عادي

"الخليج" تفتح ملف حماقة الشاشات وحرق الأوطان

05:26 صباحا
قراءة 50 دقيقة
وليد عثمان
لا خلاف على أن الثورة التكنولوجية التي لا أحد يتوقع، أو يتخيل، نهايتها غيّرت وجه العالم بإزالة حدود باعدت طويلاً بين أركانه، لكن وسائل هذه الثورة وفي قلبها مواقع التواصل، لم تسلم، ككل جديد أتيح للبشر، من حمق الاستخدام الذي يحيل كل نعمة إلى نقمة .
هذه الوسائل التي سقطت في يد الجميع بداعي التطور أصبحت في متناول الكبير والصغير، العاقل والأهوج، المتعلم والجاهل، حسن النية والمغرض، فاختلط الحابل بالنابل .
تعامى الصغار والحمقى والجهلاء والمغرضون عن كل ايجابية في أدوات التطور، فحولوا "فيس بوك" و"تويتر" و"انستغرام" وغيرها إلى وقود للفتنة يسكبونة يمنة ويسرة ويفرقون بنيرانها بين المرء وزوجه، والأب وابنه، والجار وجاره، والحاكم والمحكوم، والوطن ومواطنيه وجيرانه ومن تربطهم به أية قربى .
"التواصل" الذي رفعته هذه الأدوات شعاراً ووضعته هدفاً تحول بفعل هؤلاء إلى تنابز وقطيعة وسباب وسعي بالشر خدمة لنفوس مريضة وجماعات كفرت بكل ما يربط بين البشر ويبقي الإنسان إنساناً . خلف الشاشات، يرابط هؤلاء ينسجون الشائعات والأكاذيب وينفثون في العقد نواياهم المدمرة .
صحيح أن لكل شيء مساوئه، لكن الشطط في استخدام مواقع التواصل وأدواته تجاوز كل حد وجعل سمعة الأشخاص وتماسك المجتمعات ومستقبل الأوطان على حافة الهاوية، فليس أقل، إزاء ذلك الخطر، من وقفة تنبه وتحذر من نار تستشري بتجاهلها غفلة أو ترفعاً .
الملف متخم بالتجاوزات، وهي لا تستثني، فسوءات التواصل، مثل أدواته، عابرة للحدود، تتخفى في صور وأسماء تبدل ملامحها ولهجاتها ومخابئها . والأمر، بصورته هذه، في حاجة إلى وقفة جادة لعل بدايتها السطور التالية .
هذه السطور لا تنتصر فقط لدنيا يجب أن نحياها في سلام وتعاون وتعارف، كما أراد خالقها، وإنما تحذر أيضاً من هجمة على الدين الذي لم يسلم من المتاجرة والتوظيف الجهنمي .
باسم هذا الدين، يفتي جهلاء عبر مواقع التواصل بجرأة تتزايد مع الوقت ويوزعون بأهوائهم مقاعد الجنة والنار .
وهذا ما انتبه إليه علماء الأمة وعقلاؤها ففتحت الإمارات "مجلس حكماء المسلمين" انتصاراً لصحيح الإسلام، وأطلقت هيئة كبار العلماء في السعودية صيحة تحذير من "فتاوى تويتر" التي تلقي شباب الأمة في أتون الموت تحت رايات الضلال .


مواجهتها معركة لا مفر منها حفاظاً على الأمن والسلام الاجتماعي
الأكاذيب رصيد الحسابات المغرضة والموجهة

تحقيق: إيمان عبدالله
أخبار مسمومة وملفقة تبث من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، تشعل الفتن وتعمق الخلافات بين الدول التي تربطها علاقات أخوية وتاريخية، فهناك شخصيات ورموز وطنية ومسؤولون كبار تعرضوا لعاصفة من الهجوم الذي يروج شائعات، تستهدف الأمن والسلام الاجتماعي في الدول، لتحقق مصالح خاصة بعد تلفيق الأحداث وتزوير الوقائع ونشر الشائعات، والمؤسف نجاح مشعلي الفتن في الوصول إلى فئة من الناس يصدقونهم لتنقلب الحقائق والمقاييس وتتبدل المواقف السياسية، رغم أن مواقع التواصل الاجتماعي كانت وسيلة لتبادل الآراء والأفكار بكسرها الحدود الجغرافية وتقريب المجتمعات رغم اختلاف ثقافاتها ولغاتها، حتى تبدلت أدوارها من وسيلة للتواصل الى وسيلة للتدمير . ويظل التفاعل الشعبي تجاه تلفيق مواقع التواصل الاجتماعي متواصلا، إذ إن هناك شباباً في الإمارات اختاروا أن يوظفوا حساباتهم ويسخروا طاقاتهم وعقولهم وأوقاتهم، لكشف الحقائق والتصدي عبر الفضاء الإلكتروني لكل من يتطاول على رموز الدولة، ليصبحوا في مواجهة مستمرة مع مروجي التضليل والفتن والشائعات، لتسقط الأقنعة وينكشف ما في نفوس المضللين من حقد . ولكن هل الأفضل تجاهل تلك الفتن والأكاذيب لتتلاشى، أم الحديث عنها وكشف الحقائق وتسليط الضوء عليها؟

ضاحي خلفان: تركها يزيد خطرها

انحاز الفريق ضاحي خلفان تميم، نائب رئيس الشرطة والأمن العام في دبي، وأحد الناشطين إلكترونياً، إلى فريق الرد على الأكاذيب التي تروج في مواقع التواصل الاجتماعي بكشف الحقيقة . يقول: ترك الأكاذيب يجعلها حية لتطل برأسها بين فترة وأخرى ولن تموت، ومروجو تلك الأكاذيب في المواقع هم مرضى نفسيون، ولديهم نقص داخلي، وهناك أمراض دفينة في نفوسهم ووجدوا في مواقع التواصل الاجتماعي بوابة للترويج لأمراضهم، وقد يصل الأمر الى أن يكونوا مخابرات وأعداء يريدون الإيقاع بين طرفين، قد يولدون فتنة بين أشخاص ولكنهم أضعف من إشعالها للتفريق بين دول . ويلفت الى أن هناك قانوناً يجرم من ينشر الأكاذيب في أي من وسائل التواصل الاجتماعي . معتبرا أن الأجدر حذف مروجي الشائعات من قائمة المتابعين .
و يقول: المواقع في متناول الجميع، وهذا ينجم عنه تلفيق الحقائق والأكاذيب، فهي أدوات يستخدمها البعض لأغراضهم الذاتية ولحساب أجندات مختلفة .
والعاقل يستطيع أن يميز بين الحقائق والأكاذيب، ولا يلتفت للتلفيق، ربما كان تلفيق الحقائق في مواقع التواصل الاجتماعي في السابق مؤذياً جداً، ولكن اليوم سرعان ما تنكشف الحقائق وتتضح الصورة للجميع، من خلال الرد على تلك الأكاذيب بكشف المغرضين الذين يزرعون الفتن ويفبركون الحقائق خاصة أنهم لا يملكون سوى الإثارة وتشويه الحقائق، والجهلة البسطاء هم من يصدقون تلك الأكاذيب، أما العقلاء فلن يتأثروا إطلاقا بها لأنهم يدركون الحقائق ولا يصدقون الشائعات .

جمال بن حويرب: الشائعات كثيرة وبعضها مدفوع الثمن

جمال بن حويرب، العضو المنتدب لمؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، يقول: الفبركات ليست حديثة، فإذا رجعنا إلى عهد الخلفاء ومن بعدهم فسنجد أن هناك فئة كانت تروج الأكاذيب، فقد كذب على رسول الأمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فكيف لا يكذب على من دونه، وهناك العديد من القصص والأخبار العجيبة يذكرها العلماء، وهي أشبه ما تكون بتشويه سمعة . وأسباب فبركة الحقائق في مواقع التواصل الاجتماعي كثيرة، أهمها الإختلاف الفكري والاختلاف العقائدي والحسد والعداوة، وبمتابعتي لمواقع التواصل الاجتماعي وجدت أن فبركات الأخبار هي بسبب اختلافات عقائدية وفكرية، والطائفة الأكثر كذبا وتزويرا للحقائق هم جماعة "الإخوان"، وأكاذيبها تكثر عن الإمارات والسعودية ومصر، والمشكلة أن حسابات مروجي الكذب كثيرة ولديهم متابعون كثر وبعضهم لا يدرك كذبهم، وما يزيد الأمر مرارة أن بعض القنوات تروج هذه الفبركات لتصبح أمام الجمهور وكأنها حقيقة، فعندما ينشر خبر في موقع ويذاع في قناة رسمية فالناس سوف تصدق الخبر، إضافة إلى ذلك نجد بعض الكتاب يكتبون مقالات مدفوعة لتمرير تلك الأكاذيب وترويجها وكأنها حقيقة .
ويشير الى أن الأخبار كثيرة لا يعرف الصحيح منها إلا بالتحقيق، وأنه ما دام أكثر المتلقين من العامة، يجب إنشاء قنوات تحارب الشائعات والفبركات، وأنه على قنواتنا المحلية أن تقف وقفة حازمة لتبين الحقيقة وتذكر اسم المصدر الذي فبرك الخبر، ليفكر ملياً من يرغب في أن يفبرك .
ويضيف: هناك من بدأ فعليا بمحاربة الإشاعات وتبيان الحقائق، كحساب سعودي "لا للإشاعة" فبمجرد أن تروج الشائعة بين أوساط الناس يبحث القائمون على الموقع عن الحقائق ويوضحونها، وهذه التجربة ثرية يجب أن تطبق فعليا، خاصة أن هناك حسابات كثيرة تدار من الخارج ووراءها قوة خارجية خفية، تجذب إليها الناس من خلال العواطف ولا يعلم مصدرها، وبمجرد البحث والتحري عنه يتبين أنها لأشخاص ليسوا في الخليج، فهذه الحسابات تنشأ لأغراض معنية كتشويه سمعة وتنفير الناس من شخص معين وتزوير الحقائق والترويج للأكاذيب .

د . علي النعيمي: تخدم أجندات ومنبعها "الأخوان"

أشار د .علي النعيمي " مدير جامعة الإمارات " إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي عالم مفتوح، وما يضبطه الضمير، فالكل يكتب ما يشاء وأمامه لوحة المفاتيح، لكن المغرضين الذين لديهم أهداف خاصة يتعمدون الإساءة إلى الدول ورؤسائها . ويرى أنه على المتلقي لتلك الشائعات التعاطي معها بحذر والتأكد قبل نشرها أو تبنيها .
ويقول: الفبركة تخفي الحقيقة بين الناس، وبعضها له نتائج عكسية خاصة على الذين يصدقون الأكاذيب، ومن الصعب مطالبة أجهزة الدولة في بمتابعة تلك المواقع، لأن هناك أولويات وخططاً ومهاماً تؤديها الأجهزة الأمنية، ولكن الشائعة حين تمس رمزاً من رموز الدولة يجب صدور توضيح رسمي .
ويوضح أن بعض المغرضين قد يكتبون كذبة ولا يلتفت إليها أحد، ولكن من خلال النشر بهدف السب والشتم تروج الأكذوبة، وأن علينا أن نتعامل في مواقع التواصل الاجتماعي بأصالتنا وأخلاقنا لا أن نرد عليهم بالشتم والسب .
ويضيف: الأكاذيب التي تروج حاليا تخدم أجندات خاصة، والقائمون عليها يهدفون لتحقيق أغراض معينة، فالحملة التي تشن على الإمارات خلفها الإخوان، فبعد تتبع مصادر الشائعات تبين أن منبعها من الجماعة، والحل أن نركز على أولوياتنا والبناء والتنمية، ونرد على بعض القضايا والأكاذيب لتوضيح الحقيقة أمام الرأي العام، حتى لا يظنوا أن السكوت ضعف أو إقرار بما نشر من أكاذيب .

