بالرغم من أن ثمة إجماعاً من الميدان التربوي على تحريم الضرب في المدارس، ومحاربته بكل الوسائل، بعد أن أصبح وسيلة فاشلة في التربية والتعليم، وأسلوباً منفراً للطلبة من المدارس ومعلميهم، إلا أن الوزارة أخطأت حينما لم تسند هذا التوجه، بلائحة سلوك بديلة تسهم في ردع الطلبة غير المنضبطين، وتهذيب سلوكياتهم، وتبين للمعلمين ما لهم وما عليهم .
في البداية تقول نسيم عيسى حميد مديرة مدرستي خديجة للتعليم الاساسي والجرف للتعليم الثانوي في عجمان، معقبة على هذا الموضوع بالقول: أنا لست مع الضرب ولا ضده، صحيح أنه لم يعد وسيلة ناجحة للتربية والتعليم، لكني معه في مراحل عمرية معينة باستثناء المرحلة التأسيسية، وبشروط الفقهاء وهي أن لا يكون مهيناً، أو مضراً، أو مبرحاً، وأن لا يجرح كرامة الإنسان، وان لا يتعدى ثلاث مرات، وأن لا يقترن بكل حالات التقصير أو الغياب أو الإخفاق في مادة معينة، وان يكون نهاية لكل إجراءات الترغيب، بعد توفير بيئة مدرسية جاذبة، ومعلمين يملكون وسائل تحبب الطلبة بمدارسهم ومعلميهم ومناهجهم، وبعد موافقة أولياء الأمور .
تضيف: للأسف فان وزارة التربية والتعليم ألغت الضرب، وسحبت معه كل الحلول من أيدي المعلمين بعد أن لم تضع البدائل، أو تقر لائحة سلوك واضحة تتعلق بكيفية تأديب الطلبة المشاغبين والمقصرين في دروسهم، وبالرغم من أن قرار المنع صائب وحكيم إلا أنه أسيء استخدامه من قبل بعض فئات الطلبة التي لا يهمها سوى الإفلات من العقاب مهما كان العقاب الآخر، وحبذا لو كانت هناك مراقبة ومتابعة من قبل الوزارة والمناطق التعليمية للحالات التي يلجأ فيه المعلمون للعقاب بما فيها الضرب، حتى تصبح الأساليب منظمة، ويصبح لها مرجعية ومظلة قانونية تحمي بعض المعلمين الذين يذهب بعضهم ضحية غياب لائحة السلوك .
وتطالب نسيم حميد وزارة التربية بإعادة اعتماد درجة السلوك في الشهادات المدرسية والتعامل معها كأنها مادة لا تقل عن أي مادة من المواد التي يتعلمها الطلبة، على أن تصبح درجتها تراكمية وتبقى في ملف الطلبة حتى المرحلة الثانوية، كما تقترح على الوزارة إعطاء صلاحيات للمدارس لعمل لوائح السلوك المناسبة بإشراف المناطق التعليمية، واشراك الطلبة وأولياء أمورهم في وضع بنودها،وبهذا تنال اللوائح موافقة ورضا جميع الأطراف ويصبح تطبيقها أسهل وأسلم .
كما تؤكد المديرة نفسها أن منع الضرب وغياب البديل له، وضعا المعلمين في ظروف لا يحسدون عليها، ففقد بعضهم الهيبة، وخسر قدراً من احترام الطلبة، ولم تعد صورة المعلم كما كانت بالرغم من ضرورة اتباعه أساليب أخرى من لفرض احترامه وتعزيز هيبته بعد أن أصبح الضرب ضرباً من الماضي .
سامي القطرومي معلم رياضيات للمرحلتين الاعدادية والثانوية مع قرار منع العقاب الجسدي في المدارس لكنه ضد عدم توفر بديل للعقاب، وضد عدم وجود لائحة سلوك للطلبة إلى الآن، وضد عدم تضمين قرار المنع من بعض الاستثناءات التي ربما يضطر فيه المعلم إلى ضرب الطالب وتأديبه على الطريقة التي يستحقها .
يقول : إذا منعت الضرب فلا بد أن توفر العقاب البديل حتى لا تصبح العملية التعليمية في مهب رياح الفوضى والتقصير، ومع أن قرار منع الضرب حكيم وصائب مئة بالمئة، ويعكس مدى التقدم والتحضر اللذين تشهدهما دولة الإمارات، إلا أنه ولد مشوهاً وناقصاً، وكان يفترض أن يكون مقترناً بحلول أخرى يتم منحها للمعلم حتى يحسن التعامل مع الطلبة غير الملتزمين بلوائح السلوك، لا سيما وان هناك شريحة من الطلبة لا يهمها إذا خسرت نسبة من درجاتها مقابل الإفلات من العقاب والضرب .
