عادي
كتاب جديد عن منشورات القاسمي

حضرموت.. رحلة في بلاد الأسرار

02:58 صباحا
قراءة 4 دقائق
الشارقة: علاء الدين محمود

إلى جانب توفره على قدر كبير من المتعة والتشويق النابعين من طبيعته كفن يصور ويلتقط الوقائع، فإن أدب الرحلات، يحتوي كذلك على قدر كبير من المعارف التي تصلح لأن تكون مادة توثيقية وتاريخية مهمة، فقد اعتبر هذا الضرب من الأدب من المصادر التاريخية والجغرافية والاجتماعية، وذلك لأن الكاتب في رحلته يعمل على التوثيق ونقل الوقائع الاجتماعية، وجغرافية المكان بدقة متناهية.
في العصر الحديث رافق هذا الشكل الأدبي الصورة وتقنية الفيديو، بل إن بعض المجموعات الشبابية تقوم بنقل تفاصيل رحلتها حية عبر تقنية البث المباشر على «الفيسبوك» و«انستجرام»، وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي، فقد صارت هذه التقنيات تشارك في عملية الوصف وسرد الأحداث والتصوير المشهدي، التي تشكل قوام المعلومات والحقائق التي يحصل عليها الأديب أو المسافر.
هنالك الكثير من الروايات والقصص، والقصائد الشعرية، مستقاة بشكل كبير من الرحلات والتجوال في الأماكن التي يقصدها صاحب الرحلة، ويعج التراث العربي القديم بمثل هذا النوع من الأدب ومن ذلك رحلة ابن بطوطة، كما يتخذ أشكالا وضروبا متنوعة كما هو في الأدب الشعبي ورحلة «السندباد البحري»، وفي الأدب المتخيل «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري و«حي بن يقظان» لابن طفيل، والملاحم العربية مثل «سيرة أبو زيد الهلالي»، فالرحلة قد تجري في الزمان والمكان، وقد تكون خيالية أو نفسية، غير أنها تحمل ذات الملامح، وهناك الكثير من الأدباء الرحالة الغربيين الذين سجلوا زيارات إلى الشرق وأرض العرب تحديدا، وقاموا بتأليف كتب تحتوي على تفاصيل تلك الرحلات بأسلوب شائق ومعلومات وفيرة، على نحو «رحلة إلى فلسطين» لنيكوس كازانيتزاكيس.
وفي الإمارات يشهد هذا الأدب اهتماما كبيرا من قبل الكثير من الشباب الذين عملوا على توظيف الرحلات الثقافية في السرد التاريخي، وأنتجوا بعض الأعمال الأدبية المستقاة من رحلاتهم تلك، واليوم ينظر لهذا الأدب كواحد من الإبداعات الإنسانية الرفيعة التي تسهم في تعارف شعوب العالم على بعضها.
في رحلة مملوءة بجماليات الوصف والمعلومات الغزيرة، يضعنا كتاب «رحلات إلى جنوب البلاد العربية وبلاد المهرة وحضرموت»، الصادر عن «منشورات القاسمي» 2018، للكاتب الألماني لييَو هيرش، ترجمة عبد الكريم الجلاصي، في تفاصيل الرحلة الممتعة لبلاد اليمن، التي كانت نقطة بداياتها لحظة النفاذ إلى حضرموت، والتي يصفها المؤلف ب«المحفوفة بالأسرار»، إذ ظل الذهاب إلى تلك البقعة من العالم يشكل شغفا وهاجسا له في ذات الوقت، وبعد برهة من التردد حسم الكاتب أمره بالتوجه إلى عدن من أجل إنجاز مشروعه الذي حلم به، وهو الكتابة عن حضرموت، محاولا قدر الإمكان تفادي الأخطاء التي وصفها بالكبيرة، والتي صاحبت كتاب «رحلة إلى حضرموت»، لأدلوف فون فريده، وهو المؤلف الذي كان مصدر إلهام، رغم الهنات التي أرجعها هيرش إلى عدم معرفة فريده باللغة العربية، ما أدى إلى أخطاء وهفوات في الأسماء والأرقام وبعض الوصف للمناطق الجغرافية، وهذا