د . حسام سلامة: غياب المعلومات يزيد رواجها

د . حسام علي سلامة "رئيس قسم الإعلام في جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا" يرى أن القضاء على أي شائعة أو رغبة في بثها يتطلب إتاحة المعلومة، لأن غيابها البيئة الخصبة للأكاذيب . يقول: غياب المصداقية في مواقع التواصل الاجتماعية يجعلها على المحك، ويفقدها دورها، فرغم أنها لاقت إقبالا شديدا فإنها تفقد كل يوم من جمهورها، خاصة أننا نعيش في عصر تعدد مصادر المعلومات، فلم يعد من الصعوبة التأكد، وهناك قاعدة مهمة في الإعلام مفادها أن القنوات تستطيع خداع بعض الناس بعض الوقت وليس طيلة الوقت، فالوسيلة الإعلامية قد تروج كذبة كبيرة يصدقها الجمهور لفترة، لكن بوعيه بعد فترة يكتشف الحقيقة ويدرك كذب القناة لتفقد مصداقيتها للأبد . ويلفت إلى أن دخول أصحاب المصالح والأغراض السيئة في مواقع التواصل الاجتماعي أفقدتها مصداقيتها . ويضيف: "كلام فيس بوك" و"كلام تويتر" عبارتان تصفان ما تنشره بعض المواقع، لأنها بدأت تفقد مصداقيتها، ومع غياب التحكم بالمضمون، ليس أمامنا إلا التوجيه والتوعية بطريقة استخدامها، والوعي يكون تراكمياً، ليدرك كل من يبث معلومة كاذبة أن النهاية ليست في مصلحته ولا في مصلحة الآخرين .
وعن سبل مواجهة الأكاذيب، يقول سلامة: هناك استراتيجية معينة، تبدأ بالتأكد من قيمة المعلومة التي بثت، ومدى انتشارها بين الناس، ومدى تصديقهم لها وتأثيرها فيهم، وكل تلك المسائل تحدد كيفية المواجهة، فأحيانا المواجهة تكون سبباً في نشر الأكذوبة، وعلى المؤسسات الرسمية أن تصرح بالحقيقية حتى لا يكون هناك مجال للتأويل والإشاعات . مؤكدا أن نشر الأكاذيب جريمة وفق القانون، لأنها تفرق بين الشعوب والدول، والأجدر تفعيل القوانين، لأنها جريمة تفوق كل جريمة وتؤثر سلبا في الدول والنسيج الاجتماعي والوحدة الوطنية والأمن المجتمعي، خاصة أن خطورة مواقع التواصل الاجتماعي تكمن في صعوبة تحديد المصادر ذات الأجندات غير الوطنية .

د . عيسى البستكي: وسيلة للتدمير يجب ردعها

د . عيسى البستكي "رئيس جامعة دبي" مستاء من الأكاذيب التي روجت في المواقع . ويقول: إنها أصبحت وسيلة للتدمير، فهناك أكاذيب تدس من قبل بعض المغرضين للإساءة لدول وزعماء وتناول الخبر الكاذب خطأ يزيد رواجه، فلابد من التوعية في كافة القنوات ليعي المتلقي آلية التعاطي مع تلك الأكاذيب، خاصة أن من يبدأ بنشر الخبر الكاذب له أغراض منها زرع الفتنة ويلفت الى أن آثار تلك الأكاذيب خطيرة لأنها تشعل الفتنة، خاصة أن هناك أفراداً يصدقون تلك الأكاذيب لأنهم غير مطلعين على ما يجري من أحداث .
ويرفض تجاهل الأكاذيب خاصة أن هناك من ينشرها، والأفضل أن تكشف الحقيقة، لافتاً إلى أننا بحاجة الى قواعد للفضاء الإلكتروني ليكون القانون رادعاً لكل من تسول له نفسه نشر الأكاذيب .

د . قيس التميمي: المشكلة فيمن يصدقون

حسب د . قيس التميمي "أستاذ في قسم الاتصال الجماهيري في جامعة الإمارات" فإن مواقع التواصل الاجتماعي لا تؤدي دورها المطلوب، ولم تعد تستخدم بالطريقة الصحيحة بعد أن انتشرت الأكاذيب على صفحاتها، بهدف إشعال الفتن والقلق وعدم الاستقرار، وهي خطط خلفها أشخاص لديهم مصالح خاصة وأجندات خارجية، ويملأ قلوبهم الحقد والكراهية . ويقول: تكمن المشكلة في الأشخاص الذين يصدقون تلك الأكاذيب ليبدأ التأثير السلبي فيهم، خاصة أنهم لا يملكون المعلومات الكافية عن حيثيات الموضوع، وهنا لا بد من التدخل ومناقشة الأمر وكشف الحقيقة ليعرفها الجميع .

د . سالم حميد: أخلاقنا تحكمنا في الرد عليها

يصف د . سالم حميد، رئيس مركز المزماة للدراسات والبحوث مواقع التواصل الاجتماعي لدى البعض بأداة لترويج الأكاذيب والنيل من الدول ورموزها، موضحاً أن المغرضين يستخدمونها من أجل الإساءة للدول، وهذا أدى إلى أن يقابل بعض المغردين الإساءة بمثلها، ويرفض أن ينخرط الإماراتيون بهذا الطريق .
يقول: ساهم "تويتر" في تعزيز الوعي في فترة ما، خاصة عند كشف كذب مرتزقة "الإخوان"، وعزز الحس الوطني والترابط، بالمقابل هناك أطراف أخرى استخدمت الموقع لأغراض أخرى، وهم ليسوا إلا آلات تتلقى التعليمات من الآخرين، فعندما تعجز جهات ما عن تحقيق هدفها توجه تلك الآلات لتشعل الفتنة وتفبرك الحقائق، وتدفع لكتاب مرتزقة ليشتموا ويتطاولوا على رموز الدول . ويلفت إلى أنه من الأفضل تجاهل بعض الشخصيات وعدم إعطائها أكثر من حجمها، خاصة أن الكثير من الحسابات التي تروج الأكاذيب وهمية، أو تكون لشخص واحد يريد أن يوهم الشعوب أن المعارضين بتوجه ما عددهم كبير .


الوعي يهزم المتربصين بالأوطان
شباب يصد الهجوم بأسلحة العصر

 

متابعة - إيمان عبدالله
بالسلاح نفسه، وهو مواقع التواصل، اختار شباب إماراتيون وخليجيون مواجهة الأكاذيب والشائعات المتربصة بأوطانهم . الفارق أن هؤلاء الشباب اختاروا الحقيقة والمصداقية ورواج صفحاتهم، أدوات لصدّ الفتن والتبصرة بخطورتها انتصاراً لأوطانهم وشعوبهم .
إبراهيم بهزاد لديه أكثر من 40 ألف متابع في "تويتر"، لذلك اتخذ صفحته وسيلة للرد على الأكاذيب التي تطال الإمارات . ويقول: أصبحت فبركة الحقائق في مواقع التواصل الاجتماعي موجة تفاقمت مع ما يسمى بثورات الربيع العربي، ويبث أشخاص السموم من خلالها للوصول الى مآربهم الخاصة بالكذب ونشر الشائعات واستغلال بعض الأخبار، وشعرت بمسؤولية كبيرة للرد على هؤلاء المغرضين، فشعاري التصدي لمن يسيء لبلادي والمصداقية، لأبرز الحقائق بتسليط الضوء على إنجازات الدولة، ولغة الأرقام أفضل رد على كل من يحاول أن يسيء، ومادام لدي حساب نشط وفعال أرد على الأكاذيب بأدلة، لأن الحقيقة يجب أن تصل، ويجب تفعيل القوانين الخاصة بمواقع التواصل الاجتماعي ونشر التوعية بتلك القوانين، خاصة أن رؤساء تحرير بعض الصحف في الدول الأخرى والمدفوع لها تروج لتلك الأكاذيب التي انطلقت من المواقع وتسوق للأخبار المشبوهة وتفرد لها الصفحات لتحقيق أجندات معينة، بالتالي قد تصدق فئة بسيطة من الناس تلك الأكاذيب، وهنا نحتاج الى توعية الجمهور . ويرى أن من فوائد استغلال مواقع التواصل الاجتماعي من قبل تنظيمات إظهار قوة ترابطنا واللحمة الوطنية وأن "البيت متوحد"، هو ما يعكسه تفاعل المغردين وزيادة التواصل والاتفاق على الرد على كل من يسيء للإمارات .
خالد المرزوقي لديه أكثر من 11 ألف متابع في "تويتر"، أشار الى أن سرعة نشر الأكاذيب في المواقع كبيرة جدا، وأن من واجبه -إماراتياً- أن يدافع عن بلاده ويبين الحقيقة، بعد أن يتحرى من مصدر المعلومة ويوصلها لأكبر عدد من الجمهور . ويقول: الأفضل التصدي للفبركات وكشفها، فتجاهلها يؤكدها، وكشف الحقائق على الملأ يفقد مروجي الكذب مصداقيتهم أمام متابعيهم، إضافة إلى ذلك فإن كل من يغرد كذبا ويتهجم على رموز الدولة، مرتزقة وأداة يحركها آخرون وليس لديهم مبادئ وقيم، فهم يغردون بغرض التشويه . ويشير إلى أنه من واجب وسائل الإعلام الرسمية أن تنشر الحقائق .
الناشط السعودي ريان عادل مؤسس مشروع "هيئة مكافحة الإشاعات" يقول : بداية المشروع كانت بوسم يسمى "فلا_للإشاعات" كاجتهاد مني في عام 2012 بسبب الصور المزيفة التي كانت عن قضية بورما وتكونت الفكرة ودرستها وقررت بعدها بدء مشروع باسم هيئة مكافحة الشائعات، وهو لايتبع لأي جهة رسمية .
ويضيف: الشائعات على مواقع التواصل الاجتماعي غالبا تتكون من قسمين: صور ونصوص، بالنسبة للصور نستطيع معرفة كل مايهمنا من معلومات عن تاريخ التقاطها أو تعديلها ان كانت مزيفة بطريقة تحليل البيانات الوصفية المرافقة لملف الصورة أو بالبحث عن مصدر الصورة المنتشرة مثلا عن طريق موقع tineye وطبعا لا مانع من استخدام "غوغل" للصور من حين لآخر حتى نصل للحقيقة، وبالنسبة للاشاعات النصية عن طريق التواصل مع مصادرنا ضمن المشروع بالجهة او الوزارة المختصة وبالنسبة للشائعات القديمة المعاد نشرها، نبحث عن المصدر الرسمي من ارشيف الصحف العالمية والعربية وايضا نستخدم نظاماً متطوراً للفلترة اليومية لكلمات محددة لكامل شبكة تويتر، وحاليا قمنا بتغطية اغلب الشائعات الكاذبة المنتشرة في السنوات العشر الأخيرة في قاعدة بيانات ليسهل البحث عن نفيها، وهي مرفقة بالتاريخ والصور في حالة إعادة انتشارها مع الوقت، وكل الشائعات التي نفيناها موجودة على موقع المشروع http://norumors .net/ لكي تكون مرجعاً لكل شخص يبحث عن المصدر الحقيقي لأي خبر مشكوك فيه .
ويشير إلى أن المؤسسات الرسمية في بعض الأحيان تتأخر بالرد على الشائعة وأسلوب تعاملها لا يناسب جيل شبكات التواصل الاجتماعي . موضحا أن الساسة والمشاهير هم مادة دسمة لمطلقي الشائعات لعدة اسباب، منها استغلال لعاطفة محبي تلك الشخصيات الشهيرة لنشر اهدافهم الخاصة .
ويضيف: الشائعات أصبحت تنتشر بكثرة في العالم العربي وخصوصا في مصر والسعودية والامارات، ويجب ان نعلم الفرق بين الاعلام القديم والجديد لأن اغلب مجتمعنا يكون متلقياً فقط للخبر من اتجاه واحد . ومع انتشار شبكات التواصل الاجتماعي مؤخرا اصبح بيد اي شخص متصل بالانترنت لأول مرة فرصة المشاركة في الخبر وأن لا يكون متلقياً فقط وللاسف هناك فئة تريد وضع السم بالعسل ونشر الفوضى واستغلال عاطفة المجتمع لأهداف خاصة . ويرى أن تجاهل الشائعة هو أحد أكبر أسباب انتشارها خصوصا في عالم شبكات التواصل الاجتماعي أن الشائعة لا تموت إلا بمواجهتها والرد عليها بوقت ذروتها وهو ما لا يحدث كثيراً .
ويضيف: المجتمع لا يتحمل مسؤولية انتشار الشائعات وحده لأن أحد أهم أسباب انتشارها هو تأخر بعض الاعلاميين في نقل التصريحات الرسمية للمستفيد في وقتها المناسب، وقد تأتي المعلومة الصحيحة ولكن متأخرة بعد أن تسمم الأجواء بمعلومات فاسدة ومختلقة، مما يجعل التصدي للتصحيح أمراً بالغ الصعوبة بل في كثير من الأحيان لا يعرف الاعلامي مغزى ما عنده من خبر أو مدى حاجة المواطن إليه، ولأنه غالبا في بيئة عمل مشبعة بالمعلومات ويفترض أن ما لديه موجود بالبديهة لدى الجميع، وحاليا اصبحت المجتمعات اكثر وعيا مع انتشار ثقافة التأكد والتحقق قبل اعادة النشر، وهذا مانشاهده يوميا من الاستفسارات التي تصلنا من دول عدة وعلى اغلب الشبكات الاجتماعية، والاهم على ال "الواتساب" وللأسف هو مصدر اغلب الشائعات ومن خلاله نستقبل تقريبا 400 استفسار يوميا على رقمنا الدولي الذي وضعناه عن طريق "غوغل فويس" .
ويؤكد أنه يجب فضح ناشري الفتن والتحذير منهم بطرق جديدة ومتطورة مع فرض العقوبات المناسبة عليهم وفضح الطرق التي يستخدمونها لنشر أهدافهم، ولا بد من وجود جهة تكون الوسيط بين الشارع والاعلام لسد الفراغ، مشيراً إلى توصية الفرق ضاحي خلفان نائب رئيس الشرطة والأمن العام بدبي بإنشاء هيئة لمكافحة الشائعات على مستوى الإمارات .
تعرض الناشط الإماراتي محمد الرئيسي لحروب لفظية وهجوم من قبل مروجي الأكاذيب في مواقع التواصل الاجتماعي، واستطاع أن ينقل الحقيقة بمصداقية لمتابعيه على "تويتر" وعددهم تجاوز 11 ألف متابع . يقول: واجب علي الرد على اتهامات مشعلي الفتن ومروجي الأكاذيب في المواقع، خاصة أنه في الفترة الأخيرة زادت الفبركات بالتطاول على دولتنا الحبيبة، والرد يتسم بالشفافية والمصداقية بعد البحث عن الحقائق من مصادرها، وتلك الفئة التي تغرد كذبا على دولتنا وقادتنا يعملون لحساب أجندات خارجية، وبمجرد كشف زيف المصدر والخبر نلاقي الهجوم من قبلهم، لأنه بمجرد الرد عليهم بالحجة والدليل لا يملكون إلا خيارين، الاعتذار أو الهجوم والشتم والتطاول، والخيار الأخير هو السائد . ويؤكد أن لكل ناجح عدواً، وأن الإنجازات التي حققتها الإمارات كثيرة حتى استطاعت التفوق على أقوى الدول، والعقليات المريضة تحارب هذا الإنجاز وتشكك بمصداقية وكفاءة القادة .
إذا كانت المواجهة شديدة، يقضي الناشط الإماراتي علي ثاني قرابة 12 ساعة على مواقع التواصل الاجتماعي للرد على مروجي الأكاذيب والبحث عن الحقيقة ونشر المعلومة الصحيحة وإيصالها لأكبر عدد من متابعي مواقع التواصل الاجتماعي . يقول: باتت الموقع بوابة لترويج الأكاذيب بالنسبة لبعض الأشخاص الذين يعملون لحساب أجندات مشبوهة، وكل ما ينشرونه شائعات هدفها التشويش ونشر الفتنة لكن شباب الإمارات بالمرصاد . ويلفت إلى أن هناك حسابات مشبوهة منذ سنوات، وأن المتابعين أدركوا أن هدفها الأول والأخير إشعال الفتن وفبركة الحقائق، وتلك الحسابات هي نفسها التي مازالت تنشر بين الحين والآخر الشائعات . ويوضح أنه يتعرض لهجوم بشكل دائم، اعتاد ذلك ولم يعد يؤثر فيه، لأن السب والشتم حجة من لا حجة له .


