لا خلاف على أن الثقافة، في الوضع العربي المتعثر الراهن، تمثل المحور الأساسي للعمل العربي المشترك . ومنذ سنين والكتابات الثقافية العربية تنبّه إلى أن مؤشر الأحداث المتتابعة والمتراكمة يتجه نحو هذا المحور .
وكان كاتب هذه السطور قد حاول في مناسبات عدة منذ ذلك الوقت الإشارة إلى أن الثقافة أصبحت بمثابة خندق الدفاع الأخير عن الوجود العربي المهدد من كل جانب .
كل هذا صحيح، من الناحية المبدئية والنظرية وقد تزايدت الدعوات مؤخراً إلى عقد مؤتمر قمة ثقافية عربية لتدارك هذا الأمر كان من آخرها وأقواها في تقديري المقالة القيّمة للدكتور مصطفى الفقي (19/1/2010م) بل أن من أصحاب القرار العربي الجادين والمتابعين من يذهب إلى أن توجهات الأحداث والتيارات العالمية الجديدة في المنطقة والعالم تدفع بأن تتحول جامعة الدول العربية برمتها، وأن تعاد هيكلتها إن شئنا الحفاظ عليها، بحيث تصبح يونسكو عربية تهتم بما يربط بين العرب أساساً من تراث وثقافة ولغة وروابط حضارية مشتركة، بعد أن توزعت السياسة والاقتصاد أيدي سبأ بين تجاذبات ما سمي بمشروع الشرق الأوسط الكبير بوجود إيران وتركيا وإسرائيل وظهور التكتلات الإقليمية العربية المتعددة - المنجذبة إلى ما يجاورها من كتل عالمية ضخمة كأوروبا في حالة الاتحاد المغاربي وإفريقيا في حالة المستجدات الليبية وآسيا الشرقية في حالة التعاون الخليجي .
وكنت، ومازلت، قوي الاعتقاد أن مصر كبلد قيادي رائد، عربياً، قد لا تستطيع منافسة دول آسيا الشرقية بمنتوجها الصناعي في الأسواق العربية، ولكن أياً من تلك الدول، لا تستطيع، بالقطع، منافسة مصر ثقافياً في وطنها العربي .
وبلا ريب، فهذه دعوة جذرية ذات توجّه نوعي وتحتاج إلى تمعن متحفظ قد لا يسمح به ضغط الأحداث المتسارعة في المنطقة العربية التي تستوجب العمل السياسي المشترك، وكلنا في هذا الموضع نريد أن نتوقف للنظر آنياً في دعوات إلى قمة ثقافية عربية، كالقمة الاقتصادية العربية المتخصصة التي عقدت قبل عام بدولة الكويت والتي كان مقرراً أن تعقد بعد عامين بمصر والتي، بالمناسبة لم يتم الوفاء بالالتزامات المقررة لمشروعاتها الاستثمارية المدروسة، فهل القمة الثقافية العربية يمكن أن تكون مجدية، وما هي السبل المؤدية إلى تحقيق جدواها، إن كانت مجدية؟
وبأمانة وصراحة، فإذا كانت قمة ثقافية عربية ستعقد استجابة فقط لضغط المطالبات وستصدر من القرارات الرنانة في الهواء ما يثلج صدور المثقفين والمتأثرين بهم من الجماهير، ثم ستبقى كغيرها من بيانات القمم العربية بدءاً من الدفاع المشترك، وانتهاءً بالسوق الاقتصادية العربية حبراً على ورق، فالأفضل والأكرم للقادة العرب أنفسهم، وللعرب جميعاً، ولمثقفيهم خاصة، ألا تعقد، لأن عقدها، ثم الاكتفاء بالكلام الفارغ، سيمثل إهانة واستخفافاً بكل المشاركين فيها، وبمن تتوجه إليهم بالخطاب وهم يُقدّرون بمئات الملايين، وستولد من الحسرات أكثر مما ستحقق من الانجازات . . هذا إن حققت .
وفي تقديري المتواضع، فإن التركيز على هدف محدد واحد، والعمل على تحقيقه، أجدى من التصدي لكبريات الأمور التي ضيع العرب أعمارهم من أجلها فلم يحققوا منها شيئاً، فعادوا اليوم بخفي حنين .
وكمثال محدد، فإن اللغة العربية التي هي أساس الثقافة العربية والوجدان القومي العربي، والعامل الجامع بين العرب، والفاصل بينهم وبين غيرهم، تعاني اليوم كلغة أم إهمالاً على ألسنة الناطقين بها، يصل إلى درجة الانتحار الجماعي . فماذا نحن فاعلون بهذا الشأن المصيري؟ وهل لدى القمة الثقافية العربية من الاستعداد الجدي للنظر في هذا الأمر الخطير؟
ماذا لدى القادة العرب، ونحن واثقون من صدق نواياهم الطيبة، لنجدة لغتهم الأم، اللغة العربية، وهم يسمعون أبناءهم وأحفادهم، بتأثير المربيات الأجنبيات، يتحدثون بلغات أخرى، ولا يعرفون من العربية شيئاً، إن لم يحتقروها؟! وماذا ستكون لغتهم وثقافتهم عندما يكبرون؟
ولسنا ضد تعلم أية لغة، بل ندعو إلى ذلك، ولكن تعلّم أية لغة أخرى له وقته من عمر الطفل وأسلوبه المناسب وشروطه التربوية اللازمة .
