جلّ المحللين باتوا يجمعون على أن الشرق الأوسط على قاب قوسين أو أدنى من دخول مرحلة تاريخية جديدة، سيكون لبنان فيها كالعادة البارومتر والمرآة والمُختبر.
السمات الرئيسة لهذه المرحلة:
الانسداد شبه الكامل لأفق تسوية القضية الفلسطينية، بعد أن نجحت حكومة نتنياهو في إجهاض المبادرة الدولية التي كان الرئيس أوباما تقدم بها.
التآكل الكبير لدور إسرائيل في قمرة قيادة النظام (أو بالأحرى اللانظام) الشرق أوسطي، والذي سيكتسي من الآن فصاعداً وبشكل متزايد ألواناً إسلامية فاقعة.
الانحسار الكبير الآخر للنفوذ الأمريكي في المنطقة، الناجم عن تعثّر ثم انهيار مشروع إدارة بوش لتغيير كل خرائط الشرق الأوسط انطلاقاً من العراق، وعجز إدارة أوباما (حتى الآن على الأقل) عن بلورة استراتيجية بديلة.
وأخيراً، بروز قوى إقليمية، على رأسها تركيا وإيران، على مسرح تاريخ الشرق الأوسط مجدداً، وتنافسها لملء فراغ القوة الذي سيتركه انحسار النفوذ الأمريكي. وهذه القوى تطرح نفسها إما بديلاً ل إسرائيل في زعامة المنطقة (إيران) أو على الأقل شريكاً لها (تركيا).
هذه بعض القسمات العامة للمرحلة التي تتمخض هذه الأيام استعداداً للولادة. لكن هذا ليس كل شيء. سيكون في جعبة التاريخ الكثير من المفاجآت، خاصة على الجانب العربي. إذ من غير المتوقع أن يبقى الوضع العربي على حاله، خاصة في مصر، فيما المنطقة تشهد هذه الانقلابات الكبرى. وهذا سيعني، أول ما يعني، إعادة طرح معاهدات التسوية المصرية والأردنية مع إسرائيل على بساط البحث.
لبنان، كما ألمحنا، سيكون السينما المكشوفة التي سيشاهد فيها العالم بعض او حتى كل فصول الدراما الشرق أوسطية الجديدة.
لماذا لبنان؟
لأنه البلد الذي تتكثف فيه كل عوامل الصراع في المنطقة: من القوة الإيرانية المنازعة للقوتين الإسرائيلية والعربية المعتدلة، إلى القوة الإسرائيلية التي حاولت (وستكرر محاولة) منع إيران من التمدد الإقليمي في الهلال الخصيب، مروراً بتركيا في دورها الإقليمي الجديد الذي ستطل منه على لبنان عبر بوابة سوريا ونافذة حلف شمال الأطلسي في جنوب لبنان.
هذا بالطبع من دون أن ننسى الدور الرئيس والتاريخي لسوريا، والنفوذ الأمريكي والفرنسي والبريطاني، وقريباً ربما الروسي حيث يُتوقع أن تتحرك موسكو بقوة هي الأخرى للإفادة من فراغ القوة الأمريكي.
لا أحد بعد في وسعه التكهن كيف ومتى ستنفجر هذه الخلطة الإقليمية- الدولية في بلاد الأرز. لكن السحب التي تتجمع في سماء لبنان منذ العام ،2005 تُشبه كثيراً تلك التي سبقت انهيار نظامين إقليميين سابقين: النظام العثماني غداة الحرب العالمية الأولى، والنظام العربي بعد هزيمتي مصر (1967) والعراق (2003).
النظام المُرشّح الآن للانهيار، أو على الأقل التضعضع، هو النظام الإسرائيلي - الأمريكي الذي أقيم فوق شظايا هزيمة ،1967 والذي لم يجد له من منافس منذ ذلك الحين بفعل انغماس إيران في حربها مع العراق، وإدارة تركيا ظهرها للمنطقة العربية- الإسلامية. هذا بالطبع علاوة على إخراج مصر من حلبة النفوذ الإقليمي.
كل ذلك بدأ يتغيّر الآن، أو حتى ينقلب رأساً على عقب. ومضاعفات هذا الكل ستتجلى قريباً على الساحة اللبنانية، سواء سياسياً أو أمنياً أو عسكرياً.
ولاعجب. فحين يتغيّر الطقس، لايستطيع البارومتر أن يبقى على حاله. عينكم على السينما المفتوحة اللبنانية.