"الأشرار" أبواق التشهير والتكفير

 

الرباط - يوسف حمادي:
إذا كانت مواقع الشبكات الاجتماعية على الانترنت تتيح فرصة التواصل بين الأفراد في بيئة اجتماعية افتراضية، يجمعهم حولها الاهتمام أو الانتماء لبلد أو جامعة أو فئة اجتماعية معينة، في نظام عالمي لنقل المعلومات ؛ أدواته "فيس بوك"، و"تويتر"، و"يوتوب" وغيرها فإنها، مع ذلك، تبقى مجالاً نسبياً للتواصل اللامتناهي، يلتقي فيه المبحرون من الأخيار والأشرار، الذين منهم من ارتقى بها فاستفاد، ومنهم من انحط بها فضاع وباد . "الخليج" تصاحب في الرباط المهتمين بالمجال الإلكتروني التواصلي، من خبراء وفنانين ورجال الاجتماع والقانون، لتنقل لقرائها رؤاهم حول الظاهرة، وما لها من تأثيرات في المجتمع في علاقاته المتعددة بدنيا الإنترنت ودور شبكات التواصل الاجتماعي فيه .
يرى د . يحيى اليحياوي، الخبير في الإعلام والاتصال، أن الشبكات الاجتماعية للتواصل، كخدمة إلكترونية تسمح لمستخدميها بإنشاء وتنظيم ملفاتهم الشخصية، بالإضافة إلى دورها التواصلي الإيجابي الذي أفاد العلاقات الإنسانية، وقامت بتقريب المسافات بين المبحرين والمتواصلين فيما بينهم، في لحظة سريعة محددة في الزمان ومتباعدة في المكان، وسيلتها لتحقيق ذلك، الكلمة والصوت والصورة .
ورغم ذلك، يتأسف الخبير المغربي، لكون هذه النعمة العلمية الخارقة، التي وفرتها تكنولوجيا التواصل الحديث، غدت نقمة في بعض جوانبها، تسعى بها" قوى الإرهاب الظلامية" إلى تحويل فضائها الافتراضي الإيجابي، إلى آخر، سلبي وانتقامي، فغدت بذلك عبارة عن واحة وسط صحراء قاحلة يتلاقى حولها من لهم غايات عدوانية سادية ضد الحياة الآمنة للأفراد والجماعات .
وأوضح أن الإنترنت في علاقاته المتعددة بضروب المعرفة الإنسانية عموماً، وبالثقافة على وجه الخصوص، لم يعد مقتصراً على المختصين والأكاديميين فحسب، بل غزا مجمل الخطابات المتمحورة حول التحولات الكبرى التي عرفها العالم منذ ما يزيد على عقدين من الزمن وأكثر، والتي تقدم على أنها المقدمة الموضوعية لقيام اقتصاد ومجتمع المعرفة، الذي يريده رواد فكر الأخلاق نعمة لا نقمة .
إن جريمة التشهير الإلكتروني، التي غدت تطفو على شبكة التواصل الاجتماعي منتشرة بقوة في المغرب، وفي كل أرجاء العالم، بطريقة سريعة فتنت الناس لدرجة الهوس، أولئك الذين يتقاسمون يومياً، ولساعات طوال، سماع تسجيلاتها ومشاهدة فيديوهاتها والتعليق الحر على آرائها ومشاهدها، كلها حسب المختصين، ذهب ضحيتها مشاهير المجتمعات، الذين كان قد أغواهم العالم الافتراضي للتواصل فتسرعوا بنشر صورهم وهوياتهم، وكتبوا أسماءهم على حائط شبكات التواصل، من دون مصفاة منتقية، فاستغلها مرتكبو الجرائم الإلكترونية للاعتداء على ضحاياهم، وجلب الكثير من المشاهدات للزيادة في نسبة الربح لديهم .
وكمثال على ما يعانيه ضحايا التشهير بشبكات التواصل الاجتماعي، سألت "الخليج" الممثلة المغربية "الجريئة" لطيفة أحرار، التي اتهمها "يوتوبيون متشددون " بالكفر ، مستعملين تكنولوجيا التواصل الحديث سلاحاً ضدها، فأجابت متأسفة لما طالها من تشهير ظالم، رغم تأكيدها ما لشبكات التواصل الاجتماعي من دور إيجابي في الإعلام والاتصال، وما تقدمه من خدمة تواصلية جليلة للإنسانية، معلقة على ما لتلك الشبكات أيضاً، من سلبيات وصلت في السنوات الأخيرة حد الإجرام الإلكتروني، نتيجة استغلال فضائها الحر من طرف أشخاص لا ضمير ولا أخلاق لهم، يمعنون في سب الناس وقذفهم بالباطل .
وأشارت الممثلة المغربية إلى ما عبرت عنه بتطاول مستعملي شبكة التواصل الاجتماعي على الزعماء والقادة والفنانين والسياسيين، وانتقاد بعضهم لهم بالباطل في أغلب الأحيان، ونعت الأبرياء بنعوت جريئة جداً معتمدين على الشبكة الحرة للتواصل لتحقيق أهدافهم الانتقامية، و"الخدمات المجانية لشبكة التواصل الاجتماعي التي تجعلك تعانق العالم متى شئت وأينما شئت من دون حسيب ولا رقيب إلا من ضميرك" .
الرأي نفسه، يؤكده د . أحمد عصيد، الناشط الحقوقي ضمن فعاليات المجتمع المدني المغربي، المستهدف الثاني من طرف رواد وسائل شبكة التواصل الاجتماعي " الذين لهم خلفية إيديولوجية متشددة"، وبالوسيط نفسه، "يوتوب" .
وهؤلاء المتشددون وصلوا في هجومهم على لطيفة أحرار وأحمد عصيد إلى حد الاتهام بالكفر، اعتماداً على مقاطع مجتزأة .
وانطلاقا مما سلف، دخل المغرب في دائرة مواجهة اتهامات التكفير والتشهير بساسته ومثقفيه وفنانيه وحقوقييه، رجاله ونسائهم، وواجه ظاهرة الاستعمال السلبي لشبكة التواصل الاجتماعي، وما نتج عنها من جرائم إلكترونية مزعجة، استدعت تدخل الخبراء ورجال الفكر والأمن والقانون، محاولين فهم الظاهرة واحتواءها .
وفي مدينة القنيطرة، المتاخمة للرباط العاصمة، عقدت الندوة الدولية التي نظمها المركز المغربي للأبحاث المتعددة التقنيات والابتكار، بشراكة مع المدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية، وبرعاية من وزارة الصناعة والتجارة والاستثمار والاقتصاد الرقمي، في إطار حملة مغربية للإشعار بمخاطر الجرائم المعلوماتية تحت شعار: "جميعا ضد الجريمة المعلوماتية" .
في تلك الندوة، التي شاركت فيها الجمعية الدولية لمكافحة الجريمة الالكترونية بفرنسا، أكد د . يوسف بن الطالب؛ رئيس المركز المغربي للأبحاث المتعددة التقنيات والابتكار، بضرورة الإشعار بمخاطر الجرائم الإلكترونية، والعمل على أخذ كل التدابير الوقائية لتحصين النظم المعلوماتية للمؤسسات، وحماية المعطيات الشخصية للأفراد والجماعات من كل أشكال الاختراق والقرصنة والعنف اللفظي والتحريض على الإرهاب .
والجريمة المعلوماتية، في نظر الطالب، تكبد ميزانيات بلدان العالم، وفي مقدمتها البلدان العربية، خسائر كبيرة تزيد على خمسمائة مليار دولار سنوياً، ويجب على الحكومات العمل من أجل إرساء ثقافة حماية وتحصين الأنظمة المعلوماتية والمعطيات الشخصية من تلك الجرائم التي هي نتاج للثورة الالكترونية التي يعرفها العالم .
ويرى قانونيون في العاصمة الرباط، أن لشبكات التواصل الاجتماعي تأثيراً سلبياً في السلوك التنظيمي للعلاقات الاقتصادية بين المتعاملين، وأن للجريمة الإلكترونية تأثيراً في الائتمان المالي، مطالبين بمواجهة هذا النوع من الجرائم من خلال تعزيز التعاون الدولي وتأهيل التشريعات الوطنية .
وأكد إدريس بلمحجوب، الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بالرباط، أن هناك مستجدات تعرفها الجريمة الالكترونية والدينامية التشريعية التي تواكب هذا التطور من أجل اقتراح الحلول المناسبة لهذا النوع الجديد من الجرائم الذكية والخطيرة .
وتطور الاقتصاد الدولي، حسب بلمحجوب، مكّن من ظهور مجموعة من الممارسات الإجرامية التي أصبحت تهدد اقتصادات الدول واستقرارها، معتبراً أن الجرائم الالكترونية تندرج في إطار الجريمة المنظمة التي ترتبط أساسا بتبييض الأموال وتمويل الإرهاب وتهريب البشر، وأن انخراط بلاده في الثورة المعلوماتية الرقمية، ساعد فقهاء القانون على صياغة مجموعة من القوانين لتنظيم هذا المجال، وتعزيز القانون الجنائي المغربي بمجموعة من النصوص، من بينها القانون رقم 08 .09 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، والذي جاء بجملة من المقتضيات القانونية الهادفة إلى حماية الهوية والحقوق والحريات الفردية والجماعية والحياة الخاصة من كل ما من شأنه أن يمس بها عبر استخدام المعلومات .
ودعا الحسن الداكي، الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالرباط، إلى تكثيف الجهود لمحاربة الجرائم الالكترونية باعتبارها من أخطر الجرائم وأعقدها، إذ يستطيع مرتكبوها الإفلات من الرقابة الأمنية ويصعب رصدهم وتقديم الأدلة الجنائية على جرائمهم بحكم سرعة تنقلها عبر الحدود .
والجرائم الإلكترونية، بما فيها سب الناس وتزوير معطياتهم والعبث بصورهم وخصوصياتهم، والسطو على حساباتهم البنكية واختراق مواقع المؤسسات المالية والبنوك وتشفير البطاقات السرية، وفق الداكي، أصبحت تهدد المجتمعات، مما يتطلب تكثيف المراقبة وضبط المعاملات الإلكترونية على المستويين الوطني والدولي .