أفاد هيرش في الرصد الدقيق للأسماء ودلالاتها، والتصوير المشهدي الرائع للوقائع، وتناول السمات التي يتميز بها العرب هناك، من الأخلاق الحميدة والكرم والخصال الجيدة التي يتمتعون بها، وبذل المؤلف جهدا كبيرا حتى في رصد الظواهر الطبيعية والمناخية، مثل الرياح ومواسمها، وارتفاع درجات الحرارة في الصيف، ونزول الندى على أوراق الأشجار، ووصف النباتات، وكذلك العملات النقدية المستخدمة، وأسماء القبائل العربية، ودلالات أسماء المناطق الجغرافية، وسرد لمجمل تاريخ المنطقة والملوك والحضارات التي سادت، وتاريخ نشوء مدن حضرموت التي زارها، ليجمع بين ضفتي الكتاب معلومات وافرة ورحلة مثيرة تحفل بالمتعة وجماليات السرد.
يضم الكتاب عدداً من الفصول التي تشير إلى تجوال هيرش داخل حضرموت وهي: «السفر إلى الشحر»، و«الشحر»، و«الطريق إلى سيحوت»، و«سيحوت2»، و«إلى قشن والمكلا»، و«مكلا»، «إلى عدن والعودة إلى مكلا»، و«الطريق إلى هجرين»، و«من هجرين إلى شبام»، و«شبام إلى سيئون وتريم، والعودة إلى شبام»، و«من شبام إلى مكلا عبر وادي بن علي ووادي أديم وعلى جبال فقرا»، ثم يتوج تلك الرحلة التي عبرت سفوحا وأودية وجبالا، بخاتمة تحكي تفاصيل مرحلة ما قبل العودة للوطن، ثم يضع ملاحق تحتوي على وثائق تاريخية متعلقة بالرحلة.
وإضافة إلى كتاب «فريده» المشار إليه، فقد استند المؤلف في معارفه باليمن وحضرموت على وجه التحديد إلى العديد من المؤلفات الغربية ليذهب إلى هناك ويصنع مؤلفه الخاص، ومن تلك الكتب: «حضرموت والمستعمرات العربية في الأرخبيل الهندي» للألماني ل. دابليو سي. فان دن بيرج.
وربما كان المحرك الأساسي لتقصي أخبار حضرموت وزيارتها لدى المؤلف، كونها من نقاط العالم الساحرة والمجهولة، فنشأت حولها الكثير من الأساطير، وقد استند في معرفته الأولية بها إلى ما ساد عنها في أخبار العرب أنفسهم، الذين يقولون بقيام مملكة حضرموت الحميرية في قديم الزمان، ويستدعي المؤلف ما ذكره المؤرخ والأديب اليمني نشوان بن سعيد الحميري، بأن ملكا خرافيا يحمل اسم حضرموت قد نسبت إليه تسمية الوادي، كما حكمها في عهد الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم، ملوك حملوا لقب «العباهلة»، وهي تعني الأمراء الأحرار، ويجزم المؤلف بأن حضرموت لم تكن موحدة على يد قائد واحد في التاريخ، ويرجع ذلك لطبيعة الظروف المحلية وطبائع الناس هناك.
وقد حاول المنجز وعبر هذا التطواف أن يقدم أول تصوير أصلي عن حضرموت ومدنها الرئيسية، وهي المسألة التي كان يصعب معها البحث والتقصي في ذلك الوقت قبل قرابة 130 عاما.
المنجز هو عين استشراقية على المكان، فرغم توفر المتعة والكثير من الحقائق التاريخية، لكن الكاتب يميل في كثير من الأحيان نحو تدوين الملاحظات الانطباعية، خاصة فيما يتعلق بطبائع البشر هناك، والكثير كذلك مما أسماه المترجم بالأحكام والتقديرات وردود الأفعال الشخصية العادية التي ليس لها أي استحقاق في الأخذ بها مسلمة دون أي تدقيق ونقد، فالمنجز بحاجة إلى عين ناقدة وفاحصة في الكثير من الهنات التي وقع فيها المؤلف، لكنه بصورة عامة يحفل بالمتعة والسرد الجمالي الراقي.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"