شيخوخة نظرية الدولة الريعية ... محمد الصياد

03:26 صباحا
قراءة 4 دقائق
ولا يزال بعض رموز حرسنا القديم في عدد من مدارس علم الاقتصاد السياسي يجترون ما كانوا استنسخوه من نظريات ومقولات ومفاهيم اقتصادية هي نتاج عصارة جهد عقلي وفكري لأعلام اقتصادية عربية فذة، ولم يكن ممكنا تحقيق كل هذه المنجزات الاقتصادية والاجتماعية العظيمة في عالمنا اليوم، لولا اسهاماتها الكبيرة والمتميزة في إطلاق وتطوير مدارس الاقتصاد التنموي بمختلف توجهاتها، ولكأن هؤلاء العلماء الاقتصاديين عندما صاغوا وقدموا نظرياتهم ومفاهيمهم الاقتصادية، كانوا يفكرون في تأبيدها، أي جعلها صالحة لكل زمان ومكان وليس اخضاعها بين مرحلة وأخرى للتقييم وإعادة التقييم في ظل الظروف والمستجدات الاقتصادية والاجتماعية المتلاحقة التي تحيط بكل ما حولها وتؤثر فيه قطعا بهذا الاتجاه أو ذاك، فما النظرية الاقتصادية في نهاية المطاف سوى محاولة لتفسير العلاقة المنتظمة داخل كينونة الظاهرة الواحدة موضوع البحث والتقصي، فإن تغيرت عناصرها أو طرأ تغير ما على مدى انتظام وثبات علاقة هذه العناصر بعضها بعضاً، فلا بد أن تتغير النظرية أو المفاهيم التي ثُبتت على أساسها .وهكذا فإننا لو عدنا إلى مفهوم الريع، كما هو مكتشف نظري بالغ الأهمية (ومتداول فيما بعد)، لوجودنا أنه ارتبط بالأرض وما تدره على مُلاكها من عوائد مالية لم يبذل في اكتسابها وحيازتها أي جهد أو نشاط إنتاجي تنجم عنه قيمة استعمالية أو قيمة تبادلية، ناهيك عن أنه هو نفسه ليس له قيمة كقوة عمل مبذولة يمكن قياسها كميا .ولذلك فإن ظهور مفهوم الريع لا بد أن يرتبط بالتركيبة الاقتصادية الاجتماعية لنظام القنانة (الاقطاعي) والنظام الرأسمالي الذي نهض على أنقاضه، وبمعنى آخر بالأرض واستثمارها من قبل الملاك الزارعين المستغلين لعمل الاقنان في أسلوب الإنتاج الإقطاعي، ومن قبل هؤلاء والمستأجرين الرأسماليين للأرض في النظام الرأسمالي . وبسبب محدودية الأراضي الخصبة والأخرى القابلة للزراعة، فإن ذلك يوفر لملاك الأراضي الخصبة خصوصا والزراعية بشكل عام، فرصة احتكارية للحصول على ريع تفاضلي يفوق ذلك الذي يحصل عليه ملاك الأراضي الأسوأ من حيث الخصوبة .ولا شك أن هذه القراءة المتعمقة لعلاقات الانتاج في مجتمعات الاقتصاد الطبيعي ولاحقا مجتمعات الاقتصاد القائم على الربح الرأسمالي، والتوصيف الدقيق لها، قد عُدَّ حينها كشفا تقدميا وإضافة متميزة لنظريات ومفاهيم الاقتصاد السياسي العالمي .ولا بد من الإشارة في هذا الإطار إلى ما كانت تذهب إليه بهذا الصدد المدرسة الفيزيوقراطية في الاقتصاد السياسي فيما يتعلق بالاقتصاد الطبيعي وتحديدا الاقتصاد الزراعي، وغاير الفيزيوقراطيون ومنهم رائدا هذه المدرسة الشهيرة في الاقتصاد السياسي في القرن الثامن عشر ف . كيني وتورغو النظرية المركانتيلية التي ظهرت في القرن الخامس عشر أي في المرحلة الأولى من صعود الرأسمالية عندما كان الرأسمال الصناعي لا يزال مندمجاً في الرأسمال التجاري، وطبقتها الدول الأوروبية في القرن الثامن عشر، وبموجبها فإن النقود (وليس الإنتاج الزراعي كما يذهب إلى ذلك الفيزيوقراطيون) هي ثروة الأمة، الأمر الذي يتوجب عدم إخراجها من البلاد وإنما العمل على زيادة إدخالها إليها .إن عددا من المفكرين الاقتصاديين وبعض أقرانهم المجتهدين في بلدان العالم الثالث، قاموا في مراحل تالية، بإسقاط هذه المقولة (الريع) على عديد الأنشطة الاقتصادية التي تشترك في طبيعتها مع ظروف وطبيعة العمل في الرقعة الزراعية وعلاقات العمل والإنتاج التي تحكم أطرافها وهم ملاك الأراضي الزراعية، ومستأجريها بغرض الاستثمار، والفلاحين الأجراء .ويعتبر نشاط انتاج النفط حالة مثالية لتجسد تلك المقولة وبالتالي سهولة اسقاطها عليه، حيث ذهب التنظير الاقتصادي الآسيوي إلى أن عملية استخراج وانتاج النفط في الدول النفطية هي نشاط لا يعدو أن يكون ريعيا، وان اقتصاد صناعة النفط هو بالضرورة كذلك أيضاً، اعتبارا بغياب الجهد الانتاجي الواضح والملموس لملاك الحقول النفطية، ولا بد لتلك الدول حيث تجود الأرض عليهم بما هو مخزون في باطنها من ذهب أسود .ولكن ذلك كان في الماضي عندما كانت الصناعة النفطية في بلدان الاكتشافات النفطية الجديدة ومنها بلدان الخليج والمنطقة العربية عموماً، مختزلة في نشاط الاستخراج فقط وتغير المشهد النفطي كثيرا وتغيرت بصورة أكبر موازين القوى بين الشركات النفطية العالمية وبين الحكومات المستقبلة لرأس المال النفطي وشركاتها النفطية الوطنية التي نشأت وتسلمت زمام أمور الصناعة النفطية في بلدانها، فلم تعد الصناعة النفطية في هذه البلدان مقصورة على الاستخراج وإنما تطورت بصورة كلية مع انشاء المصافي النفطية التي تصاهرت وتكاملت فيما بعد مع الصناعة البتروكيماوية فكانت النتيجة إشادة مجمعات بتروكيماوية ضخمة تنتج اليوم العديد من اللدائن والخامات البلاستيكية واللقائم البتروكيماوية المختلفة التي فتحت الباب أمام قيام صناعات تحويلية (تفرعية) أفقية ذات قيمة مضافة عالية .وحتى أنشطة الاستكشاف والتنقيب عن النفط لم تعد كما كانت عليه من بدائية تكنولوجية، وإنما هي تغيرت بصورة كلية نظرا للتطور التكنولوجي الهائل الذي أصابها وأدى إلى إطالة أعمار الآبار وتعظيم وترشيد الإنتاج وجعل التنقيب البحري في المياه العميقة أمرا ممكنا ومجديا في الوقت نفسه، فضلا عن بروز الشركات النفطية الوطنية التي أنشئت مطالع السبعينات، وتحولت مع الوقت إلى لاعب أساسي في ميدان الاستكشاف والتنقيب والتكرير، ليس على المستوى الوطني وحسب وإنما على المستوى الدولي بارتيادها أسواقاً نفطية خارجية في ميادين الاستكشاف والتنقيب والإنتاج وحتى التوزيع . ولذلك فإنه لم يعد مسموحاً من الناحية العلمية الاقتصادية والعملية الواقعية، الاستمرار في ترديد مفاهيم تجاوزتها الحقائق على الأرض .كاتب وباحث اقتصادي بحريني

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"