ولكن أن يفقد أطفالنا لغتهم الأم في سن الطفولة المبكرة ويرطنوا بلغات أخرى غريبة، فإلى أين نتجه؟ وماذا ننوي عمله، وكيف يمكن أن تنجدنا وتنقذنا قمة ثقافية عربية؟
إن هذا الأمر، فقدان الأطفال العرب للغتهم الأم، لا يقتصر على أبناء وأحفاد القادة العرب وحدهم . بل إن نخباً عربية عدة، تملأ الهواء بالحديث عن العروبة ونسلها يفقد لغته العربية الأم، والآلاف من شباب وشابات العرب يتخرجون من الجامعات بأرقى الشهادات في أحدث العلوم وهم لا يحسنون كتابة رسالة قصيرة بالعربية التي علينا أن نعترف، بأننا أيضاً لم نحسن تعليمهم إياها .
وللإنصاف، فإن المرء يندهش كيف أن بلداناً لا يزيد عديدها على ملايين قليلة قررت ونفذت تعليم الطب والعلوم في جامعاتها بلغاتها القومية، بينما يصر بعض الأساتذة العرب على تدريس هذه المواد بلغات أجنبية، ويقاومون التعريب رغم القرار السياسي في بلدانهم بذلك، الأمر الذي يدل على أن التقصير هو مسؤوليتنا أيضاً وليس مسؤولية القادة العرب، وحدهم .
إنني أرى، على سبيل المثال، أن مشروعات دعم اللغة العربية التي يمولها الأمير سلطان بن عبدالعزيز، ولي العهد السعودي، كالمعهد الدبلوماسي بموسكو، وفي اليونسكو بباريس، وقبلهما دعمه لإصدار الموسوعة العربية العالمية، في حوالي ثلاثين جزءاً، والتي عجز العرب مجتمعين عن إصدار مثلها، من المبادرات التي تفيد اللغة العربية، أكثر من الحديث عنها، فهل في جدول أعمال أية قمة ثقافية مثل ذلك؟
لن تنجح أية قمة ثقافية عربية إذا ظلت في مجال التعميم الثقافي وعلى صعيد كبريات المسائل .
بل لابد من الاهتمام بقضايا محددة كإنقاذ اللغة العربية أو عمل شيء عملي مفيد نحو ذلك .
ولابد من تكليف المؤسسات الثقافية العربية المختصة التي أمضى خبراؤها السنوات وهم يبحثون في محاذير الوضع الثقافي العربي، إن كانت النية منعقدة نحو قمة ثقافية عربية، ولابد من توجيه هذه المؤسسات الثقافية العربية من أعلى المستويات لتتعاون فيما بينها، إعداداً عملياً نافعاً للقمة المرتقبة، بدل التنافس المميت فيما بينها ومحاولة الإيهام بأن الثقافة العربية لم تبدأ إلا بها .
ولدينا في الوطن العربي من المؤسسات الثقافية القديرة التي يمكن الاعتماد عليها في الإعداد والتحضير للقمة العتيدة ما يمكن أن يساعد على نجاح هذه القمة . فمؤسسة الفكر العربي، مثلاً برئاسة الأمير النشط خالد الفيصل وقد أيدت عقد قمة ثقافية تقوم بجهود لافتة ومقدّرة لدراسة الوضع الثقافي العربي موضوعياً .
ولابد من إدراك آليات النهوض الثقافي الطبيعي، بعيداً عن القمم . إن الوعي السياسي القومي العربي لم يشتد عوده في الخمسينيات إلا بعد أن شهد الوطن العربي نهضة ثقافية ساهم فيها مثقفون كبار لم يكن أكثرهم محسوباً على الاتجاه القومي، مثل طه حسين والعقاد والحكيم وأحمد أمين وساطع الحصري والزهاوي والرصافي وإبراهيم العرّيض وجبران ونعيمة وأمين الريحاني، إذا شئنا الاقتصار على بعضهم، وكذلك مجلات رائدة كالرسالة التي كانت تصدر في القاهرة وتُقرأ في بيروت ودمشق وبغداد والبحرين وجدة والكويت برئاسة محررها الفذ أحمد حسن الزيات . . بين تفاعلات ثقافية عربية أخرى لا يقلل من شأنها عدم ذكرنا إياها .
وختاماً فإن النوايا الطيبة وحدها لا تفيد في أي شيء، ولابد من الشروع في العمل، وكما
يقول المثل فإن النوايا الطيبة أقرب طريق إلى جهنم . . وأظن أن أحداً منا غير متعجل للذهاب إلى هناك .
مفكر من البحرين
www .dr-mohamed-alansari .com