حذروا من خطرها على وحدة المجتمع
خبراء كويتيون: أصبحت أدوات لنشر التشدد والإساءة

الكويت - "الخليج":
اتفق سياسيون ومحامون وعلماء نفس واجتماع في الكويت على أن وسائل التواصل الاجتماعي مثل ال"فيس بوك" و"تويتر" لم تعد وسائل ترفيهية فقط بل باتت واقعاً افتراضياً موازياً لحياتنا الواقعية حتى بالنسبة لغير المنخرطين في أجوائها والفاعلين فيها . ورأوا أنها باتت أيضاً منبراً لنشر التشدد والفتنة بين الشعوب العربية، مؤكدين أن أحداً لا يستطيع تجاهل الدور المحوري الذي لعبته ومازالت في التعبئة الجماهرية فيما بات يعرف بثورات الربيع العربي وتداعياتها .
وحذروا من استغلال البعض هذه الوسائل من أجل بث الفتن والدعوات المسيئة، والهجوم اللفظي على من يختلفون معهم في الآراء، ما جعلها في نظر الآخرين مصدر خطر على وحدة المجتمع وتهديدًا لأمنه واستقراره، ولاسيما أن التشريعات والقوانين الخاصة بها مازالت غير متبلورة نظراً لصعوبة تطبيق الحظر والرقابة بشكل شامل وكلي .
يحذر الكاتب الصحفي د . خالد عايد الجنفاوي من استخدام من أسماهم"أهل الفتن والقلاقل" لمواقع التواصل لبث الفرقة والتشتت والخلافات في المجتمع الواحد وبين المجتمعات العربية، موضحاً أن ذلك يتمثل في تشويه الحقائق والوقائع، وفبركة الأخبار والاتهامات ضد الأبرياء، وأن أدوات الفتنة لم تتغير، ولكنها بدأت تأخذ أشكالاً ووسائل معاصرة .
ويؤكد الجنفاوي أن مكافحة الفتنة في عالم متغير تتطلب من الجهات الحكومية الرقابية تطبيق القانون بحسم وحزم ضد من يستعمل الانترنت للإساءة للمجتمع ومؤسساته ونسيجه الاجتماعي . ويقول: ليس مجدياً بعد اليوم التساهل في التعامل مع التأثيرات المدمرة لوسائل التواصل الاجتماعي، وبخاصة عندما يستعملها بعض الطائشين لنشر الفتن والقلاقل في المجتمع، حتى أصبحت وسائل التواصل أسلحة فتاكة يستخدمها الإرهابيون لتجنيد الأتباع والتأثير في صغار السن وغسل أدمغتهم ضد مجتمعهم، ويوضح ان الجهات الحكومية الرقابية وحدها لا تستطيع مكافحة الفتن الإلكترونية ما لم تسهم الأسرة في حماية أبنائها ضد من يستغلونهم إلكترونياً .
وبيّن أستاذ الإعلام في جامعة الكويت د . خالد القحص أن مواقع التواصل الاجتماعي تعد طفرة كبيرة ونقلة نوعية في سرعة وصول الحدث لحظة بلحظة، مؤكداً أنه لا يمكن تجاهل الدور الذي تلعبه في نشر الأخبار وتبادل المعلومات متجاوزة حدود الوقت والرقابة التي تمارسها بعض وسائل الإعلام التقليدية أو الرسمية . وأوضح أن وسائل الإعلام التقليدية لا يمكن أن تتجاهل بأي شكل كان قوة وتأثير مواقع التواصل الاجتماعي مثل "تويتر" و"فيس بوك" و"انستغرام" والتي فتحت الباب على مصراعيه لتبادل الآراء والمعلومات بين الجميع ووفرت مساحات من حرية التعبير .
وأشار إلى أن هناك فئة من المغردين قد تلجأ، لغرض ما، إلى بث شائعات وأخبار كاذبة يجري تداولها عبر "تويتر" مثلاً وتنتشر بسرعة البرق ليثبت بعد ذلك عدم صحتها مثل أخبار عن حوادث أو وفاة لمشاهير أو لسياسيين أو لظواهر طبيعية أو مشاهد على موقع "يوتيوب" غير حقيقية أو تطاول في مسائل دينية وغيرها "وبالطبع سرعان ما تنكشف أكاذيبهم" .

كوارث اجتماعية

يحذر أستاذ العلوم الاجتماعية في جامعة الكويت د . يعقوب الكندري من مخاطر مواقع التواصل الاجتماعي، موضحاً أنها تقنية من التقنيات الحديثة في عالم التواصل بين الأفراد والجماعات والتي من خلالها يتبادل الفرد مع الآخرين المعلومة، والرأي، والفكر، والاتجاه . وتابع: لعل أبرز ما يميز شبكات التواصل الاجتماعي المساحة الكبيرة من الحرية التي يمكن أن يعبر من خلالها الفرد عن هذه الاتجاهات والأفكار والآراء بلا أي ضوابط خارجية تمنع بشكل مناسب بعض الآثار التي من الممكن أن يسببها الفرد بعرضه لهذه المعتقدات الفكرية .
وأوضح الكندري أن من أبرز وأخطر تداعيات سوء استخدام هذه المواقع هو تهديدها للأمن الوطني من خلال التأثير في الوحدة الوطنية وزعزعة مفاهيم وأبعاد المواطنة . وقال: نشر أفكار وآراء خاصة بالتفرقة بين شرائح المجتمع من خلال هذه المواقع أصبح بضاعة سهلة وميسرة ويمارسها مع الأسف البعض . وقد تزداد حدة إذا لم ينتبه إلى خطورتها والتوعية بأهم آثارها، ولولا وجود الحكماء من أبناء المجتمع وبعض النخب العاقلة لانتشر فساد كبير إزاء ما تعرضه هذه المواقع من فتنة طائفية وفئوية تمس كيان المجتمع وأركانه .

لغة الخطاب

بيَّن عميد كلية الدراسات التكنولوجية د . وائل الحساوي أن الشباب خلال السنوات الماضية واكب التطور الكبير في ثورة تكنولوجيا الاتصال ووجد من خلالها فرصته المجانية والوحيدة التي توفر له إمكانية التعبير عن آرائه خلافاً عن التقليدية المتعارف عليها . وأشار إلى أن هذه المواقع فتحت آفاقاً واسعة أمام الشباب للمعرفة والتواصل والتفاعل، ليس فقط بين أبناء المنطقة الواحدة، بل مع أصدقاء من مختلف الدول والاحتكاك بهم، مشدداً على ضرورة وجود رسالة إعلامية شاملة للشباب تدرك مطالبهم وتتفاعل معهم لضمان استمرار حرية النقد والتعبير والرأي والرأي الآخر في السير بالاتحاه الصحيح . وأكد أن من ضمن أسباب الفرقة في المجتمع الواحد أو بين المجتمعات العربية تصعيد لغة الخطاب عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي يتحدث بها البعض، وتؤدي إلى إحداث فتنة ويستغلها بعض الحاقدين لبث الفرقة بين الناس، والسعي لتمزيق وحدتهم وشق صفهم، حتى أصبح الناس يتفننون في نقل كل كلمة .

التأثير النفسي

يتناول أستاذ علم النفس في جامعة الكويت د . خضر البارون تأثير تلك المواقع بالقول: بالنسبة للكثير من الذين يعانون مشاكل نفسية تعيقهم عن التعبير بالكلام والمواجهة اللفظية، وفرت مواقع التواصل الاجتماعي وسيلة مثالية وسهلة للتعبير عن آرائهم بحرية حيث وجدوا ضالتهم بالكتابة لإيصال وجهات نظرهم بطلاقة، وليس بالضرورة أن تكون وجهات نظر منطقية أو مقبولة اجتماعياً، فهذه المواقع وفرت إمكانية التنفيس عن المشاعر المكبوتة بصرف النظر عن ماهيتها، فمثلاً من النادر الآن أن نجد كتابات على الجدران وفي الحمامات لأن هذه المواقع أصبحت متنفساً جيداً للذين كانوا يمارسون هذا النوع من الكتابات، وهنا ربما تكون هذه المواقع وسيلة للتخفيف من عبء الإحباطات والضغوط النفسية التي قد يواجهها الفرد في حياته .
وتابع: من جهة ثانية، أدى اللجوء إلى هذه الوسائل خصوصاً بإفراط، إلى الانعزالية والتوقف عن المشاركة في الأنشطة الاجتماعية .

تحديث القوانين

يرى المحامي إبراهيم الكندري أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت بمثابة "ديوانيات" إلكترونية وأي حديث متداول فيها يصبح حديثاً عاماً وفي متناول الجميع، لكن التعامل مع هذه المواقع لايحتاج إلى قوانين فالتشريعات التي تتعلق بتجريم السب والقذف والتشهير وإشاعة الأخبار الكاذبة لغايات هدامة موجودة في جميع القوانين وتتعدل باستمرار بحسب الحاجة والتطورات التي تطرأ على المجتمع . ويقترح تحديث هذه القوانين مع تشديد العقوبة في مثل هذه الجرائم وحتى في جرائم الصحافة المشابهة، لأن الضرر قد يطال المجتمع .

ضوابط الخلاف

يرى فضيلة الشيخ ناظم المسباح، إمام وخطيب في وزارة الأوقاف الكويتية، أن مواقع التواصل الاجتماعي تجاوزت حقيقة الدور الإخباري لوسائل الإعلام وخلقت نوعاً من التواصل والتفاعل بين مستخدمي تلك المواقع من جهة والمجتمع من جهة أخرى للمشاركة وبمختلف مستوياتهم الثقافية في صنع الخبر ونشره بأقصى سرعة .
وعن ضوابط الخلاف قال المسباح: لا بد أن ينضبط بضوابط الشرع الحنيف، فقد أمر الله تعالى بإنصاف المخالف والعدل في حقه فقال تعالى: "ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى"، ومن المتقرر في الشريعة قاعدة الموازنة بين الحسنات والسيئات وأن زلة الإنسان تغمر في حسناته إن كثرت ولا سيما إذا كان من أهل العلم والاجتهاد والفضل . وتابع: أمر الله عز وجل بالتثبت في تلقي الأخبار، حتى لا ينشأ الخلاف بين اثنين بناء على خبر كاذب فتصدر الأحكام المسبقة وتنطلق الردود وتوغر الصدور، وعندئذ لا مجال للحوار، قال تعالى: "يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْما بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ" .

حلبة صراع

تقول الكاتبة دلع المفتي: إذا أردنا التحدث عن مزايا مواقع التواصل الاجتماعي فلا يمكننا أن ننكر أن ما جنيناه منها لم يكن أحد يتخيله، فقد ألغت جميع الحواجز الإنسانية والجغرافية والعمرية والزمنية وجعلت الناس تتواصل في شتى أنحاء العالم بحرية وتستفيد من آراء وأفكار بعضها بعضاً بشكل كبير، ثم تحولت هذه المواقع إلى حلبة صراع، خصوصاً في المجتمعات العربية، لأنها غير معتادة على تقبل الرأي الآخر والنقاش بحرية وعلى ثقافة الديمقراطية والاختلاف . والمشكلة التي بتنا نعانيها الآن أن الاختلاف بالرأي، مهما كان سياسياً أو دينياً أو اجتماعياً لم يعد يتم بشكل فردي عدواني فقط، بل أصبح يجر حملة لمهاجمة من يختلفون بالرأي مع صاحب الدعوة . ومع ذلك، تعتقد أنه رغم الوجه السلبي لما يجري على ساحات "فيس بوك" و"تويتر" إلا أنه بمثابة مرحلة تدريب لنا كي نعتاد على النقاش الحر والمفتوح من غير ضوابط، وأننا تدريجياً سوف تستوعب الناس هذه الممارسة الحرة لتعي أهمية الحوار الديمقراطي وتقبل الرأي والرأي الآخر، بمعنى آخر أنها نوع من "البروفة" التي تنقلنا إلى مرحلة النضج الديمقراطي .


