المكتبة هي سر الحضارة وحاضنة الثقافة والإبداع والتاريخ والسير، تلعب الدور الأساسي والكبير في نهضة الأمم وتقدمها وريادتها، بل إن كثيراً من الدول عرفت بمكتباتها التاريخية العريقة. ولئن كانت المكتبة تحمل كل تلك الأوجه الجميلة فهي أيضاً قد كونت رصيداً واسعاً من أعداء الحضارة والعلم والتقدم والمعرفة، وفي التاريخ تعرضت الكثير من المكتبات القديمة للتلف حرقاً أو إغراقاً، من قبل جماعات رافضة لنور المعرفة وتنشر الإرهاب والتطرف والتشدد، فالواقع أن حرائق الكتب ليست جريمة مرتبطة بجغرافيا معينة، بل شملت كل العالم حتى الغرب، وهنالك حكومات كاملة عملت على إحراق المكتبات من أجل أن تمحو كل الماضي لتؤسس لحاضر جديد يرتبط بها على نحو ما فعلت النازية في ألمانيا، وكما تفعل بعض الدول المحتلة.
وقد برز الكثير من الكتاب والمؤلفين والمؤرخين ممن تابعوا مسيرة حرائق المكتبات، وقدموا رصداً كاملًا للجماعات والأفراد والحكومات التي قامت بحرق الكتب وإتلافها في سياق الصراع بين التخلف والتقدم، والجهل والعلم، والظلام والنور، مثل الفرنسي لوسيان بولاسترون في منجزه «كُتب تحترق... تاريخ تدمير المكتبات»، وهو منجز معرفي وفكري وتاريخي يحاصر الظاهرة تماماً ويضعنا أمام أسبابها.
يرسم بولاسترون مشهدية كاريكاتورية لمدمري الكتب، فهو يشبههم بالفيروسات التي برزت مع ظهور المكتبات منذ أقدم العصور، وهي فيروسات ظلت تطور من مقاومتها ومناعتها، وأخذت تنتشر وتتناسل بقدر تكاثر الكتب نفسها، فكلما ازدهرت وقامت المكتبات توالدت هذه الكائنات العجيبة وسعت نحو تدميرها وحرقها، رغم لجوء الكثير من أصحابها إلى بنائها بأساليب وتقنيات مقاومة للتلف والحرائق، غير أن هذه الفيروسات لا تهدأ أبداً وتظل تعمل من أجل لحظة اندلاع النيران في المخطوطات والمؤلفات.
تجول تاريخي
يتجول بولاسترون في العصور القديمة وحتى الراهن وهو يحمل في جعبة كتابه عشرات القصص عن المكتبات التي أحرقت أو أتلفت في الماضي والحاضر ويؤرخ لتاريخ الحرائق الكبرى منذ الصين في عهد سلالة «كينغ»، وصولاً إلى الكوارث المعاصرة، من حريق الإسكندرية إلى التهاب سراييفو سنة 1992، مروراً بروما، وبغداد «جنكيز خان»، وحتى محاكم التفتيش، وما جرى خلال الثورة الفرنسية، وهو لا يقدم سرداً فقط لتلك الحرائق وأسبابها، بل قصصاً ترصد مصير المؤلفات التي نجت من الحريق وأين استقر بها الحال، في تتبع بديع لرحلة الكتاب أو المخطوطة المعينة، وقد شمل الكتاب في عملية بحثه كل الحضارات من مختلف القارات، فهو أشبه بالعمل الموسوعي، الذي لم يترك شاردة ولا واردة عن حرائق المكتبات إلا جمعها، فالكاتب قد نصب نفسه كمطارد لمتلفي الكتب عبر التاريخ، فهم بالنسبة له يعانون من مشاكل نفسية أو اجتماعية، أو تضخم في الذات كما هو حال النازية، فالإيديولوجيا غير المتسقة مع المعرفة تصبح مظلمة ومغلقة وبالتالي تريد أن تقصي الآخر وتنتصر لنفسها وهذا هو ما فعلته الكثير من الحركات المتعصبة في مختلف أنحاء العالم عندما قامت بحرق المكتبات.
