د. خليل حسين *
لم يعد الوضع الاقتصادي في لبنان وضعاً اعتيادياً، بل تجاوز مرحلة المخاطر ليلامس الخطر الوجودي، ففي لبنان أرقام مهولة مقارنة بموارد لبنان المتواضعة جداً، وهي تنذر بمسارات لا خيار للبنان إلا المضي فيها، ولو مكرهاً، وفي طليعتها الخضوع لشروط صندوق النقد الدولي التي يعتبرها البعض مخدراً قبل إطلا ق رصاصة الرحمة.
ففي لبنان فإن الأرقام بحد ذاتها مشكلة، ولا يعرف ببعضها إلا الراسخون في الفساد، فالنمو وصل إلى حدود الصفر، أما الانكماش فمن المتوقع أن يصل إلى 3 في المئة عام 2020. فمئات المؤسسات أقفلت، وعشرات الآلاف من العمال باتوا عاطلين عن العمل، وحيث وصلت البطالة إلى الخمسين في المئة.
وعلاوة على العجز الكبير في الميزان التجاري. فلبنان يستورد عملياً بقيمة 20 مليار دولار، ويصدر بقيمة 3 مليارات دولار، أي أن العجز يصل في ميزان المدفوعات إلى 17 ملياراً، وبالتالي، يحتاج إلى تأمينها لتغطية حاجاته من السلع. إنه واقع متردٍّ نتاج سياسات اقتصادية سيئة منذ عقود.
ويحاول لبنان اليوم البحث عن مخارج لأزمته القاتلة، وسط مشاريع حلول، من بينها اللجوء إلى صندوق النقد الدولي الذي أصدر تقريراً سيئاً جداً عن وضعه في 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2019، وغريب المفارقات أنه تزامن مع انطلاق الحراك آنذاك. وأبرز ما جاء فيه سلسلة إجراءات هي بطبيعتها ليست شعبية، وقاسيةن وعادة ما تشعل انتفاضات شعبية ضد أي سلطة يمكن أن تلجأ إليها. وهي بالمناسبة ليست المرة الأولى التي يصدر فيها الصندوق مثل تلك الأرقام والقرارات التي تخص لبنان.
ولبنان يرزح تحت عبء دين لا أحد يعرف حجمه بدقة، إذ ثمة أربعة أرقام مختلفة، وعليه ما مجموعه 27 استحقاقاً خلال هذا العام أقربها في التاسع من مارس/ آذار القادم، وقيمته 1.2 مليار دولار، فيما لا يسمح احتياط المصرف المركزي التصرف إلا على حساب موجودات لتغطية احتياجات أساسية من غذاء، وطاقة، وغيرهما، وأمام هذا الواقع أجرى صندوق النقد الدولي اجتماعات مع المسؤولين اللبنانيين والذي كانت مواقفه ونصائحه معروفة سلفاً.
وعادة ما تلجأ الدول إلى الصندوق في محاولة لتجاوز أزماتها المالية، ولبنان من بينها، وهي عبر وسيلتين رئيسيتين، وغالباً ما تصب في النهاية في خيار واحد، الاستدانة، والخضوع للشروط القاسية. فإما أن يتم أولاً اللجوء إلى مشورة الصندوق والبنك الدولي حول تقديم استشارات وهي معروفة سلفاً، ويكون هنا الدور إشرافياً، وإما أن يتم اللجوء إلى الاستدانة، وعادة ما يقدم بين الثلاثة والأربعة مليارات دولارات مقابل البدء بإجراءات غير شعبية، من بينها تخفيض سعر العملة الوطنية، وتركها للعرض والطلب، ورفع الدعم عن السلع الأساسية المتعلقة بالغذاء والطاقة وترشيد الإنفاق، عبر الحد من حجم موظفي القطاع العام، وإنقاص التقديمات الاجتماعية والصحية، أي بمعنى آخر، التدخل المباشر في رسم السياسات العامة المالية للدولة، والتدخل المباشر في تقييم حجم الضرائب والرسوم التي ينبغي للدولة استيفاؤها، إضافة إلى حدود الإنفاق الذي ينبغي أن يكون في أدنى مستوياته عملياً.
يتخوف البعض في لبنان اليوم من هذه الإجراءات استناداً إلى تجارب سابقة قامت بها قبرص 2012 واليونان 2015 ومصر 2017، وغيرها من دول أمريكا اللاتينية، وأغلبها كانت بنتائجها غير مشجعة، وأدت إلى اضطرابات شعبية وتهديد السلم الاجتماعي في تلك الدول.
لبنان اليوم أمام مفترق خطير، وليس أمامه خيارات مريحة، أحلاها مُر، ويبدو أنه متجه إلى الطلب لإعادة جدولة ديونه، بمعنى تأجيل المشكلة إلى آجال لاحقة، أملاً باجتراح معجزات من الصعب أن تتحقق في ظل مصاعب مالية واقتصادية هائلة، من بينها أزمة المصارف، وانهيار الثقة التي تعتبر مدخلا لتحريك العجلة الاقتصادية. والخوف، كل الخوف أن يستمر الضغط على الوضعين الاقتصادي والمالي، وهو أمر ينذر بعواقب وارتدادات وخيمة، أقلها زعزعة السلم الاجتماعي البارد الذي يرزح شعب لبنان تحته منذ عقود طويلة.
* رئيس قسم العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية