كريستوفر لاثام شولز، (سياسي وصحفي ومخترع أمريكي)، رغم مسيرته الطويلة في الصحافة والسياسة، فقد كان شغوفاً بفكرة الاختراع؛ بعد أن أنهكته الكتابة التقليدية باستخدام الأحبار والأوراق، ابتكر في بادئ الأمر جهازاً من شأنه أن يقوم بالمهمة باستخدام رمز طباعي يدور على ذراع متحركة، وكان هذا الشكل البدائي، هو النموذج الذي دشن لعملية الطباعة حتى ظهور أجهزة الكمبيوتر.. في سجل شولز العديد من الاختراعات؛ أبرزها: تطوير آلة الكتابة، وتصميم لوحة مفاتيح الكتابة التي ما زال يُعمل بها حتى اليوم.
أطلق على كريستوفر لاثام شولز (1819-1890) اسم «أب الآلة الكاتبة». على الرغم من أنه لم يخترعها؛ بل كان له الفضل في تطوير أول آلة تجارية عملية، وهي التي ما تزال إلى اليوم قيد الاستخدام، كما قام بتطوير لوحة المفاتيح لهذه الآلة.
ولد شولز في 14 فبراير/شباط 1819، بالقرب من موريسبورج بنسلفانيا. وأسلافه من جهة والدته يعودون إلى جون وبريسيلا ألدن، أما جده من طرف والده فقد قاد سفينة حربية خلال الحرب الثورية. بينما شارك والده أورين، في حرب عام 1812 وتمت مكافأته؛ نظير هذه الخدمة بهدية عبارة عن قطعة أرض في بنسلفانيا.
في عام 1823، قام أورين بالارتحال إلى بنسلفانيا، حين كان شولز في الرابعة من عمره، ثم قام بتدريب أبنائه الأربعة، وبينهم شولز على تعلم الطابعات.
في عمر ال18، انتقل شولز إلى غرين باي، ويسكونسن؛ للعمل مع أخويه تشارلز وهنري، اللذين كلفا بنشر جريدة تابعة لولاية ويسكونسن ذات الاتجاه الديموقراطي، وبعد ذلك بعامين، وعندما اشترى تشارلز حصة من «ويسكونسن انكويرر» انتقل شولز إلى ماديسون؛ لتولي منصب رئيس تحرير، وفي سن ال21، وبترتيب من شقيقه، انتقل إلى ساوثبورت/ويسكونسن، وأسس صحيفة «ساوثبورت تيليجراف» الأسبوعية. كانت ساوثبورت مدينة جديدة على ساحل بحيرة ميشيجان جنوب ماديسون، (تأسست تحت اسم مدينة كينوشا في عام 1850).
شولز الصحفي
استقر شولز في ساوثبورت، وتزوج من ماري جين ماكيني في عام 1840. عاش هو وعائلته هناك حتى عام 1857. بدأ بنشر مقالاته وانخرط في السياسة، وكان من تأثير ذلك اهتمامه بالإصلاح الاجتماعي، واتخذت صحيفته «التليجراف» موقفاً واضحاً ضد عقوبة الإعدام والحرب، كما قام بدعم وتأييد الحركة المتنامية لحقوق المرأة.
كان شولز شاهد عيان على حادثة قتال عنيف بين عضوين في حكومة الإقليم في ويسكونسن جرت في قاعة مجلس الحكومة، وأسفرت عن موت أحدهما، وقام بتوثيق الحادثة بمقالة له في التليجراف، وتم إعادة نشر المقالة في جميع أنحاء البلاد.
استفاد تشارلز ديكنز من هذه الحكاية في مذكراته الأمريكية كمثال على صنع القانون في الولايات المتحدة.
كان شولز يمتلك إيماناً راسخاً بضرورة الاتصال الجماهيري. شعر أن الناس لا يستطيعون الوصول إلى كامل إمكاناتهم حتى يمكن التقريب بينهم في التفكير. وبالتالي، فلم يتورع عن استخدام أية وسيلة؛ لتحقيق هذا الهدف، ومن ذلك توفير مساحة مجانية في صحيفته لكل معلم في كينوشا بالتعبير سواء بالكتابة المختصرة أو الطويلة.
من الناحية السياسية، كان شولز ديموقراطياً جيداً. وأيد برنامج حزبه، الذي شمل إدانة لمؤيدي مناهضة العبودية، تماشياً مع مبادئ الفكر المحافظ الذي ارتبط بحماية مؤسسة العبودية قبيل الحرب الأهلية الأمريكية التي نشبت عام 1862.