تحذيرات لبنانية من العودة إلى الوراء قروناً

بيروت - ألبير خوري:
في الدول المتطورة كما في العالم الثالث . في أنظمة ديمقراطية ودكتاتورية على السواء . دخلت البشرية عولمة وسائل التواصل الاجتماعي بامتياز، عائلة الانترنت توزعت على مجموعة من الوسائل: "فيس بوك"، و"يوتيوب"، و"سكايب" . . . وقبلها "بلوتوث" و"إس .إم .إس"، تداخل العالم سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعلى كل الصعد، صار الكل بالكل، أقله في المعادلة العربية، وحيث فجر "الانترنيتيون" الربيع العربي للتخلص من بعض الأنظمة فإذا بالمجتمعات العربية تفاجأ بالصدمات الواحدة تلو الأخرى . ربما أخطرها أن ربيعها أشعل الفتن والحروب والعودة الى حكم قبلي جاهلي طائفي مذهبي، يفتح الباب واسعاً أمام فتن تعيدنا إلى الوراء قروناً، رغم أن العرب يحتلون رأس القائمة في بورصة "الانترنيتيين" . وفي حين أن وسائل التواصل الاجتماعي هدفت لخدمة الإنسان، تبدو الممارسة العربية سلبية وخطرة بسبب رغبات مأجورة ينبغي الالتفات إليها وإعادة النقاش في دور وسائل التواصل، حسب متخصصين لبنانيين .
في رصده للتحول الهائل الذي يشهده العالم في وسائل التواصل الاجتماعي، يستعيد د . أنطوان الحلو، الاختصاصي في هندسة الكمبيوتر، مقولة الباحث الفرنسي دانيال بونيو في مقال مطوّل نشرته جريدة "لوموند دبلوماتيك" عام ،1992 وتأكيده ضرورة إعادة النظر في مفهوم الإعلام وثورة الاتصالات، ليس لتحريرهما من كل وهم، كأن نربط بين الاتصال والتفاهم والإعلام والتحرر، بل للتأكيد على تطور الرؤية للإعلام والاتصال في ظل العولمة .
ما يهمنا في هذا الموضوع، كما يضيف أن التطور الهائل الذي شهدته وسائل التواصل الاجتماعي في السنوات العشر الأخيرة، اخترق المجتمعات العربية، المنفتحة سياسياً واجتماعياً والمغلقة على السواء، لتتحول من أدوات ثقافية إيجابية وبناءة إلى أدوات سلبية وهدامة في أحيان كثيرة . ليس الخطأ في الأدوات نفسها إنما في طرق استعمالها وأهدافها المتعددة .
ويرى أن العالم العربي تحوّل إلى ضحية العالم الافتراضي، لأن جماهيره لم تمتلك القدرة بعد على الفصل بين "الخيالي السينمائي" قديماً والافتراضي حديثاً، وما يتعرض له العالم من أخطار وتحديات . وأن أغلبية الجمهور العربي، "الربيعي" والمعارض له دخلت مغامرة حداثوية أخذته إلى المزيد من الانقسامات والشرذمة . ولا يبدو الخلاص ممكناً في الظروف الراهنة . ويؤكد أن المطلوب اعتماد ثقافة الوعي لدى الأغلبية الساحقة من مستخدمي هذه الوسائل، خصوصاً أن عدد المنتمين لهذا العالم الافتراضي في تزايد مستمر، وهذا ما يطرح قضايا أخلاقية وأدبية وسياسية وقانونية في ممارسة تواصل باتت تشكل هاجساً أساسياً لدى الشعوب والأنظمة على السواء .
إبراهيم الدسوقي مقدم فقرة التواصل الاجتماعي في نشرة أخبار "الجديد"، أكد أن وسائل التواصل باتت اللغة العالمية المسيطرة على أفكار وأذهان الشعوب، وتعكس من خلال ملايين التغريدات المتطايرة بين القارات وفي اللحظة ذاتها، أمزجة الناس، أحلامهم وتطلعاتهم وتوقعاتهم . ورأى أن المشكلة تكمن ليس في وسائل الاتصال ذاتها إنما في كيفية استعمالها، خصوصاً أن هذه الوسائل غير مضبوطة، أو يستحيل ضبطها في فضاءات مفتوحة، وبالتالي التمادي فيها ينفتح على مفاجآت سلبية أكثر فأكثر .
ويشير إلى أن مستخدمي هذه الوسائل يتكاثرون يوماً بعد يوم ويملكون حسابات مفتوحة، ما أدى إلى إرباك وقلق وتعاط غير سوي، وبالتالي انفتحت أغلبية السلوكات على ممارسات شاذة تكاد المجتمعات المنفتحة تخلو منها لضوابط أخلاقية ذاتية . وفي هذا المجال تتأكد أهمية الحرية والثقافة في حسن استخدام هذه الوسائل التي هدفت إلى عولمة العالم من منطلقات إيجابية وليس فتنوية كما السائد عند كل أزمة عربية مقيمة أو طارئة، حسب الدسوقي .
في هذه الحالة، التي يشير إليها الدسوقي المطلوب ثقافة توعوية عربية هادفة إلى تطابق الحياة الطبيعية مع الحياة الافتراضية . بالتالي مشاركة إيجابية يتبادل فيها المستخدمون الآراء والأفكار في مساحات مفتوحة للتفاعل كيف يمكن تحقيق ذلك؟
يقول الدسوقي "إن الاستعمال الإيجابي لوسائل التواصل الاجتماعي، وفي ظل حالة الانفصام العربي، سياسياً واجتماعياً، يفترض قيام ورشة ثقافية إعلامية جديدة تتلاءم مع ثورة الاتصالات المتسارعة، وحيث كما في كل مرة، وأمام إنجازات علمية تحدث كل يوم، يجد العرب أنفسهم، شعوباً وأنظمة عاجزين عن اللحاق، والأسوأ عجزهم عن المساهمة في عجلة الحضارة المعاصرة المتسارعة . طبعاً المهمة ليست بهذه السهولة، لكنها غير مستحيلة، خصوصاً إذا شارك في الورشة الأهل والمدارس والكليات والجامعات، إلى جانب مراكز متخصصة وعلماء اجتماع . . ." . ويتخوف من أن تزداد سلبيات وسائل التواصل الافتراضية، ما لم تأخذ هذه الورشة الثقافية طريقها إلى التنفيذ قبل استفحال الأمور . ورأى أن الوسائل الانترنيتية غيّرت الكثير من المفاهيم والسلوكات الاجتماعية . فهي باعدت بين أفراد العائلة الواحدة ما أدى إلى تفكك الأسرة . إنما وفي المقابل سهلّت عمليات التواصل وجعلت العالم قرية صغيرة، إنما مفككة ومجزأة . بسبب السياسات والأنظمة والمصالح والجهل المطبق لدى بعض المجتمعات . .
عماد بزي خبير في المناصرة الإلكترونية يقول: تعتبر مواقع التواصل منبراً لمستخدميها للتعبير عما يختلج في نفوسهم وعن آرائهم بمختلف القضايا السياسية والاجتماعية وحتى الدينية، وهذه المواقع أنشئت بالأساس لتعزيز التواصل الاجتماعي بين الناس، بمعنى أنها تتيح لكل فرد في هذا العصر السريع أن يشارك الآخرين بنشاطاته وصوره وأخباره وأخبار عائلته وأصدقائه، إلا أنها في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، وفي العالم العربي بالتحديد تحولت هذه المواقع إلى منصات سياسية أو اجتماعية بديلة، بحيث أضحى كل شخص مراسلاً وصحفياً، وذلك على عكس وجهة استخدامها الأساسية .
ويضيف: من هنا وبسبب انتشارها وسهولة استخدامها ووصولها لشريحة كبرى من المتابعين، إضافة إلى انخفاض تكلفتها بات سوء استخدامها يشكل خطراً كبيراً، إذ إنها وعلى أهميتها في نشر أخبار حراك "الربيع العربي" على سبيل المثال، أضحت منبراً للتشويه ونشر خطاب الكراهية والتضليل الإعلامي الذي تعتمده بعض الأنظمة، إذ لا يمكن التحكم بما ينشره المشتركون بهذه المواقع وهناك عدة أمثلة للاستخدامات السيئة لشبكات التواصل الاجتماعي دينياً ومذهبياً عبر خطاب التفرقة والتلفيق السائد، إما نقلاً عن متشددين، وإما عبر اختلاق حسابات وهمية تلصق بها تصريحات لم تصدر عن أصحابها، وإعلامياً، ومع أهمية هذه المنابر في تزويد القنوات التلفزيونية بالأخبار والأحداث من الأماكن المحظورة، تستخدم أيضاً في نشر بعض الفبركات وتشويه سمعة الناشطين .
ويعتبر أن كل هذا الأخذ والرد وسهولة تحوير أو تشويه أو خلط المفاهيم والأهم "التلفيق والتضليل" شكل عاملاً سلبياً يضر بالقضايا الأساسية والجوهرية التي قام عليها حراك "الربيع العربي"، من الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية وألهى المتابعين بصراعات جانبية باتت هي أساس القضايا .
إبراهيم عوض (المجلس الوطني للإعلام)، يشير إلى أن هذا التطور التقني في وسائل الإعلام وما يسمى الآن بمواقع التواصل الاجتماعي، جعل العالم قرية، وأن الإنسان بإمكانه التحدث مع أخيه الإنسان أينما كان هذا وذاك . وتلك ميزة تحسب له، إلاّ أنها تفتقد في بعض الأحيان إلى الشق العاطفي والإنساني .
ويقول: صحيح أن الأب، على سبيل المثال، بإمكانه مخاطبة نجله الذي يتابع دروسه خارج وطنه عبر الشاشة (السكايب) ويلتقيان معاً كل يوم عبرها، إلاّ أن هناك، داخل البيت الواحد، من يفتقر إلى عاطفة الابوة الحقة وإلى الحنان والدفء المنزلي من منطلق أن التخاطب بات عن بعد عبر هذه الوسائل، الأمر الذي يفرغ العائلة من قواعدها الإنسانية .
ويلفت إلى أن الناحية الأخرى، وهي الأشد خطراً في رأيه، أن هذا الانفتاح الواسع على بعضنا البعض بواسطة هذه التقنيات التواصلية قد يؤدي إلى شرذمة المجتمعات والفكر إذا ما تنامت لغة الحقد وعدم تقبل الآخر . ويقول: نعني الرأي بصورة خاصة، حيث تحولت هذه المواقع إلى متاريس بين مستخدميها، وهذا هو الخطر بعينه، خصوصاً أننا رأينا نماذج كثيرة من فلتان الأخلاق، وتعاظم الفتنة، واستشراء الفساد . . إلى ما هنالك من موبقات تصبّ في خانة السلبية التي تنجم عن هذه المواقع والأدوات، وهي الغالبة الآن .


أصابع الاتهام تشير إلى الميليشيات الإلكترونية
خبراء مصريون: ساحة للصراعات ونشر التشدد

 