يقدم بولاسترون استعراضاً لأهم المكتبات التي تعرضت للحرق مثل: مكتبة الإسكندرية، فعندما احتل الرومان مصر في نهاية القرن الأول الميلادي قاموا باشعال حريق كبير في الميناء، فانتقلت النيران نحو مكتبة الإسكندرية ودمرتها تماماً، وكذلك مكتبة القسطنطينية، التي أسسها قسطنطين الكبير عام 330م، وعندما آلت السلطة إلى «بازيليسكوس»، عمت الفوضى فقد كان حكمه متسلطاً ما قاد إلى قيام الشغب في الشارع، وأدى ذلك الأمر إلى اندلاع حريق كبير في المدينة أتى على المكتبة كلها وحولها إلى ركام من الأنقاض، ثم يتناول الكتاب الهجوم على مكتبات بغداد في أواسط القرن الثالث عشر على يد عصابات هولاكو، حيث قام جنوده بحرق كل المكتبات وقذفوا بالمؤلفات في نهر الفرات، فأصبحت مياه النهر سوداء قاتمة بسبب حبر الكتب والمخطوطات، ويتناول المؤلف محاكم التفتيش في الغرب، ففي عام 1515، أعد مجمع «لاتران»، القرار البابوي الذي أمر بإتلاف الكتب المترجمة من اليونانية والعربية والعبرية والكالدية إلى اللغة اللاتينية، وذلك نفسه ما حدث في الصين عام 1772، عندما أمر الإمبراطور الصيني كيان لونغ بضرورة البحث في المحفوظات العامة والخاصة، طوعًا وعنوة، عن جميع كتب الصين النادرة من مخطوطات أو مطبوعات، بحجة جمعها في موسوعة شاملة، وبالفعل جرت مصادرة 79337 لفافة في 6 سنوات، لكن بعد جمع هذا العدد الهائل، أمر «لونغ» بحرق أي كتب لمعارضيه.
ألسنة اللهب
ويبدو أن مكتبة الكونجرس الأمريكي، لم تنجُ هي الأخرى من ألسنة اللهب، ففي عام 1800 أنشأ الكونجرس الأمريكي مكتبته بعد أن حصلت على أول دفعة كتب من لندن تمثلت ب740 عنوانًا، وفي 24 أغسطس 1814، أضرم جيش الغزو البريطاني النار في الكونجرس والثلاثة آلاف كتاب التي كانت تحتويها المكتبة آنذاك، ويتكرر ذات مشهد الحريق في فرنسا، فعندما اندلعت الحرب الفرنسية البروسية في أغسطس 1870، وأُجبرت مدينة ستراسبورغ الفرنسية على الاستسلام بعد سقوط 193 ألف قنبلة بروسية عليها، كانت المكتبة الفرنسية قد احترقت وبداخلها 400 ألف كتاب، ثم ينتقل الكتاب إلى ما أسماه «هولوكوست الكتب»، ويقصد المحرقة الكبيرة للمؤلفات والمخطوطات التي شهدتها ألمانيا، فبعد وصول هتلر إلى السلطة بأربعة أشهر، في عام 1933، تجمع وفد كبير من الطلبة الألمان بساحة دار الأوبرا في برلين. كان الطلبة يرتدون لباس مهرجانات اتحاداتهم ويحملون المشاعل بأيديهم وجُلبت لهم شاحنات الكتب التي اعتبرها النازيون مخالفة لإيديولوجيتهم، حيث تم سحبها من مكتبات ألمانيا قبل هذا اليوم بعدة أسابيع.
الكتاب يقدم الكثير من الأمثلة على حرق مكتبات عريقة لأسباب مختلفة، ويحتوي على معلومات غزيرة، وربما ما ساعد في ذلك أن المؤلف لوسيان بولاسترون، هو في الأصل باحث متخصص في تاريخ الورق والمكتبات، علاوة على إجادته اللغتين الصينية والعربية.