تمت مكافأته بتعيينه مديراً لمكتب البريد المحلي. وفي عام 1848، تم انتخاب شولز لأول مجلس شيوخ لولاية ويسكونسن التي تم قبول ولايتها حديثاً. ثم شغل منصب كاتب المدينة في كينوشا، وعاد إلى ماديسون وهو عضو في مجلس المدينة.
في يناير/كانون الثاني 1853، التقى شولز مع جيمس دينسمور، وهو محرر من أوشكوش، وبينما كان شولز يتمتع بأسلوب معتدل وشاعري، كان دينسمور عدوانياً وصاحب مزاج حاد؛ حيث لم يحصل انسجام بين الرجلين في بداية الأمر، وبعد فترة من النقاش وتبادل الأفكار والآراء السياسية، شكل الاثنان شراكة عمل. وكان أول تعاون بينهما تأسيس
(كينوشا ديلي تلجراف) التي قامت بتوظيف خدمات الأخبار البرقية من وكالة «أسوشيتيد برس»، وحصل الرجلان على محتوى كاف؛ لملء ورقة كاملة في كل يوم. في السنة الأولى من نشرها، أخضع شولز المؤسسة لبعض التغييرات، ومن بينها دعمه لعمل مؤيدي إلغاء عقوبة الإعدام، ودعم مرشح الكونجرس للحزب الجمهوري المشكل حديثاً.
سافر شولز إلى كانساس؛ حيث اندلع صراع شديد بعد أن أقر كونجرس الولايات المتحدة قانون كانساس- نبراسكا، والذي تم بموجبه منح سكان المناطق الجديدة حق التصويت في مسألة العبودية، وهو القانون الذي صدر في عام 1854 وصاغه السيناتور الديمقراطي ستيفن أ. دوغلاس من إلينوي والرئيس فرانكلين بيرس. كان الغرض منه هو فتح آلاف المزارع الجديدة، وجعل خط سكة الحديد العابر للقارات عبر الغرب الأوسط ممكناً. أدى بند السيادة الشعبية في القانون إلى تدفق العناصر المؤيدة والمناهضة للعبودية إلى كانساس؛ بهدف التصويت أو الرفض، كان الهدف من القانون، الخشية من توسيع العبودية.
عاد شولز مرة أخرى إلى ولاية ويسكونسن ومارس الصحافة وهذه المرة، كان يعمل في الصحف الجمهورية؛ من بينها «ميلووكي». وقد قام بزيارة إلى جنود ويسكونسن في جيش اتحاد بوتوماك خلال الحرب الأهلية. كما قام بتمثيل ودعم حاكم ولاية ويسكونسن، على نفقته الشخصية، وقد دعم الحزب الجمهوري والرئيس أبراهام لنكولن طوال الحرب. ومكافأة له تم منحه منصباً فيديرالياً؛ حيث كان يعمل جامعاً للجمارك في ميناء ميلووكي في عام 1863.
المخترع شولز
على الرغم من مسيرته الطويلة في الصحافة والسياسة، فقد كان شغوفاً بفكرة الاختراع، فعمله في الصحافة وإسهامه في الكتابة في العديد من الصحف أنهكه كثيراً وهو يستخدم الوسيلة التقليدية (الأحبار والأوراق). ابتكر جهازاً من شأنه أن يقوم بالمهمة باستخدام رمز طباعي يدور على ذراع متحركة، وكان هذا الشكل البدائي هو النموذج الذي دشن لعملية الطباعة حتى ظهور أجهزة الكمبيوتر، كان شولز يقضي ساعات طويلة في ورشة ميكانيكية في ميلووكي، تعد ملتقى للمخترعين الهواة، عمل على طابعة خاصة طور من خلالها جهازاً يقوم بترقيم تذاكر السكك الحديدية ومستلزمات البنوك.
حاول شولز تكييف هذا الجهاز؛ ليقوم بترقيم الكتب تلقائياً، بمساعدة مخترع آخر في الورشة واسمه كارلوس غليدين؛ ونظراً لاهتمام شولز بتطوير جهاز لترقيم الصفحات، بدأ الاثنان يعملان على آلة طباعة خاصة بهما.
انجذب شولز لفكرة آلة كاتبة من شأنها مساعدة الناس على التواصل بشكل جيد، وقد كان الكثير من آلات الطباعة قد تم ابتكارها من قبل، فمثلاً قام وليام بيرت بتطوير أول آلة طباعة في عام 1830، ونحو أكثر من 50 مخترعاً قاموا باختراع أو إعادة اختراع آلات قبل أن يبدأ شولز العمل على آلته في عام 1867.