القاهرة - انتصار صالح:
ساهمت شبكات التواصل الاجتماعي في موجة التغييرات الاجتماعية والسياسية التي شهدها الوطن العربي خلال السنوات الأخيرة، وكانت أحد عوامل دعم الحراك في "الثورات العربية"، لكنها تحولت بمرور الوقت إلى ساحة للصراعات وإثارة الفتن والأفكار المتشددة .
وتتباين آراء خبراء مصريين في علوم الاجتماع السياسي حول تلك الظاهرة، ففي الوقت الذي ترى فيه أستاذة الاجتماع د .عزة كريم أن ما يحدث الآن هو نوع من الفتنة بين الدولة، وبين فئات الشعب، ليس في مصر وحدها ولكن في كل الدول العربية التي قامت فيها ثورات، كانت تبشر بالخير والتغيير الجذري للمجتمع وبعد حالة التضامن والترابط والتعاون التي ظهرت خلالها انقلب الحال إلى صراع ونزاع، يرى آخرون أن شبكات التواصل الاجتماعي لعبت دوراً في نقل حالة الرفض والغضب الذي تراكم في المنطقة العربية ودفعته إلى حالة الحراك والعدوى المطالبة بالتغيير .
وتقول كريم: إن ما نشهده على شبكات التواصل الاجتماعي هو انعكاس لأداء وسائل الإعلام التقليدي وتضيف: "لا أعفي وسائل الإعلام من هذا الانفلات في العلاقات بين الدول العربية، فهي قادرة على خلق الترابط أو الفتنة بين الدول وداخل المجتمع وهي أهم مؤسسة تؤثر في الناس ومنها تنطلق الشرارة الأولى، ورغم أن شبكات التواصل الاجتماعي ليست امتداداً للإعلام، فإن ما نشهده فيها من صراعات هو رد فعل لأداء الإعلام، حيث يجد الناس فيها وسيلة للرد على ما تطرحه وسائله بالسلب أو الإيجاب" .
وتضيف: إن الشعوب لن تغفر لوسائل الإعلام دورها في إثارة الفتن، وتستشهد بمواقف إعلاميين قاموا بدور تحريضي مباشر ضد الثوابت الوطنية المصرية، وتلوم على النظام الحاكم إتاحة منابر إعلامية لهم، لأن الناس تأخذ من هذه الأفكار وتنعكس عليهم، كما نشهد في شبكات التواصل الاجتماعي، وترى أننا نتجه نحو منحدر بسبب ما يشاع في وسائل الإعلام من فتن بين الدول وبين فئات الشعب وإذا لم توقف الدول مصادر الفتنة تلك ستزداد المشكلة، ولابد أن تبدأ المواجهة من الإعلام وسينعكس ذلك على شبكات التواصل الاجتماعي .
أما الكاتبة الصحفية والناشطة نور الهدى زكي فتعتبر وسائل التواصل الاجتماعي أحدث الأدوات التي ساهمت في إنجاز التغيير في المنطقة العربية، رغم أنه لم ينتج ثماره بعد ولا يمكن أن يطلق عليها ثورات بعد، وتقول: "شبكات التواصل الاجتماعي لعبت دوراً في نقل حالة الرفض والغضب الذي تراكم في المنطقة العربية إلى الحراك والعدوى المطالبة بالتغيير، بصرف النظر عن منطق المؤامرة لمصلحة الدول الكبرى التي رأت أن قوى الإسلام السياسي هي التي ستقدم ما تريده الدول الاستعمارية التي ورثتها أمريكا و"إسرائيل"، لذا تعاونت مع قوى الإسلام السياسي، ودخلنا ما يمكن اعتباره مؤامرة على الشعوب العربية" .
وتستدرك بأنه مهما بلغت مؤامرات الدول الكبرى ما كانت لتتمكن من فعل شيء سوى بوجود التربة الملائمة والمنفذين، وإن كانت هذه الشبكات والأدوات يمكن استخدامها بشكل مضاد وحامٍ للمصالح العربية .
ورغم أن الإنترنت لعبت دوراً كبيراً في الحراك والحشد الذي أنتج حركة الشعب المصري ضد حكم الإخوان وأعاد صياغة مرحلة مهمة من تاريخ مصر، إلا أن الناشط السياسي حسن شاهين يرى أن هناك ضرورة لمواجهة الأفكار الخارجة عن السياق العام في الوطن العربي . ويقول: "لا بد أن يخضع للقانون كل من ينشر ويدعو للأفكار الهدامة والفتنة التي تفرق بين الشعوب العربية ومطلوب رقابة من الدول، لأن أصداء هذه الفتن تهديد خطير، وليس معنى ذلك فرض رقابة على شبكات التواصل، لكن إيجاد شكل من الرقابة العامة التي تستهدف الأفكار المتطرفة والتحريض ووضع إطار قانوني لها" .
شاهين يؤكد التفرقة بين الدور الذي قامت به شبكات التواصل في الدعوات للخروج على "الإخوان" خاصة في الحشد لمظاهرات 30 يونيو التي شارك فيها كأحد مؤسسي حركة "تمرد" وبين دعوات التطرف الحالية على الإنترنت التي تنشرها الجماعة . وقال: "كانت كل دعواتنا سلمية ولا تحرض على العنف حتى ضد من نختلف معهم، وإنما على حشد شعبي يظهر إرادة الشعب دون تزييف أو وساطة، أما دعوات "الإخوان" للعنف فقد بدأت قبل 30 يونيو وزادت بعد فشل مخطط الجماعة في حكم مصر، وتحولت إلى التحريض على العنف والعمليات الإرهابية، لأنه لم تعد لديهم وسيلة للاستمرار سوى الشحن المعنوي للشباب وبث أفكار مغلوطة" .
القيادي اليساري أحمد بهاء الدين شعبان أرجع بدوره أصداء العنف في شبكات التواصل الاجتماعي إلى جماعة "الإخوان"، قال: "شكلت الجماعة ما أطلقت عليه ميليشيات إلكترونية ووفرت لها إمكانيات تقنية ضخمة، خاصة بعد سقوط حكم محمد مرسي ومع تضاؤل قدرة جماعة الإخوان على العمل الميداني في الشارع كانت الإنترنت بديلاً أساسياً للحفاظ على المعنويات وتوحيد الصفوف واستمرار القدرة على الحشد والتوجيه باستخدام الآليات الإلكترونية، خاصة بعدما أثبتت تلك الآليات قدرتها على التأثير في ثورتي 25 يناير و30 يونيو كنموذج، ولهذه الشبكات تأثير مزدوج يمكن أن يكون إيجابياً إذا اعتمدت على الحقائق الموضوعية وعبرت عن نبض الشارع، كما حدث في الثورتين، أو سلبياً في حالة اصطناع أحداث وتزييف الواقع كما يفعل "الإخوان" على غرار مدرسة قناة "الجزيرة" باقتطاع جزء من الصورة وتعميمه لتسييد رؤية مغايرة للحقيقة ويشاركهم بعض النشطاء من 6 إبريل والاشتراكيين الثوريين، أما المتابع المصري فعلمته التجارب أن يحكم بما يراه بعينه . ويضيف شعبان: "المدهش أن أكثر الناس استخداماً لهذه الآلية الحديثة المتطورة هم أكثر الناس تخلفاً ورجعية، وانتماء للماضي ومخاصمة للمستقبل لذا نجد مئات وآلاف المواقع العربية التي تبث الفتنة الطائفية والتخلف والأفكار المعادية للعقل والحضارة، بينما تتقاعس القوى المدنية عن أداء دورها، والمفارقة في واقعنا العربي أن القوى الأكثر تخلفاً والجماعات التكفيرية والانفصالية والقُطرية والعنصرية تستخدم الوسائل الأكثر تقدماً، والتي صارت جسراً للتواصل بين العالم لنشر أفكارها الظلامية، لذا نحتاج إلى جهود الأزهر والكنيسة والإعلام لتحصين الشباب ضد عملية غسيل المخ التي يتعرضون لها" .
شعبان يؤكد ضرورة مواجهة هذه الهجمات والأفكار على الإنترنت بعيداً عن الحلول الأمنية التي اعتبرها عقيمة، وقال: يصعب مراقبة تلك المواقع لكن نحتاج إلى توعية الشباب ونشر القيم الإنسانية والتعليم الراقي والرد على دعاوى التكفير بالمنطق والحجة" . وطالب الحكومات العربية بأن تضع أمام القوى المدنية إمكانيات ضخمة وأن تشارك الساسة وأهل الفكر لمواجهة هذه الهجمة، محذراً من التأخر في مواجهتها لأنها ستفتح ميادين جديدة للعنف .
أستاذة علم الاجتماع السياسي والعسكري د .هدى زكريا قالت: "شبكات التواصل الاجتماعي تعكس حالة المجتمع، وحالياً المتشددون هم الأكثر حضوراً وإقبالاً عليها، ويستخدمونها كمنبر مثل منابر المساجد بهدف إسقاط المجتمع العصري وفيما حولت رسالة الإسلام قبيلة قريش إلى دولة علمت العالم يريد دعاة التطرف الجدد تحويل الدول العصرية في بلادنا إلى قبائل متناحرة ويخططون لضرب العلاقات بين الشعوب العربية، وفيما تقول الدراسات: إن النسبة الأكبر من مستخدمي الإنترنت من الشباب نجد في حواراتهم استعراض عضلات أكثر من الرؤية العميقة، نظراً لسقوط مناهج التفكير العلمي بشكل عام في عالمنا العربي وفي ظل الغرق في تفاصيل الأحداث التي يقدمها إعلام تخلى عن رسالته الحقيقية ليلعب دور الإعلان والتحريض في ظل غياب رؤية واضحة لدور الإعلام والثقافة، كما كان في مصر في عهد عبدالناصر . وبعد أكثر من أربعة عقود من تجريف معنى الوطنية، صارت الساحة خالية لأفكار التطرف والعنف والفتنة، فيما يظل الوعي والمعرفة الثروة الأهم التي نحتاجها اليوم .


التهديد بالحرق فتح أعين الأردن على الخطر

عمّان - "الخليج":
تسببت بعض وسائل التواصل الاجتماعي بتأجيج خلافات بين أطراف أردنية وأخرى عربية سواء عبر تصعيد التوتر حيال وقائع متباينة أو افتعال أخرى وتبادل التحريض بشأنها، الأمر الذي دعا شخصيات عامة وبعض الناشطين إلى المطالبة بوضع حد لذلك عن طريق إجراءات عملية .
في مايو/ أيار من العام الماضي، انتشر وسم "احرقوا السفارة" بين مغرّدين على "تويتر" قاصدين مقراً دبلوماسياً عربياً في الأردن وذلك رداً على اعتداء حرّاس السفير على سياسيين أردنيين اعترضوا على احتفال انتقد نظاماً سابقاً .
وقتها هدد نائب في البرلمان الأردني تحت القبة قائلاً: "نحن نمهل الجهات الرسمية 48 ساعة لمحاسبة السفير ومرافقيه الذين اعتدوا على أردنيين في المركز الثقافي الملكي في عمّان أو سنحرقها ونطرد من فيها" . وقبل أن يخرج من مجلس التشريع انتشرت صفحات إلكترونية للتأجيج بين الشعبين لا تزال تداعياتها قائمة حتى بعد مضي أكثر من عام على الواقعة .
يقول النائب سعد هايل السرور الذي كان رئيساً للبرلمان حينها: لاشك أن ما حدث على أرض الواقع من اعتداء على أبناء الوطن أمرٌ مرفوض قلباً وقالباً واستحق موقفاً حازماً ضد المتورطين، لكنها حالة فردية صدرت عن مجموعة من دولة مُجاورة لا يمكن تعميمها، وكان يجب وضع حد لاتساع تداعياتها عبر تناقلها إلكترونياً خارج السياق .
ويضيف: للأسف لعبت بعض وسائل التواصل الاجتماعي دوراً سلبياً وصعّدت التداعيات ونفثت في جمرة الفتنة بين الشعبين ما تسبب بتبادل الاتهامات والإساءات لأطراف لا علاقة لها بالموضوع نتيجة ما طُرح على صفحات إلكترونية بصورة حملت مبالغات ضاعفت التوتر .
ويشدد السرور على وجوب عدم الانسياق خلف أغراض تنتهز كل فرصة للتعصب وبث الخلافات بين الشعوب العربية وفق توجهات تقصد "حرق" العلاقات على كافة المستويات، فيما ينخرط بعض المعلقين على صفحات التواصل الافتراضية في دوامة التحريض قصداً أو جهلاً انسياقاً مع نزعات تقودهم إلى مناطق يصعب العودة منها .
ويبدي الكاتب الصحفي في يومية "الدستور" ماهر أبو طير استغراباً كبيراً من "ماكينة" التحريض عبر وسائل اتصال متباينة ضد شعب بأكمله على خلفية موقف طارئ يؤكد وجوب التعامل معه ضمن إطاره .
ويتساءل: ما ذنب شعب كامل لإهانته من باب رد الفعل وإطلاق شعارات تحض على معاملته بقسوة داخل البلاد وقطع التواصل معه خارجه كأننا لسنا أمة واحدة في نهاية المطاف ولا نحسب مآل الإساءة مهما كان التبرير وقت الغضب؟ ويتابع: لا يجوز تناسي كل الروابط التي تجمعنا بأشقائنا وتحويل الأمر إلى عداء شديد يديره من يعملون على تغذية الكراهية ويستغلون كل شيء للتحشيد الذي ينطوي على دافع طائفي ومذهبي بقصد توظيفه لغايات أخرى تريد إثارة الفتن .
ويرى أبو طير أن هناك قوى تستغل كل منبر إعلامي ووسيلة اتصال جهة توظيف غضب الناس الطبيعي واستثماره لغايات سياسية ربما لا تخطر على بال أحد، بينها نسف العلاقات السوية مع دولة عربية أو تغيير مسارها بما يخدم مصالح معينة وفق مخطط مقصود أحياناً . ويشير إلى خطورة الانخراط في حملات مُدبّرة ترتدي في ظاهرها ثوب الدفاع عن الوطن وتخفي في باطنها مآرب ضالة تستدعي وصد الباب أمامها .
ويلفت الناشط الحقوقي محمد هايل إلى وقائع مختلفة تحوّلت إلى تراشق على صفحات إلكترونية لاسيما "فيس بوك" وتبادل شتائم وشائعات مغرضة قادت إلى تداعيات ميدانية كادت تتفاقم .
ويقول: بعد ترويج مقطع فيديو "مُفبرك" مؤخراً على أنه يتضمن مجموعة شباب أردنيين اعتدوا بالضرب على طالب عربي وتزايد الحنق والتحريض ثبتَ يقيناً أن مادته المرئية تعود إلى عام 2009 وهي خاصة بعملية إلقاء القبض على مهربين من دولة غير عربية، فيما دفعت شعارات مُحرّضة انتشرت على وسائل تواصل إلكترونية إلى نزول عدد من الغاضبين أمام مخيم للاجئين ورفعهم لافتة كُتبَ عليها "اطردوا هؤلاء البلطجية" في ردة فعل عصبية استندت إلى معلومات خاطئة تداولها مغرّدون وفاقموا الصدام الافتراضي على شبكة الإنترنت مع أبناء شعب عربي شقيق .
ويلفت هايل إلى تدخله ومجموعة حقوقيين في التحشيد جهة إغلاق صفحات إلكترونية كانت تستقبل كل ما من شأنه إثارة الفتن والتشدد الطائفي بين الأردنيين وشعوب عربية أخرى ومنشوراتها بثت تكهنات ودعت للتصويت مع طرد أشقاء على خلفية اختطاف دبلوماسي من قبل مجموعة متطرفة محدودة لا يجوز تعميم تصرفها على شعب بأكمله . ويستدرك: يبقى ما فعلناه جهة سد منفذ للتحريض مجرّد إجراء طارئ لا يمكننا تعميمه لوأد هذه الإساءات .
وحسب هايل، فإن قانون المطبوعات والنشر الجديد في الأردن يفرض ترخيص المواقع الإخبارية الإلكترونية لإجازة عملها ويحملها المسؤولية القانونية عن التعليقات المُحرّضة على الفتن وغيرها المُتجاوزة، ورغم تضمين أحد بنوده انسحاب الملاحقة على صفحات إلكترونية تسيء للعلاقات مع دول شقيقة، فإن تطبيق ذلك يبدو صعباً ولم تُرصد حالات علنية أُحيلت للقضاء .
ويرى هايل الأمر بين تناقضين قائلاً: نحن مع حرية التعبير وعدم التضييق ولا التدخل في الانتقاص من حقوق الناس الكاملة في طرح الآراء عبر الوسائط كافة، لكننا، في المقابل، نريد الحد من هذه الظواهر التي تشعل نار التأجيج بين الشعوب وتسهم في تهشيم العلاقات العربية، ولذلك فإنه من الأجدر الوصول إلى صيغة اتفاق عربية يقودها وزراء الإعلام تُلزم بعدم فتح المجال أمام تبادل التحريض واعتبار ذلك بمثابة ميثاق شرف يكون من يتجاوزه مُعرّضاً للعقوبة في كل بلد .
ويشدد باسم الطويسي، عميد معهد الإعلام الأردني على أن الانجراف خلف الاستقطاب العدائي وتصعيد حدة النزاعات وتبادل الاتهامات هو أسوأ استخدام وصل إليه متعاملون مع وسائل الاتصال الحديثة . ويقول: إن تطور النقاشات الغاضبة على صفحات الإنترنت واللغة القاسية وتبادل التهديد والأوصاف غير اللائقة تدخل ضمن التحريض وبث الكراهية بين الشعوب حين ينطوي على تأجيج مضاد على أساس فكري أو ديني أو ثقافي أو اجتماعي أو سياسي، وهذا مدعاة للتعبئة والشحن والتعبير عن السخط بطرق تلهب نار الفتن .
ويسترسل: هناك من يقود هذا النوع وهناك من ينجر إليه وثمة من يبحث عنه خصوصاً على المواقع والصفحات الإلكترونية، وهنا لابد من التذكير بمنظومة مبادئ "كامدن" العالمية التي أنجزها خبراء من ثقافات مختلفة حددوا الفرق بين حرية التعبير وتجاوزها إلى التدمير .
ويجد الطويسي أن ثمة توجساً من تكريس الدعوات إلى التخلص من المحرضين و"المؤججين" في استغلال ذلك جهة رفع شعارات ترى الأمر يمس الحريات الإلكترونية . ويعقب: وسط القلق والفوضى نحتاج إلى المزيد من الوعي كي لا نصل إلى يوم تُصادر فيه حريات بداعي تطويق نشر التحريض، وفي المقابل عدم نشر سموم التشدد والكراهية في كل اتجاه باسم حرية التعبير حيث لا يفيد الوعي المتأخر ولا الوعيد .
ويؤكد الباحث في شؤون التشريع والكاتب في يومية "العرب اليوم" وليد حسني أن الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي أسهمت بصورة كبيرة في إشاعة خطاب الكراهية بين الشعوب العربية والتحريض الطائفي والمذهبي والتأجيج والتمييز بكل أشكاله المرفوضة والمدانة وذلك عبر وسائط مجانية مفتوحة وسهلة فتحت الباب على مصراعيه أمام ضخٍ جائر لمواد تحض على التحريض وتقود إلى الاستقطاب والتشدد والإرهاب .
وجاء في دراسة أعدها حسني ضمن كتاب "إنّي أكرهك" الصادر حديثاً أن تعريف "خطاب الكراهية" غائب بشكل واضح ودقيق في القانون الدولي ما جعله من أكثر القضايا إثارة للجدل والخلاف لاسيما في ظل وجود تعريفات حاولت تقريب المدلول وفق اجتهادات باحثين وقانونيين .
ويشير حسني إلى اعتماد الأردن على قوانين محلية تتعلق بالمطبوعات والنشر في هذا السياق من دون تسجيل قضية واحدة في المحاكم حيال "خطاب الكراهية" باعتباره جريمة يُحاسب عليها القانون .
وحسب الدراسة، فإن نسبة عالية من المستجيبين يعتقدون أن الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في تفشي خطاب الكراهية المتبادل عربياً وبنسبة 8 .94% وذلك وفق ترتيب تصدّره "فيس بوك" بنسبة 5 .30% ثم وسائل الإعلام الإلكتروني 26% و"تويتر" 5 .14% و"يوتيوب" 1 .9% والتلفاز 7 .6% والإذاعة 5% وأخيراً وسائل مكتوبة 8 .4% . وحثت الدراسة على وضع قوانين وتشريعات أكثر صرامة تجاه كل من يشيع أو يتبنى ثقافة الكراهية والتأجيج بين الشعوب والتحريض على الطائفية والمذهبية عبر وسائل التواصل المختلفة مع قيام مؤسسات تستند إلى منهج علمي واضح يفضح هؤلاء علناً حال ثبوت الأمر وتكريس المحاسبة القانونية بما سيشكل رادعاً أمام من يتمادون .
واقترحت الدراسة قيام ناشطين في مجالات متباينة ضمن كل مجتمع عربي بتبني وثيقة ترفض كل وسائل التحريض على الآخرين وتحظر تماماً بث سموم الفتن على أسس سياسية ودينية واجتماعية بين أبناء دول مختلفة مع إطلاق حملات جهة تبنّي هذه الوثيقة ونشر مدلولها على الوسائل المتفاوتة مع نبذ من يحاولون خرقها .


