مازالت مشكلة نقص الكوادر الطبية، في المستشفيات الحكومية والخاصة ظاهرة تبحث عن علاج جذري وفعال، حيث تقدر نسبة النقص في المستشفيات الخاصة والحكومية ب 30% إلى 40% مع قابلية هذه النسبة للتزايد إن لم يكن هناك حل سريع وحاسم في ظل نمو القطاع الصحي نتيجة الزيادة المطردة في عدد السكان، بل أخذت هذه الظاهرة تؤثر بشكل سلبي ومباشر في صحة وسلامة المرضى، وسرعة تلقيهم للعلاج، الأمر الذي دفع العديد من المرضى للبحث عن حلول بديلة تجنبهم ساعات الانتظار الطويلة، وتحميهم من الوقوع بين يدي طبيب أرهقته ساعات الدوام الطويلة، ودفعته ضغوط العمل، واختصار الوقت، وتفاقم عدد المرضى في غرفة الانتظار، إلى تشخيص بعض الأمراض التي قد تؤدي إلى مضاعفات، على أنها أمراض عرضية وتعالج بالمسكنات العادية، فتزايد عدد المرضى الذين اتجهوا إلى السفر خارج الدولة بحثاً عن العلاج السريع والدقيق، ومرضى آخرون طرقوا كافة الأبواب للعلاج والاستشفاء، عدا أبواب العيادات والمستشفيات، حكومية كانت أو خاصة، خوفاً من تفاقم مشاكلهم الصحية، وضياع الوقت في انتظار طبيب أو في انتظار الفحوص والتحاليل الطبية التي تأخرت نتائجها بالظهور بسبب نقص أعداد فنيي المختبرات الطبية .
وفق تقارير فإن عدد المنشآت الصحية التي تعاني نقصاً في الكادر الطبي، حوالي 24 مستشفى ومركزاً صحياً، لا سيما أن العديد من المنشآت الصحية ما زالت تعتمد على الزائرين من الأطباء وعلى علاج المرضى في الخارج، بسبب ضعف التشخيص وعدم وجود التخصصات المطلوبة في كل المجالات وازدادت خلال السنوات الأخيرة، ما يتسبب في هدر مادي ومعرفي أضاع فرص اكتساب الأطباء والممرضين في الدولة للخبرات والمعارف في التعامل مع الحالات المرضية التي يفترض عرضها عليهم .
هل يعود السبب في تفاقم مشكلة نقص الكوادر الطبية التي تعانينها كافة المستشفيات والمراكز الصحية إلى تدني الرواتب، أم تأخر إصدار تراخيص مزاولة المهنة للأطباء والفنيين، أم الإغراءات الكبيرة التي تقدمها المستشفيات الخاصة، أم هي نتيجة حتمية لغياب الشواغر الملحة للعمل في هذا القطاع .
انتظار الطبيب
الخليج التقت عدداً من المرضى والمسؤولين والعاملين في القطاع الصحي لتستطلع آراءهم وما يعانونه نتيجة نقص الكادر الطبي في المنشآت الصحية:
تروي فاطمة عيسى قصتها مع المستشفيات ورحلة علاجها التي طالت وعجزت أن تجد لها نهاية، وتقول أنها تعاني آلاماً في الظهر وأسفل الرقبة، وتآكل بعض فقرات في العمود الفقري بالإضافة إلى أنها تعاني مرض السكري والضغط، مشيرة إلى أنها بدأت بتلقي العلاج في أحد المستشفيات الخاصة بحثا عن سرعة العلاج والتخلص من الآلام التي تعيقها عن القيام بأي مجهود يذكر، وبعد أول زيارة تم تحويلها إلى مستشفى خاص آخر لعدم توفر الأجهزة، وكشفت التحاليل والصور الاشعاعية أنها تحتاج إلى عملية دقيقة وفورية، وللأسف لا يوجد طبيب ذو خبرة في المستشفى الذي تتعالج فيه لإجراء مثل هذه العمليات وبالتالي فهي مضطرة للاستمرار على المسكنات للتخفيف من حدة الألم، فقررت تحويل ملفها الطبي لمستشفى حكومي لعله يملك القدرة على إجراء هذه العملية، وكانت النتيجة أن عليها انتظار طبيب زائر .
النقص شامل
وقال أحمد خالد: العديد من المستشفيات والعيادات الخاصة والحكومية لا تعاني فقط نقص عدد الأطباء المتخصصين بل تعاني النقص في جوانب حيوية عديدة منها نقص الأجهزة الطبية وإن وجدت فهي قديمة، ونقص في المرافق الحيوية وإن وجدت فهي توضع بطريقة غير صحيحة وتعرض المرضى الآخرين للخطر .