الطالبة حمدة محمد سعيدة جداً بقرار منع الضرب، وتؤمن باستفادتها الموجبة منه، لكنها ترى أن ثمة طلبة لا ينفع معهم إلا العقاب الجسدي خصوصاً إذا استنفد المعلم كل وسائل الترغيب والتأديب معه، مؤكدة أن قرار منع الضرب جلب معه بعض الاستهتار واللامبالاة بالتحصيل الأكاديمي، واثر على هيبة واحترام المعلمين لأن الطلبة بشكل عام يخاف من الضرب ويحسب له ألف حساب .
تضيف: أنا لست مع الضرب قطعاً، ولكن باستثناءات، شرط أن يكون من اجل التأديب والتخويف لا من أجل التعنيف والإهانة والضرر بجسد الطالب، لان الشيء إذا زاد عن حده نقص، والضرب سيصبح وسيلة إذا لم تفلح كل الوسائل البديلة، وعلى الأهل أن لا يتضايقوا كثيراً إذا ما تعرض أبناؤهم إلى العقاب الجسدي من المعلمين خاصة إذا كانت هناك مخالفات كبيرة وأخطاء لا تغتفر .
الأخصائي التربوي الدكتور ميلاد متي ليس مع استخدام الضرب أسلوباً للتربية والتعليم قولاً واحداً، ويرى أن ثمة طرقاً تربوية أكثر عقلانية وأخلاقية ومنطقية من الضرب الذي أكد أنه مرفوض ونوع من أنواع الأذى والتعنيف والإهانة .
وقال: كل ما يؤذي الإنسان أخلاقياً وبدنياً، ونفسياً، مرفوض، يمكن أن نعالج المشاكل السلوكية أو الأخلاقية أو التعليمية لدى الطلبة بغير الضرب، ولا أنجع من العقاب التربوي، كأن أطلب من الطالب عمل مشروع معين يتفق مع حجم مخالفته، أو ألجأ لخصم الدرجات، أو أمنعه من الحضور إلى المدرسة مؤقتاً، أو النقل التأديبي، وربما النقل الدائم، أو من خلال إعادة اعتماد وزارة التربية والتعليم مادة السلوك، مع إيجاد ضوابط واقعية حقيقية لاحتسابها، وغيرها من الطرق التربوية التي قد تعالج المشكلة بعيداً عن الضرب، مع عدم إغفال طريقة مهمة جداً وهي اللجوء إلى المختص النفسي والسلوكي، في حال تكرار شغب الطالب، وهنا نخلق نوعاً من التواصل بين المدرسة والمختص مع إشراك الأهل في الحل إلى أن تنتهي المشكلة .
ويرى الخبير التربوي أن غياب الضرب ليس وحده المشكلة فيما أسماها وقاحة بعض الطلبة، وعدم احترامهم معلميهم، بل إن الأسرة لها مسؤولية كبيرة في هذا الجانب خصوصاً بعد تساهلها في تربيتهم، ووفرت لهم كل ما يطلبونه، حتى لو كان مضراً بتحصيلهم الدراسي، وأكبر من قدراتهم الاستيعابية والمعرفية، مشيراً إلى ان للمعلمين دوراً آخر في تغذية هذه المشكلة، من خلال ضعف خبراتهم في الجوانب النفسية للطلبة، وكيفية التعامل معهم بطرق تربوية تعليمية حديثة بعيداً عن التلويح بالعصا والضرب .
وقال: بعض الأهالي لا يرفض طلباً لأولاده، ويوفر كل وسائل المعرفة والاتصال لهم حتى لو كانت أكبر من حجمهم، وأحياناً دون رقابة أو ضبط، فينشأ لدى هؤلاء الأولاد نوع من الوقاحة، لأنهم يعتبرون أنفسهم اكبر من المعلمين، وأفهم منهم، ناهيك عن أن ثمة مدرسين جاءوا لحقل التدريس دون أن يتمكنوا من أدوات التربية والتعليم الحديثة، وهنا تبرز مسؤولية وزارة التربية لعقد دورات لهؤلاء المعلمين لتوعيتهم وتدريبهم على هذه الأدوات .