جرأة الجهلاء عليها تفسد الدنيا والدين
فتاوى المواقع طريق عصري إلى نار الفتنة

تحقيق: جيهان شعيب
عندما ولجت الأصابع مواقع التواصل الاجتماعي، لم يكن الأمر يخرج عن مجرد تجاذب أحاديث، وتبادل أفكار ورؤى، وتناول بعض الأحداث الجارية على الساحة الاجتماعية أو غيرها، بالنقاش والجدال . ولم يخطر على بال أحد أن يأتي يوم تتحول فيه بعض هذه المواقع إلى ساحة مفتوحة لبعض الجهلاء الذين لم يجدوا لأنفسهم أماكن في الحياة العامة، ليدلوا فيها بأفكارهم وآرائهم الدينية الهدامة .
هؤلاء وجدوا في بعض هذه المواقع لاسيما "تويتر" و"الفيس بوك" مجالاً للإفتاء فيما لا يفقهونه، وانجرف وراء ما يفتون به صغار العقول، متواضعو الفهم، وعديمو الخبرة .
وإذا كانت مواقع التواصل تعد ساحة للتداول، والتباحث والتناقش في كل أو بعض القضايا الجارية على الساحة، بما يمكن معه القبول بكل أو بمعظم ما يتم تناقله خلالها شريطة المصداقية، والحيادية، واحترام الرأي والرأي الآخر، إلا أن ذلك مرفوض تماماً عندما يتعلق الأمر بالإفتاء، وإعطاء آراء شرعية بعضها يدفع إلى التهلكة تحت شعارات دينية رنانة مثل الجهاد، أو الذود عن البلد الفلاني أو العلاني، أو غير ذلك، وهنا الطامة الكبرى، فالمساس بالعقيدة برأي مغلوط من هنا أو هناك، أو فتوى على غير أساس، يصدرها غير ذي علم، أو غير دارس للشريعة وعلومها، يؤدي لبلبلة الأفكار، وزعزعة الاستقرار، وبعثرة الأمان المجتمعي .
حدود فوضى الفتاوى على مواقع التواصل الاجتماعي، والضوابط الواجبة للإفتاء، ودور المؤسسات الدينية من هذه القضية، محور حديث عدد من رجال الدين وذوي الصلة في السطور الآتية .
حسب عبدالرحمن محمد الطنيجي، مدير إذاعة القرآن الكريم في أبوظبي، أصبحت الفتوى اليوم في العالم الافتراضي الوهمي "مهمة من لا مهمة له" والجميع أضحى بين لحظة وأخرى العارف في زمانه بين مفتٍ وناقل للفتوى . ويقول: هي فوضى عارمة أشببها بأمواج البحر المتلاطم الذي لا قرار له والجميع تائه لا يعرف مرسى، وهذا موقف مربك يضرب أسس العبادة ويشوه الدين، ويضعف من تأثيره على أفراد المجتمع، كما أنه وسيلة هدم لمنظومة القيم الأخلاقية، والاجتماعية، والوطنية وغيرها من القيم الفاضلة .
ويوضح أن الفتوى استجلاء وتبيان لمقاصد الشريعة، وتأصليها لمعرفة أمر ما، وأن تنوع المذاهب في ديننا الحنيف هو مظهر من مظاهر السعة وتعدد الخيارات أمام الناس رحمة لهم، لذلك فرفع وعي الناس وتبصيرهم، وتوجيههم أمور حتمية لتحمل المسؤولية الدينية والوطنية في شأن اتخاذ القرار المناسب .
وللحد من هذا التسيب في أمور الفتوى، يؤكد الطنيجي أنه لابد من تضافر الجهود الرسمية والشعبية وألا يقتصر الأمر فقط على المؤسسة الدينية . ويقول: يجب رص الصفوف ووحدة العمل الوطني، وابناء الإمارات عرفوا بموقفهم الاصيل الموحد الداعم للوطن والقيادة، والشواهد كثيرة في هذا الجانب، كيف لا وهم يسيرون وسط إرث اجتماعي، وأخلاقي، وديني، ويترسمون نهجاً أسسه القائد المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه؟
ويشدد على أن خلق توعية شاملة وتوفير حاضنة مناسبة لأفراد المجتمع السبيل والضامن لعدم تجاوب، أو إنجرار البعض وراء مثل هذه الفتاوى المضللة، لذلك لابد من العمل الفوري على عقد مجموعة من الندوات، والمؤتمرات والحملات الإعلامية بهدف إجلاء الحقيقة، ورسم خريطة واضحة المعالم لكيفية استغلال الوسائل التكنولوجية بروح ايجابية وسطية المنهج وطنية البعد .
ونطالب الجميع بأن يتفهم الوضع الراهن في المنطقة وتداعياتها وأن يدرك ما يحدث في الفضاءات الوهمية من خطورة على مجتمعاتنا، لافتاً إلى أن هذه المواقع بلغت مبلغ الخطر الحقيقي بسعيها إلى ضرب الثوابت الدينية، والنسيج الوطني، بل في بعض الأحيان إلى زعزعة أركان الحكم في عدد من الدول، ويناشد الطنيجي اصحاب القرار والمسؤولين في الدولة، لاتخاذ السبل الكفيلة بحماية الوطن من هذه الأفكار الهدامة، ويقول: نحن على يقين من أن القادة أكثر الناس حرصاً ومسؤولية في هذا الأمر، وليس أدل على ذلك من مواقف الدولة الثابتة والصادقة تجاه الوطن وأبنائه، وقضايا الأمتين العربية والإسلامية، وما تصريحات الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، ببعيدة عن الذاكرة حيث توافقت وتتطابقت مواقف الإمارات ورؤيتها مع الرؤى السديدة لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود، فيما ورد في خطابه الأحدث تجاه ما يجري في المنطقة وما تقوم به الجماعات الإرهابية من أعمال يندى لها الجبين .
ويرى الطنيجي أن على الجميع الوقوف ضد هذا الخطر الداهم برص الصفوف، لمحاربة أهل الفتنة في مواقع التواصل الاجتماعي، وأنه يتوجب اليوم قبل غد أن يتنادى أهل الاختصاص، وأهل الحل والربط في المنطقة، لعقد مؤتمر عام للخروج برؤية موحدة تقف أمام أهل الظلام، والضلالة، والفتنة، للمحافظة على أوطاننا وشعوب المنطقة وسلامة ديننا وفكرنا .

أهل العلم

يبين د . أحمد الكبيسي رئيس قسم الدراسات الإسلامية في جامعة الإمارات، أن القرآن الكريم حّمال أوجه، كما قال الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه . ويضرب مثلاً على ذلك بقوله تعالى: "أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا" ويقول: معنى ذلك أن لمس النساء ينقض الوضوء، هذا هو ظاهر الآية، وأخذ الإمام الشافعي أن مجرد أن تلمس المرأة الأجنبية لمساً ضعيفاً يوجب الوضوء، في حين قال الإمام أبو حنيفة إن الملامسة هنا هي المداعبة الكاملة بين الرجل والمرأة، لأن الملامسة غير اللمس وهذا رأي ثانٍ، أما الرأي الثالث فكان للإمام ابن حنبل حيث قال إذا لمس الرجل المرأة بشهوة فعليه أن يتوضأ . هذه ثلاثة آراء متناقضة لثلاثة أئمة من كبار المسلمين، وبالتالي فهذا هو وضع الفتاوى، كل له رأي فيها شريطة أن يكون عالماً من علماء التفسير والفقه، لأن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قال: (من أفتى بغير علم فقد كفر)، لذا فالاختلاف في الفتاوى من حسنات الدين، تبعاً لفهم العالم من الآية أو الحديث، وذلك صحيح ما دامت مرجعية من أفتى هي الكتاب أو السنة .
ويتأسف الكبيسي على شيوع الجهل في عصرنا، ورفع العلم، قائلاً: يأتي بعض الشباب وقد تعلم آية أو آيتين ويخطئ فيهما إن قرأهما، ومع ذلك ينصب من نفسه مفتياً، إما تبعاً لطائفته، أو حزبه، أو جماعته، وكلنا نعرف هذه العناوين التي عوقت الإسلام والمسلمين وآذتهم في حياتهم الدينية، ومزقت شملهم، وفرقت جمعهم، ونخرج من ذلك بحقيقتين الأولى أن الاختلاف في الفتوى ظاهرة صحية في هذا الدين، وقد جاء في الحديث الشريف "اختلاف أمتي رحمة"، أما الحقيقة الثانية فهي أن يكون المفتي من أهل العلم بحيث إذا سئل عن أسباب فتواه يستطيع أن يأتي بأدلة شرعية مقبولة، وهذا هو الصواب في الدين .
ويضيف: للأسف في هذا العصر أصبحنا نسمع فتاوى متضاربة تتحكم فيها الأهواء والتكتلات الوهمية، التي أثقلت على المسلمين بالشكل الذي نراه ونسمعه .

