قد يكون المسموح به في واقع عربي ملغوم كالذي نموته اكثر مما نعيشه هو ربع الحقيقة فقط، وهو أقل بكل المقاييس من ذلك الجزء الناتئ من جبل الجليد الغاطس في المحيط، ولأن الحقائق لا تقبل التجزئة أو القسمة بحيث تتحول إلى كسور عشرية، فإن المسكوت عنه هو أضعاف المسموح به، وفي هذه المساحة المظلمة تتناسل أشباح وتتراكم مكبوتات من مختلف محاصيل الشقاء، جسدياً ونفسياً وإثنياً، ولا يتضح هذا كله إلا بعد فوات الأوان، عندما يصبح الاستدراك متعذراً.
إن أرباع الحقائق هي المعادل الفكري والمفاهيمي لأرباع الأوطان وأرباع المواقف، لهذا يصعب على المراقب مهما كان حصيفاً أن يمسك بهذا الزئبق، لأن التواطؤ يوفر فرصة للهرب، وبالتالي للتورط في تناقضات حاسمة.
والمسألة لا تختزل فقط في حرية التعبير أو في القوانين المتصلة بها، لأن الرقيب ذاتي بامتياز، ولأن من تربوا طيلة أعمارهم على كظم الغيظ، واستبدال الديالوج بالمونولوج، يصابون بالعمى الجزئي أو الكلي، وقد تصبح الحبة بالنسبة إليهم قبة كما يقال، والعكس صحيح ايضاً بحيث يصبح بالإمكان إدخال الجمال والجبال معاً من ثقب إبرة.
إن ما تنامى وتراكم طوال قرون في الذاكرة واللاوعي ليس سهلاً محوه أو اذابته في أسابيع أو أعوام، لأن الكبت المزمن يفرز أنماط تفكير وعادات ذهنية تترسخ بمرور الوقت وتوشك الطبيعة الانسانية أن تتحول إلى طبيعة مضادة لفرط الإذعان والتأقلم.
من بوسعه الآن أن ينكر أن الفوضى المدمرة التي بعثرت أحشاء متاحف وأيقظت الأفاعي من سباتها في العراق وغير العراق ليست من نتاج المكبوت التعبيري؟ وهل كان المشهد سينتهي إلى ما هو عليه لو أن هذه الشعوب عبّرت عن هواجسها بشكل صحي؟
إن الاستخفاف بهذا البعد التربوي بقدر ما هو سياسي قد يضاعف من الكوارث التي تنتظرنا، وهنا لا نتحدث عن درهم الوقاية وقناطير العلاج فقط، بل عن ثقافة تهرب من نقد ذاتها ومن فحص مكوناتها، فالسياسي هو في النهاية حصيلة مقدمات وديناميات ومفاعيل تربوية ومعرفية وسايكولوجية، لهذا فإن كل وصفة علاجية لمعضلة سياسية قد تكون عديمة الجدوى إذا لم تبدأ من أول السطر، أي من مبتدأ تلك الجملة التي تتكثف فيها مكونات الفرد، ووعيه، وفكرته عن نفسه والآخرين.
وقد تنفرد الحقيقة عن كل شيء عداها بأن لها ربعاً خامساً، مهجوراً ومحذوفاً من محيطها، هو فائضها التربوي الذي نسميه دروس اعتبار، فكيف نعيش إذن بربع واحد للحقيقة ورُبْعٍ واحد للإنسان؟