قسم الطوارئ
وأشار مطر غالب المنصوري إلى أن أقسام الطوارئ في كافة مستشفيات المنطقة، بحاجة إلى إعادة النظر في أمرها أو بحاجة إلى اتباع خطة عمل مختلفة، وخاصة المناوبات المسائية حيث يكون العجز في نسبة الأطباء والممرضين قد وصل حده، كما أن أطباء في القسم يشعرونك للوهلة الأولى بأنك تدعي المرض، وأنه لا حاجة لوجودك في قسم الطوارئ إطلاقاً، أما عن مشكلة قسم الطوارئ الخاصة بالأطفال فحدث ولا حرج، فأنت تحمل طفلك إلى مستشفى وقد تتجاوز درجة حرارته ،40 وتفاجأ في قسم الاستقبال وهو يطلب منك أن تأخذ رقماً، وتنتظر دورك، حالك حال غيرك ممن قضى ساعات في الانتظار، وتتصاعد أزمة الانتظار في الأعياد والمناسبات حتى تتجاوز فترات الانتظار أكثر من ساعتين، مشيراً إلى أن قسم الطوارئ في احد المستشفيات يعمل فيه طبيب مناوب واحد، وممرضة واحدة لقياس درجة الحرارة والوزن والطول، وأضاف أن هذا الأمر غير معقول خاصة في هذه الأوقات التي تنتشر فيها الأمراض من حمى، وحالات البرد والزكام، والتهاب الشعب الهوائية خاصة عند الأطفال .
حاولت مناقشة إدارة أحد المستشفيات الكبرى هذه القضية، لنقف على الأسباب التي تدفع الطفل للانتظار وهو يعاني ارتفاعاً شديداً في درجة الحرارة، فجاء الرد كالآتي نحن نعاني نقصاً في عدد الاطباء والممرضين، وكافة المستشفيات العالمية تعاني من هذه الأزمة، كما رفضت الإدارة الإفادة بسبب آخر لهذا النقص .
سلبيات عرضية
وقال عبدالله الجنيبي إن مستشفيات الدولة جيدة، وذات مستوى جيد، مقارنة مع أوضاع المستشفيات في الدول الأخرى، أما عن مشكلة نقص الكادر الطبي، فهي أمر إداري، ومن جانبي لا أرى وجود نقص في الكوادر الطبية، فلم أسمع أن أحد المرضى يطلب العلاج ولم يحصل عليه، أو رفض استقباله في مستشفى ما لعدم وجود طبيب مختص .
أما عن طوال فترات الانتظار فهي مشكلة موجودة وتعانيها أرقى مستشفيات العالم .
أمراض لا تؤجل
ومن جانبها عبرّت بشرى عبدالله عن استيائها من سوء الخدمات التي تقدم في من بعض المنشآت الصحية بشكل عام، حيث اكتشفت مؤخراً أنها تعاني سرطاناً في الجلد، نتيجة لتعرضها لأشعة الشمس باستمرار، وبعد اكتشافها للمرض باشرت بإجراء الفحوص والتحاليل، ولكنها فوجئت بأن أول موعد متاح لها لرؤية الطبيب بعد شهرين متتالين، الأمر الذي دفعها لاتخاذ القرار للسفر وتلقي العلاج خارج الدولة، خوفاً من انتشار المرض في جسدها، أو حدوث مضاعفات أخرى قد تؤدي إلى وفاتها .
تحسينات غير ملموسة
ومن جهة أخرى، قالت سناء صالح: خلال زيارتي الأخيرة لمستشفى متخصص في امراض النساء والولادة لم ألمس أي تطوير سوى بالشكل الخارجي فقط، أما على مستوى الخدمة الطبية وسرعة استجابة الممرضات في العنابر الداخلية، وتوفير مواقف للسيارات، فالأمور مختلفة تماماً، وتزداد سوءاً، فمازالت المواعيد بعيدة، وقسم الطوارئ عاجز عن استقبال الكم الكبير من الحالات التي ترد إلى المستشفى يومياً، والممرضات عاجزات عن تلبية كافة احتياجات المرضى في العنابر الداخلية، كما تحتاج الممرضة لوقت طويل حتى تلبي رغبات المريضات واحتياجاتهن .
