باضطراب شديد . ويكاد المشهد الثوري ينقلب رأساً على عقب في بعض الأحيان . مثلاً: أشرعة الثورة أخذت تمتلئ برياح لا تنطلق في الاتجاهات التي تشتهيها سفن الثوار والثورة، بعد أن ظهرت على سطح الأحداث فجأة، ومن بين سراديب الكهوف المظلمة، والمتاحف المتربة، بعض الجماعات الأثرية المحنطة التي تنسب نفسها ظلماً إلى الإسلام، ممن يسميهم علماء التحليل السياسي بجماعات الإسلام السلفي، وهي جماعات لم تكن حاضرة عندما فجر الثوار الحقيقيون الثورة الماجدة لأول مرة .
وأضيف أن أحداث قصر العيني تكشف أن حراك قوى الطابور الخامس الذين يسميهم الشعب المصري بالفلول، قد يكون هو الحراك الأخطر إذا أخذنا في الاعتبار المقدرات المادية التي تتوافر لهذا القطيع الفاسد . وإذا أخذنا في الاعتبار كذلك خبراته الطويلة في تجسيد الأذى والإتيان به على أقبح الصور .
الخطر الكامن على الثورة يمكن ان تكتمل حلقاته وتتعاضد حين تلتقي أطروحات قوى الظلام والتخلف الفكري مع أطروحات قوى الطابور الخامس الذين يسميهم الشعب المصري الأخاذ بالفلول، حينها يمكن تحويل مسار الثورة المرام إلى مسار مغاير يضرب في متاهات العدم . وحين يتحقق هذا تصبح الثورة بعيدة عن القوى صاحبة المصلحة الحقيقية فيها . ويصبح صدرها مكشوفاً لتلقي الضربات القاتلة من أعدائها الكثيرين، الأمر الذي يسهل من عملية الانقضاض عليها، ورسم مسارات جديدة لها لم تخطر على بال مخططي ومنفذي الثورة الحقيقيين .
إن الذين يحاولون ويتمنون توجيه الثورة في اتجاهات مغايرة هم عصبة ليست قليلة العدد، وأحسب أنها عصبة ليست قليلة الحيلة والمراس . وهم في سعيهم لاختطاف الثورة ينتهجون سبلاً عديدة وحذرة انتظاراً للحظة المناسبة للانقضاض، وعملاً بأسلوب التقية والحذر، فهذه الجماعات تستطيع أن تعيش في بيت شتوي طويل نوعاً ما، إلى أن تحين ساعة الصفر . وقد تستفيد من دروس ثورات الربيع العربي التي لقنتها للأنظم الدكتاتورية في فن الانقضاض السريع المباغت واتتها الفرصة . صحيح أن الجماعات السلفية اتضح أن لها قدرات في الانطواء على نفسها والعمل في الخفاء، أما طابور الفلول فلا تعرف له على وجه الدقة قدرات خاصة به بمعزل عن القدرات التي تركزت على مدى طويل في جهاز الدولة الأمني الذي عاش تحت كنفه هذا الطابور . وتنفس من رئته طويلاً . ولكن كلا الشريحتين تضمران كرهاً عميقاً للديمقراطية، والكره يولد طاقة كبيرة لارتكاب الإثم .
المجلس العسكري الأعلى المصري نفى أن تكون له أو لأجهزته الرسمية أية صلة بأحداث قصر العيني . وهذا يزيد من مسؤوليته أمام الشعب ليس فقط لكي يدله على الجهة صاحبة الصلة بما حدث . ويزيد من مسؤوليته في العثور على أصحاب الصلة، وإنزال الجزاء القانوني الأوفى بهم .
لقد أخذت الثورة المصرية تتعثر كثيراً هذه الأيام وبصورة أساءت إلى الشعب العريق الذي تنحني الجباه لتاريخه وحضارته السامقة . ففي حين تمضي الثورة التونسية بخطوات ثابتة نحو غاياتها الكبرى وتقيم انتخابات نظيفة وتنتخب برلماناً مرضياً . وتنشئ تحالفات وقتية تمهد لوضع دائم آت في القريب العاجل، حين يفعل شعب تونس الصغير هذا في هدوء وطمأنينة . يتلجلج الشعب الكبير العريق . يتقدم خطوة ويتراجع خطوتين، هل يحدث له هذا نتيجة لغياب الإرث والهدي الديمقراطي لديه على مدى قرون سحيقة وهو غياب يبدو أن المخلفات الحضارية الماجدة لهذا الشعب لم تستطع أن تعوضه .
مهما يكن السبب، دعونا نأمل في أن تكون الثورة المصرية قدوة لثوارنا القادمين في الطريق غداً وأن تكون عيداً لأولنا وآخرنا وآية من الشعب الكبير لأشقائه الحاليين .
سفير سوداني سابق مقيم في واشنطن