التهويد خوفاً من الأسلمة

أفق آخر
04:08 صباحا
قراءة 3 دقائق

في ذروة الحملة الصهيونية للتهويد بدءاً من القدس وليس انتهاء بها، تنشر الصحف ووسائل الإعلام الصهيونية تحذيرات ومواعظ للشباب اليهود خشية اعتناق الإسلام، وما سمي ذات يوم صلاح الدين سادروم أو عقدة صلاح الدين الأيوبي لدى اليهود، يوازيه الآن ما يمكن تسميته عقدة أوري ديواس، وهو البروفيسور اليهودي الذي أعلن إسلامه، وطاف أوروبا فاضحاً الصهيونية وبرامجها في الاستيطان والإبادة، وما ينشر على الفيس بوك أو يديعوت احرونوت هذه الأيام هو تعبير عن فوبيا بدأت تتنامى في الذاكرة اليهودية، ولابد من مقاربات سايكولوجية أعمق من التحليل الصحافي العابر لهذه الظاهرة كي يفهم العالم لماذا تسرف الدوائر الصهيونية الآن في دعاوى التهويد والعبرنة؟

فهي خائفة وحذرة، رغم مزاعم القوة واستعراض العضلات سواء كانت سياسية أو عسكرية أو إعلامية، وينطبق على ممارساتها ما يقال عن المريب، الذي تفضحه انفعالاته وتوتره عندما يتقمص دوراً ليس له.

ولم يكن البروفيسور أوري اليهودي الأخير الذي ضاق صدره واختنق بتعاليم القتل، فقد سبقه آخرون، وسوف يتبعه آخرون أيضاً، لأن الأقنعة تساقطت تباعاً عن الوجه القبيح والنواجذ التي طالما عبرت عن ابتسامة صفراء اتضح للعالم أنها أنياب تقطر دماً، ومسألة الخوف وثقافة الحذر والاحتراز في الأوساط الصهيونية ليست جديدة أو طارئة، فقد عبرت عنها بوضوح يائيل دايان ابنة الجنرال موشي دايان قبل عقود في رواية فاضحة عنوانها طوبى للخائفين، وكان الكاتب الراحل أحمد بهاء الدين أول من قدمها في العربية ضمن فصول من كتاب عنوانه إسرائيليات.

والمفارقة هي أن الافراط في التهويد هو نتاج خوف مباشر من الأسلمة، فالجيل اليهودي الراهن لم يعد يثق بالبوصلة الصهيونية وثمة مؤشرات عديدة تدل على مدى قلقه وفقدانه للهدف وأزمته الأخلاقية منها ارتفاع نسبة الانتحار، وعدد الهاربين من الخدمة العسكرية الاجبارية، إضافة إلى ما يطرحه اليهود الشرقيون أو السفارديم من قضايا تتعلق بالاضطهاد وبالنظرة العرقية المتعالية التي يمارسها اليهود الغربيون أو الاشكيناز. وليس صحيحاً الادعاء بأن العرب عندما يقدمون استقراءات للواقع الصهيوني انما يمارسون إسقاطاً سياسياً أو يفكرون بشكل رغائبي، يلبي أحلامهم، فما يكتب وينشر داخل الدولة العبرية وفي الخارج أيضاً، لا يمكن التعامل معه على انه أعراض جانبية عابرة، والتجارب الاسبارطية بدءاً من الموشاف والكيبوتس حتى المستوطنات انتهت إلى فشل ذريع، وهناك ندوات تعقد بتعاقب في الجامعة العبرية وغيرها من المعاهد لتشخيص الأمراض النفسية التي تعاني منها هذه المعسكرات، التي لا تختلف جذرياً عن معسكرات الاعتقال، بذريعة اسمها تنمية العقيدة العسكرية لجيش الدفاع، وقد قال مجندون هاربون من الثكنات إن الحياة تصبح مستحيلة إذا اختزلت إلى خوذة وبندقية وتابوت، وتكرر ذلك عدة مرات بدءاً من اجتياح لبنان عام 1982 مروراً بالعدوان الشامل عام 2006 وانتهاء بالحرب على غزة، وحين نقرأ يوميات الجنود أو نماذج من قصصهم فإن ما سماه ذات يوم كاتب عربي الأحزان الموضعية في الدولة العبرية بدأ يتحول إلى أوجاع شاملة، والخوف من الأسلمة ليس ايديولوجياً أو وقائياً فقط، إن سببه الفراغ النفسي الذي يعيشه اليهود، خصوصاً من هجروا إلى فلسطين خلال العقدين الأخيرين، فما صور لهم على أنه الفردوس الموعود تحول إلى جحيم، أما الفردوس الحقيقي والمفقود بالنسبة إليهم فهو المكان الذي ولدوا فيه وعاشوا تحت سمائه، والنموذج الأوضح لهؤلاء هم اليهود الروس الذين يطلق عليهم اسم ما بعد البيروسترويكا.

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"