تركزت المناقشات الجارية حول مشكلات الائتمان وبدرجة كبيرة على الأشجار ولم تركز على الغابة . ونحن نسمع الكثير عن المؤسسات المالية التي ينبغي انقاذها بواسطة البنوك المركزية وبأي شروط، والأدوات المالية التي يجب توجيه الجزء الأكبر من اللوم اليها وما اذا كان من الأفضل ان تخضع للرقابة مستقبلاً . وهذه الأسئلة مهمة بالطبع وان كانت محرجة لأولئك الذين نادوا بعدم التدخل والمنافسة .
وعلى الرغم من كل هذه التفاصيل، يسهل فقدان نقطة التطبيق التي ربما تكون أبسط من اللازم بالنسبة للعقل التكنوقراطي . ويتعلق الأمر بضمان نمو إنفاق اسمي سريع بما يكفي لدعم نمو مستدام ولكنه ليس سريعاً إلى حد يؤدي معه إلى تضخم مرتفع الى حد غير مقبول . وسواء تحقق هذا بسياسة أسعار فائدة المصرف المركزي أو بإعادة إنعاش اسواق الائتمان ورؤوس الاموال المحتضرة أو بتخفيضات ضريبة أو إنفاق حكومي معقول، فإن ذلك أمر ثانوي .
ولكن، وحتى لو تمسكنا بالمبادئ العامة، فهناك صعوبة قائمة، فعلى الرغم من خطر الركود، ارتفع معدل التضخم ولم يكن ذلك بسبب دوامة الأجور والأسعار العتيقة التي يُرعب الساسة خطرها - وانما بسبب ارتفاع أسعار السلع مثل الطاقة والغذاء والمعادن الصناعية، وصحيح ان مؤشر السلع إس آند بيه جي إس سي اي انخفض منذ منتصف مارس/آذار . ولكن الوقت مبكر للغاية للتوصل الى استنتاج من ذلك مفاده اننا شهدنا فقط ثقب فقاعة محفوفة بالمخاطر .
ولا تزال أسعار المعادن الصناعية في السوق الفورية اكبر بنسبة الضعف عما كانت عليه قبل ثلاثة أعوام كما هي الحال بالنسبة للأسعار الزراعية وأسعار الطاقة .
ويتحمل انخفاض سعر صرف الدولار بنسبة تقارب 14 في المائة بعض مسؤولية الارتفاع لأن هذه المؤشرات يتم التعبير عنها بالدولار . ولكن من الواضح ان هذا لا يمثل العامل الرئيسي . أخيراً كان تعويض اسعار السلع المرتفعة يتم الى حد ما بتحول الطلب الصناعي الى منتجات الدول الصاعدة المنخفضة السعر، ولا سيما منتجات الصين . ولكن الراحة المتحققة من ذلك المصدر تقترب من نهايتها على الأرجح اذ ان الصين تكافح لمواجهة مشكلات تضخمها هي الأخرى .
ويجب علينا ألا نبالغ . فالمملكة المتحدة لديها هدف تضخم مستهدف قدره 2 في المائة ومنطقة اليورو لديها معدل يتراوح بين واحد واثنين في المائة على مؤشر أسعار السلع الاستهلاكية المنسقة الرسمي . وشهدت كلتا المنطقتين تضخماً يزيد بنسبة نقطتين عشريتين أو ثلاث نقاط عشرية فقط عن الاثنين في المائة خلال السنوات القليلة الماضية . ويتوقع كل من المصرف المركزي الأوروبي ومصرف انجلترا ارتفاعاً مفاجئاً مؤقتاً على الاقل خلال الشهور المقبلة إذ وصل معدل التضخم البريطاني الى 2،5 في المائة في فبراير/شباط الماضي .
واذا ثبت ان هزة أسعار السلع الاستهلاكية الأخيرة تمثل نذير تباطؤ متوسط المدى في أسعار المواد الغذائية والطاقة والمواد فستختفي أزمة المصارف المركزية الى حد كبير . ولن تكون هذه المصارف عندئذ بحاجة إلى التردد في الإقدام على تنفيذ كل ما هو مطلوب لدعم نمو مستدام في الطلب الاسمي والذي يعتقد في العادة انه يصل الى حوالي 5 في المائة في السنة .
أن تثبت المصارف المركزية زيادات الاسعار في بلدانها عند 2 في المائة شيء ولكن ضغط الاسعار لتعويض زيادات الاسعار الكبيرة الناتجة من خارج مناطقها شيء آخر تماماً . ويقدِّر مصرف انجلترا ان الواردات تمثل ثلث تكاليف مدخلات اعمال بريطانيا ولكنها ليست وقوداً ومواد في مجملها . ويقود كل هذا إلى اقتراح مفاده ان التركيز في سياسة مكافحة التضخم يجب ان يتحول نحو التضخم الناتج داخلياًب وهناك مشكلتان كبيرتان بالطبع عند حساب هذا التضخم .
وأولاً، ان الزيادات في أسعار الواردات الى حد تعكس معه سعر صرف متراجعاً، لا يمكن استبعادها . ومن الوسائل الرئيسية التي تجعل السياسة المحلية التضخمية نفسها محسوسة من خلالها، أسعار الصرف .
وان مؤشر تضخم ينشأ داخلياً ليس بالأمر الذي يمكن حسابه بسهولة، ولكن، وكما هي الحال مع المشكلات الاحصائية المعقدة الأخرى، يمكن الوصول في خاتمة المطاف الى تقدير . ولست بصدد اقتراح تغيير مبكر آخر في تعريف التضخم المستهدف لإرباك المواطنين والناخبين . وفي الوقت الحاضر، يتمثل المطلوب في بعض التأكيد على العناصر الداخلية مقابل العناصر الخارجية في التضخم مثل المؤتمر الصحافي الشهري الذي يعقده المصرف المركزي الأوروبي أو الرسائل التي يكتبها محافظ مصرف انجلترا لوزير الخزانة عندما يزيد معدل التضخم بنسبة واحد في المائة عن الهدف .
محلل اقتصادي والمقال نشرته ال فاينانشيال تايمز