أما عن خدمة صف السيارة، فهي بلا جدوى، فلطالما لجأنا لهذه الخدمة مراراً وتكراراً، وفي كل مرة تكون المواقف ممتلئة .
مستوى جيد
وقال هزاع الحمادي: لا أرى أن المستشفيات تعاني أي سلبيات، فأنا غالباً ما أقصدها لأمور عرضية، وفي نظري أنها منظمة، ومرتبة، وأطباؤها أكفاء، ولم ألحظ أي عجز في عدد الأطباء ولا الممرضين، إضافة إلى أن الخدمة جيدة، ولكن لا يخلو الأمر من تأخير بعض الأوراق، أو نقص الخبرة عند الممرضات، وهذه أمور عارضة تحدث في كل مكان .
ومن جانب آخر أوضح فيصل السليطي أن من أكثر السلبيات التي يسببها نقص الكادر الطبي في المستشفيات حكومية كانت أو خاصة، هو طول فترات الانتظار، وعكس مظهر غير حضاري يؤكد عدم احترام مواعيد المرضى، ومدى تقدير الجهة المعالجة لمعاناة المرضى .
المخصصات والتراخيص
ويروى الدكتور عادل الشامري جراح القلب الإماراتي، رئيس مركز الإمارات للقلب، أن هناك سببان رئيسان لنقص الكوادر الطبية، ويأتي السبب رقم واحد في عدم توفير المخصصات الكافية والمشجعة للكوادر الطبية المتخصصة للعمل في الميدان الطبي، وتتمثل هذه المخصصات في الرواتب المناسبة والعلاوات، والامتيازات، وغيرها، كما يعد عامل التأخر في إصدار التراخيص الطبية الذي يتطلب مدة زمنية تمتد إلى شهور أحد أهم أسباب نقص الكوادر الطبية في المنشآت الصحية على حد سواء .
ففي حال طال انتظار إصدار تراخيص العمل الخاصة بالأطباء والفنيين، ستكون النتيجة الحتمية هي اتجاه الأطباء للبحث عن فرص عمل بديلة في أماكن أخرى لا يتطلب العمل لديها كل هذه المدة الطويلة لإصدار تراخيص مزاولة المهنة .
سوق الأطباء
ومن جانبه يرى الدكتور محمود عبدالوهاب استشاري جراحة في منشأة صحية في أبوظبي، أن مشكلة نقص الكوادر الطبية والفنية هي أزمة عالمية يعانيها معظم المستشفيات حول العالم، ويعود السبب في زيادة الحاجة إلى كوادر طبية وفنية بهذه الصورة التي أدت إلى حدوث عجز في أعداد الأطباء والفنيين في المستشفيات المحلية، إلى زيادة الإقبال على افتتاح مستشفيات خاصة، ففي الأعوام القليلة الماضية تم افتتاح ما يزيد على 7 مستشفيات خاصة، في مدينة أبوظبي فقط وكافة هذه المستشفيات بحاجة لاختصاصيين واستشاريين، وأطباء، وكوادر فينة، وممرضين وبأعداد كبيرة، وذلك لارتفاع عدد المرضى المقبلين على العلاج في المستشفيات الخاصة .
وأشار إلى أن بطاقات التأمين الصحي تعد السبب الرئيس في حدوث هذا الإنعاش في المستشفيات الخاصة في الفترة السابقة، وارتفاع أعداد المقبلين عليها، فقبل اعتماد بطاقات التأمين الصحي كان أحد أكبر المستشفيات الخاصة يضم فقط 20 طبيباً، ولكن بعد زيادة الطلب عليها ارتفع عدد الأطباء حتى وصل إلى 300 طبيب، مضيفاً أن سوق الأطباء في القطاع الخاص مازال يستوعب العشرات من الأطباء والفنيين وفي العديد من التخصصات، ولا يعد تدني الرواتب في بعض المنشآت الصحية في القطاع الخاص هو السبب في نقص الكوادر الطبية فيها، فلا يوجد في القطاع الخاص ما يحدد رواتب الأطباء، فهو موضوع قابل للمساومة بين الطبيب وصاحب المنشأة الطبية، فهناك أطباء يشترطون راتباً مع نسبة على كل استشارة أو عملية، وهناك أطباء شركاء في المستشفيات، وهناك فقط من يكتفي بالراتب .