الحيطة والحذر

يعتبر د . سيف الجابري، مدير إدارة البحوث في دائرة الشؤون الإسلامية في دبي، انتشار الفتاوى على مواقع الإنترنت المختلفة بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، ويقول: الإسلام دين العلم، والمعرفة، والفقه، ولكننا أصبحنا نتأسف على ثقافة المسلمين، فقديماً قيل: من كان شيخه كتابه كان خطؤه أكثر من صوابه، وإذا طبقنا المقوله اليوم، سنقول: من كان شيخه الإنترنت كان حظه من الفهم قليلاً، وحكمه علي الأمور خاطئ، وما يحدث اليوم من فتن في ديار المسلمين، من أسبابه الرئيسية انتشار فتاوى المسلمين ضد بعضهم البعض، وقد قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم "أجرؤكم على الفتوى، أجرؤكم على النار" والمصيبة أن البعض أضحى لا يخاف النار، التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم "اتقوا النار ولو بشق تمرة" .
ويعتبر الجابري انتشار الفتاوى علي مواقع التواصل الاجتماعي الذي أدى بالناس إلى الشك في أمورهم الدينية، مصيبة، لذا يناشد المسلمين جميعاً بأخذ الحيطة والحذر، من نشر أي رساله دينية مهما حملت من نصح، إلا بعد التأكد من سلامة نصها . ويقول: على من يفتون التوقف عن ذلك، وينبغي على الجميع الحذر من دس السم في العسل، وحتى نحمي مجتمعنا من الفتاوى، لابد من فتح الأبواب لأهل العلم، من خلال الجهات الحكومية المختصة، ولابد من تشريع يمنع التطاول على الدين الإسلامي، بالفتاوى "الطيارة" المنقوصة وغير الصحيحة، وحين البحث عن الرأي الشرعي الصحيح لابد من الرجوع للعلماء المشهود لهم بالكفاءة .

شروط

ويشدد حسن الحمادي، محكم أسري، على أهمية عدم فتح باب الفتوى لأي كان، لأنه لابد من توفر شروط محددة لها، منها أن يكون الشخص حافظاً لكتاب الله، وعالماً بالسنة النبوية، واللغة العربية، فقيهاً، إضافة إلى شروط أخرى كثيرة . ويقول: أوجدت الدولة منافذ رسمية للفتوى، فلا ينبغي أن نستوردها من خارجها، أو من مواقع التواصل الاجتماعي، لأنه من غير المعروف من يصدرها وما الغرض منها، فهناك من يفتون على المنطق الفرعوني "ما أريكم إلا ما أرى"، والمسألة الواحدة قد يكون فيها أكثر من رأي، والرأي الأوحد ضرره أكثر من نفعه، وبالتالي قد يؤدي إلى مشاكل ومصائب وويلات ويخرج بالفرد من نطاق الدين .
ويرى كثيراً من المشكلات المنتشرة حالياً في العالم العربي، سببه فتاوى صادرة عن أناس من أصحاب الهوى، لذا فلابد ألا يتحدث في الدين إلا أهله فقط، من الراسخين في العلم . ويقول: في الدولة منافذ رئيسية كثيرة للإفتاء يجب الاقتداء بها والرجوع إليها، لذا أحذر من الانسياق إلى أي فتوى عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فبعض الفتاوى جلبت ويلات على دول عربية كثيرة .
ويدعو إلى تجريم بعض الفتاوى المنتشرة عبر مواقع التواصل، لأنه في أمور الدين يجب عدم سؤال أي شخص سوى أصحاب الحجة والعلم، لأن الفتوى الخاطئة تضر بالمرء في دنياه وأخراه .

مجمع فقهي خليجي

يقترح عبدالرحمن الطنيجي، مدير إذاعة القرآن الكريم في أبوظبي، توحيد الفتوى وذلك بإنشاء مجمع فقهي خليجي يتولى شؤون الإفتاء في المنطقة ويكون المصدر الأول والأخير في هذا الشأن . ويطالب الحكومات الخليجية بأن تسعى إلى نشر ثقافة أخذ العلم الشرعي من أفواه العلماء الموثوق بعلمهم وسيرتهم وأن تسعى إلى تسميتهم في إطار جمعي رسمي مرجعي، ونطالب وسائل الإعلام بأن تقوم بمهامها التفاعلية مع هذا الخط الشرعي والوطني لما لها من أهمية قصوى .

الشريف: لا بد من العقاب القانوني

عن عواقب إصدار فتاوى عبر وسائل التواصل الاجتماعي بلا علم شرعي، قال المستشار القانوني د . يوسف الشريف: تكتسب الفتوى أهمية بالغة، لأنها تعتبر إخباراً عن حكم الله وبياناً لأحكامه، حيث أفتى عباده، فقال في كتابه الكريم: "ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب"، (النساء: 127) .
وقال أيضاً: "يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة" .
ويؤكد إمكانية الملاحقة القانونية لمن يفتي عبر الإنترنت بغير علم .
وعلى هذا فإن القول على الله تعالى بغير علمِ من أعظم المحرمات في الدنيا، حيث قال تعالى: "قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ"، (الاعراف: 33) .
لذا، فإن الكذب على الله ورسوله، خطيئة وإثم كبيران، لكن ما حكم الكذب على الله في القوانين الوضعية، خصوصاً إذا كانت تلك الفتاوى تتعلق بأمور تشكل خطراً على أمن الدولة واستقرارها .
ويتابع: إن الفتاوى غير المستقيمة وغير المسؤولة التي تصدر من كل حدب وصوب ليست ظاهرة جديدة على العالم الإسلامي، فهي موجودة منذ عهد الصحابة والخلفاء، وتوالت عبر العصور التي مر بها الإسلام، فكان الحكام والسلاطين يستخدمون بعض المفتين لنشر فتاواهم بين الناس خدمة لمصالح سياسية ودنيوية، فكانت تنتشر في المجتمع، لكن ليس على ما هو الوضع عليه اليوم، حيث ظهرت تكنولوجيا المعلومات، وتطور عالم الاتصالات، وازدحمت الفضائيات، فأصبح العالم كله عبارة عن قرية صغيرة، الأمر الذي أخذ منحىً تصاعدياً خطيراً، فيكفي أن يصدر أحد الأشخاص "فتوى شرعية غير مسؤولة" عبر "تويتر"، أو "فيس بوك"، أو المنتديات أو الفضائيات حتى تنتشر بين الناس كالنار في الهشيم، فيصعب بعد ذلك لملمة آثارها السلبية على المجتمع، خصوصاً إذا كانت هذه الفتاوى تشد على الوتر الطائفي والمذهبي كتحليل قتل الإنسان الذي ينتمي إلى طائفة أو مذهب تحت مسمى الجهاد وصلاح الإسلام، أو بعض الفتاوى المتعلقة بحياتنا الاجتماعية والتي لا يمكن أن يتقبلها في عصرنا هذا أي عقل إنساني حضاري .
ويؤكد أهمية إصدار قوانين تعاقب جزائياً كل شخص يفتي خارج تلك الهيئات أو المؤسسات أو المجامع، وهذا ما قامت به السعودية .
يضيف الشريف إلى ذلك إلى أنه يمكن تطبيق نصوص قانون العقوبات التي تعاقب على التحريض على ارتكاب الجرائم ونبذ الآخرين لمجرد الاختلاف في الرأي والحضٌ على العنصرية والكراهية، ومعاقبة كل من يصدر فتاوى بهذا الخصوص كما حصل مؤخراً في لبنان بإلقاء السلطات اللبنانية القبض على داعية بسبب تصريحاته وفتاويه التي استهدفت الدولة اللبنانية لا سيما بتحريضه على محاربة المؤسسات العسكرية والأمنية اللبنانية .
ويؤكد أنه لا يمكن حل المشكلة نهائياً عبر إصدار قانون جديد أو تطبيق آخر موجود في الأصل، فمن المحتمل ان يكون هذا القانون مطبقاً في دولة، ولا وجود له في أخرى وبالتالي، فإنه يكون للشخص الذي يغرد على "تويتر" مثلاً في دولة لا تعاقب قوانينها على هذا النوع من الفتاوى أن يفلت من العقاب، وعليه، لا بد من إصدار إرشاد عام عربي يتم تبنيه في التشريعات الداخلية لكل دولة عضو في جامعة الدول العربية، حتى يكون هناك نوع من التجانس، والتعاون بين هذه الدول في مجال التصدي والعقاب لهذه الآفة .

الحمادي: ما يتعلق بالدماء والأعراض أخطر المسائل

يشدد د . عبدالله محمد الحمادي، الواعظ في الهيئة للشؤون الإسلامية والاوقاف على مكانة الفتوى، وخطورتها في الوقت نفسه، إذ يتعلق بها دين الناس الذين يلقون الله به، وترتبط بها تصرفاتهم وعباداتهم وحياتهم، وأرواحهم تارة .
ويقول: وكلما كان الموضوع المستفتى عنه أدق وأصعب، خاصة فيما يتعلق بدماء المسلمين وأرواحهم وأعراضهم ازدادت خطورة الفتوى وعلت مكانتها .
ويضيف نبه الشرع على ذلك قديماً وحذر الناس من فتوى الجاهل وصاحب الأغراض والأهواء، نجد ذلك جلياً في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العلماء، لكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جُهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) .
ولم يدع العلماء، حسب الحمادي، باب الفتوى مبهماً مفتوحاً على مصراعيه، بل بينوه خاصة علماء الأصول الذين بينوا شروط المفتي، وآداب الفتوى، والمستفتي، وكل ذلك مؤصل موضح لطالب الهدى والحق، ومما بينوه أن المستفتي يستفتي العالم الرباني، العارف بالمقاصد والعواقب المتجرد للحق، المدرك لما يقول، فهو من أهل الذكر الذين توجه إليه الفتوى .
وأدرك السلف ذلك، لذا كان الصحابة والتابعون يتدافعون الفتوى، فكل منهم يحيل على أخيه الأعلم، وكل منهم ودَّ لو أن أخاه كفاه الفتيا، فقال محمد بن سيرين: (إن هذا العلم دين فلينظر أحدكم ممن يأخذ دينه) . وعلى ذلك، يقول الحمادي، تتضح مكانة الفتوى وكيف يستفتي طالب الإجابة .
ومن الخطورة بمكان فتاوى الجهاد والقتال في سبيل الله، فمثل هذه الفتاوى لا تؤخذ من أي أحد، ولا تطرح في مساحات ضيقة في أسطر بعض وسائل التواصل الاجتماعي أو وسائل الإعلام، وممن هب ودب، لأن مسائل الجهاد تحتاج إلى علماء مجتهدين، وبُعد نظر واستشارة لأهل الخبرة من العسكريين، والاقتصاديين، والسياسيين وغير ذلك من الفنون كل ذلك يجمع إلى جانب الفتوى، لكي لا يتحول الأمر إلى فوضى وهرج ومرج .

تعدٍ على الشريعة

أورد الواعظ د . سالم بن علي بن أرحمه الشويهي: نماذج فوضى الفتاوى عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومنها فتوى تقول: لا بأسَ بالنظر إلى الجميلات، من أجل التفكر في خلق الله، وأخرى تقول: يجوز للمرأة أن تتولَّى الإمامة في الصلاة على الرجال .
ويشير إلى أن هؤلاء الذين يفتون الناس بهذه الفتاوى هم الذين سمّاهم النبي صلّى الله عليه وسلّم الرؤوس الجهّال في قوله: (إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتّخذ النّاس رؤوساً جهّالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلّوا) .
ويلفت إلى تحذير نبينا صلى الله عليه وسلم من سؤال أهل الجهالة، بل دعا عليهم، فحين بلغه قصةُ الرجل الذي شُج رأسُه في سفر فاحتلم، فسأل الرجل أصحابَه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟! فقالوا: ما نجد لك رخصةً وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (قتَلوه قتَلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا) . هؤلاء غير مأجورين، بل صنيعهم هذا من أكبر الكبائر .
ويشدد على أن مسائل الدين لا تؤخذ من المفكرين، ولا من المثقفين، فضلاً عن غيرهم من الأدباء والصحفيين، وإنما الإفتاء من العلماء، وإذا أُخذت الفتوى من غير أهلها، شاع الباطل وأُلبس لباسَ الحق، ونُسب إلى الدين ما ليس منه .
ويؤكد أن من التعدي على حرمة الشريعة وأحكامها نشر فتاوى شاذة وأقوال ساقطة تثير البلبلة والفتنة وتفتن ضعاف العقول وتظهر الحق في صورة الباطل والباطل في صورة الحق .
وإذا تكلم في العلم غيرُ أهله، ظهرت الفتاوى الشاذة، وحُلِّل الحرام، وتدافق الناس على ارتكاب الآثام، ونسيت وهُجرت أقوالُ أئمة الإسلام .
ويدعو إلى معاقبة الذين يفتون من غير تأهل للفتيا، ولا يقتصر العقاب على أصحاب الفتاوى التحريضية الخاطئة بل يشمل بعض المتعالمين والإعلاميين والممثلين الذين يفتون بلا حياء ولا خشية .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"