كان تصميم الطابعة في مجلة «ساينتفيك أمريكان» قد ألهم شولز، غير أنه عدل عن الفكرة؛ نظراً لكونها معقدة، كان التصميم يتطلب لوحاً «صفيحة» تصب عليها جميع الحروف، وكان يجب أن تعدل الصفيحة؛ لوضع الحرف المطلوب في موضعه، بينما تقوم آلة «مدقة» بضغط الورق على الصفيحة «اللوح».
استغرق شولز نحو أسبوع وهو يفكر في النموذج الذي يحدد من خلاله الفرضية الأساسية للآلة التي يود ابتكارها (يمكن نقش حرف طباعي واحد على صفيحة معدنية لتضغط على لوح زجاجي، أنجز شولز النموذج الأول بمساعدة غليدين وصامويل سول وهو الرسام والمهندس المدني)..وكان هذا التصميم نموذجاً أولياً لتصميم الآلات الكاتبة.
أول آلة كاتبة
شكل الفريق الثلاثي (شولز، غليدين، صامويل) مجموعة للعمل على آلة كاملة. بعد الكثير من التجربة والخطأ، تم تجهيز نموذج أولي عملي بحلول خريف عام 1867. تطلب التصميم وضع الورق بين الحرف والشريط المحبر؛ بحيث يمكن استخدام ورق المناديل فقط.
وبعد أن قام الثلاثة ببيع هذا التصميم، حاولوا جمع قدر كافٍ من المال لإنتاج كميات كافية من آلة الكتابة، وقام شولز بطباعة رسالة إلى شريكه القديم دينسمور، الذي كان مدركاً لأهمية الاختراع الذي أنجز، فقام بشراء الآلات، وبدأ بعملية الترويج لها.
اقترح دينسمور أن يقوم شولز إلى جانب شريكيه بتقديم تصميم مبسط للآلة الكاتبة، ويكون بكُلفة أقل؛ ليتمكن من تسويقه.
كان دينسمور قد أنفق نحو 1000 دولار على عدد قليل من الآلات، قبل أن يقرر أن ذلك ليس مجدياً، كان التصور العام للآلة يعد جيداً كما وصفه دينسمور، غير أن تنفيذه من قبل سول كان خاطئاً، قرر دينسمور تكرار المحاولة، ولكن هذه المرة من قبل شولز لوحده، طالب دينسمور بأن تكون الآلة قادرة على استيعاب الورق السميك والأعلى جودة، وهذا، قاد شولز لتنفيذ تصميم طور من خلاله حاملة أسطوانية متحركة؛ لتثبت الورق وشريط الحبر الذي جعله في موقع بين الحرف والورقة.
حافظ شولز على مفهومه الأصلي في الطباعة التي كانت تتم تصاعدياً، وكانت هناك فائدة كبيرة تمكن المشغل أو الطابع من رؤية الحرف دون تأخير.
وفاته
غلف الغموض السنوات الأخيرة لحياة شولز؛ حيث توفي في 17 فبراير/شباط 1890 وكان سريره مزدحماً بنماذج من الاختراعات التي لم ير أي واحد منها النور، ولأنه لم يرتبط اسمه بالمنتجين والمصنعين، فقد تم نسيانه لفترة من الوقت؛ لكنه مع تطور البحث والكشف عن الكثير من الحقائق، برز اسماً خالداً كمطور فعلي للآلة الكاتبة، ولوحة المفاتيح التي نستخدمها إلى اليوم؛ حيث الأحرف الستة في الجزء العلوي الأيسر من لوحة المفاتيح.
أساطير لوحة المفاتيح
هناك الكثير من الأساطير حول تصاميم لوحات مفاتيح الآلة الكاتبة، انتهاء بتصميم شولز الذي قدم نموذجاً أولياً أتبعه بتصميم ثانٍ، حاول من خلاله التخلص من ازدحام الحروف، ففصل بينها، وهذا حد من الاصطدامات المحتملة بين أشرطة الكتابة، الذي كان يعيق سرعة الطباعة.
في نهاية المطاف، اشترت شركة ريمنغتن التصميم وطورته من قبل مهندسيها، وهو الذي لا يزال مستخدماً في جميع لوحات المفاتيح الرقمية في معظم البلدان الناطقة باللغة الإنجليزية اليوم.
كان تصميم شولز للوحة المفاتيح صالحاً في كل الدول التي تستخدم الأبجدية الرومانية، مع مرور الوقت، تطورت الآلات الكاتبة من الناحية التكنولوجية. تم استكمال الجوانب الميكانيكية أولاً بالمساعدة الكهربائية وأخيراً بالأجهزة الإلكترونية.