الأمور معقدة
وأشار رونالد لافاتير المدير التنفيذي لمستشفى الكورنيش إلى أنه في الآونة الأخيرة تم رفع عدد الحاضنات من 50 إلى 65 حاضنة، ولكن التحدي أو المشكلة في وجود طاقم طبي وممرضين مؤهلين إلا أن إدارة المستشفى تسعى دائماً إلى استقطاب الكوادر المدربة،، ولهذا السبب نضطر لنقل المرضى إلى مستشفى آخر للمحافظة على صحة الأم والجنين، مؤكداً أن السبب الرئيس الذي يدفع مراجعات مستشفى الكورنيش للانتظار في كل زيارة، وتضطر المراجعة لمقابلة طاقم طبي مختلف في كل زيارة هو الحاجة إلى كوادر طبية مشيراً إلى ان كادر المستشفى يضم اكثر من 126 طبيباً، و331 ممرضة و116 قابلة، حيث يستقبل مستشفى الكورنيش ما يزيد 400 زيارة يومية، مؤكداً أن مستشفى الكورنيش يعمل على تعيين طاقم طبي مؤهل للعمل في كافة الوحدات التي تعاني نقصاً .
الطبيب المهاجر
وأشار الدكتور حاتم العامري مدير إدارة ترخيص المهن الصحية في هيئة الصحة - أبوظبي، إلى أن أزمة نقص الكوادر الطبية أصبحت ظاهره يعانيها القطاع الصحي في مختلف دول العالم، مشيراً إلى أن دولة الإمارات وصلت إلى معدل 160 طبيباً لكل 100 ألف نسمة، وأن دولة الإمارات بحاجة إلى من 300 إلى 350 طبيباً سنوياً لمعالجة مشكلة نقص الكوادر الطبية، لنصل إلى نسبة مرضية من عدد الأطباء الموازي للدول المتقدمة، حيث تصل النسبة في تلك الدول إلى وجود 230 طبيباً لكل 100 ألف نسمة، التي تواجه بدورها مشكلة في نقص الكوادر الطبية، حيث إن الوصول إلى نسبة الاكتفاء من حيث عدد الأطباء في أي دولة في العالم لابد أن يكون هناك 300 طبيب لكل 100ألف نسمة .
وأكد أن السبب في مشكلة نقص الأطباء والكوادر الطبية بشكل عام إلى أن 95% من العاملين في المجال الطبي هم من خارج دولة الإمارات و40% من جنسيات آسيوية و6% فقط هم من مواطني الدولة الأمر الذي يكسب الأطباء طابع الطبيب المهاجر الذي يبحث دائماً عن الوظيفة الأفضل والراتب الأعلى حتى لو كانت خارج دولة، حيث شكلت نسبة الكوادر التمريضية من المواطنين العاملين في القطاع الصحي 1% .
وقال: لا يمكن تحميل اي جهة السبب الرئيس في نقص الكوادر الطبية مؤكداً أن هيئة الصحة حققت انجازات على صعيد سرعة تجديد تراخيص الكوادر الطبية والفنية حيث تم تجديد تراخيص نحو 23 ألف طبيب وفني بشكل تلقائي ولمدة عامين متتاليين، اضافة إلى سرعة اصدار التراخيص الجديدة والتي اصبحت في المعدل 10 ايام بعد ان كانت في مطلع العام الماضي 60 يوماً موضحاً أن هناك تراخيص يتم إصدارها خلال 5 أيام فقط، كونها استوفت كافة الأوراق المطلوبة .
وأشار إلى أن هيئة الصحة عملت في وقت سابق على استحداث 11 برنامجاً تدريبياً للأطباء تعمل على معالجة النقص في الكوادر الطبية، ويعمل هذا البرنامج على تخريج ما بين 70 إلى 100 طبيب سنوياً لسد حاجات القطاع الصحي وخاصة في القطاعات الني تعاني نقصاً .
الطلب على الخدمات
كشف تقرير لهيئة الصحة في أبوظبي عن أنه من المتوقع حدوث زيادة مطردة في الطلب على الخدمات الصحية المتعلقة بالأمراض المرتبطة بأسلوب نمط الحياة، على سبيل المثال مرض السكري وأمراض القلب والأوعية الدموية والسرطان مع زيادة أكبر في حجم العيادات الخارجية .
وأشار التقرير إلى أنه تم تسجيل نمو في عدد الأطباء بمعدل 3% والمنشآت الصحية بمعدل 8 .11% في العام ،2011 وبحلول عام 2021 فيقدر ارتفاع الحاجة إلى 3200 طبيب و5900 ممرض .
وإذا استمر الطلب المتزايد كما حدث في 2011 سيتطلب هذا توظيفاً سنوياً للكادر الطبي بمعدل 1500 طبيب و1600 ممرض .