عادي
الأب والأم خير قدوة أمام أبنائهما

أصدقاء السوء خطر حقيقي على حياة الأبناء

05:53 صباحا
قراءة 8 دقائق

لا . . لرفقاء السوء، عبارة صغيرة تنطوي على معان كبيرة، والحقيقة فالعبارة لم تكن سوى شعار للحملة التوعوية الاجتماعية السابعة التي اطلقتها جمعية توعية ورعاية الأحداث في دبي، وهذه الحملة التي حملت في مضمونها الرفض لرفيق السوء، سجلت إضاءات عدة حول دوره الخطر في حياة الأبناء، وحتمية انتباه مؤسسات المجتمع على اختلافها إلى هذا الضرر المحيط بالأبناء، بدءاً من المؤسسة المنزلية إلا وهي الأسرة التي عليها ابعاد فلذات الاكباد عن الوقوع في فخ صداقات، وعلاقات، لا تأتي إلا بالنوائب، ولا تؤدي إلا إلى كوارث، ولا تنتهي إلا بخسائر فادحة .

والخسارة هنا تعني ضياع الابن إما بانحرافه السلوكي، وسقوطه في هاوية الإدمان، وتعاطي المخدرات، والأقراص بدءاً من الترامادول وغيره، التي غزت حياة الشباب بصورة ملفتة مؤخراً، فيما قد ينساق الابن أيضاً وراء ارتكاب أفعال مجرمة، مسايرة منه للرفيق الفلاني أو العلاني، وربما يشارك في مشاجرات، ومشاحنات، وتجمعات سوء، وبلاء، وقيادة سيارات من دون الحصول على رخص قيادة، والتسابق والتظاهر، والنتيجة لذلك ضحايا لا يمكن حصرعددهم، جراء حوادث مرورية صادمة، وغير ذلك الكثير من الأفعال المخالفة، التي يقف وراء أغلبها رفقاء السوء . وبصدق فالحملة الأمنية وإن كانت مرجعيتها شرطية حفاظاً على الاستقرار العام، وتجنباً للأفعال غير السوية، فمضامينها إنسانية بالدرجة الاولى، إذ أن هدفها الأساسي يتركز في المحافظة على الأبناء من اية انتكاسات، أو سقطات، وانحرافات، والحفاظ عليهم هنا يعني أن يكونوا في حالة من السلامة النفسية، والجسدية، والسلوكية، فهم بمثابة الكلمة الصحيحة، والفعلة السليمة، والأداء المبهر، والأمل المنتظر، في الساحات الوظيفية، والمهنية، والاجتماعية كافة، في الغد المقبل، فهم الجيل القادم الواجب أن يكون متسلحاً بالعلم الجيد، والثقافة الواسعة، والسلوك القويم، والشخصية القوية الواثقة بنفسها، وبإمكاناتها، وكفاءتها .

للانصاف ولبيان الأهمية التي تنطوي عليها جوانب هذه الحملة المهمة، فهناك العديد من صور إنحراف الأبناء التي يقف وراءها رفقاء السوء، فهم دائماً بمثابة المحركين الأساسيين، والمتسببين في الكثير من الأفعال السلبية التي يرتكبها الأبناء، ومن ثم وفي كل الوقائع نجد حضور هؤلاء مسجلاً في خلفية المشهد السوداوي لكونهم الدافع الرئيس، والمخطط، والمحرض، وواضع الخطط الشيطانية، ومحدد تفاصيلها، وجوانبها، ومفرادتها، وأسلوب تنفيذها .

لذا كان لزاماً أن تكون لنا وقفة استرجاعية لبعض القضايا التي تسبب فيها رفقاء السوء، وراح ضحيتها أبناء كانت إرادتهم مغيبة وراء توجيهات هؤلاء لهم، بارتكاب هذا أو ذاك من الأفعال المشينة، وفي الوقفة استطلعنا بعض جوانب ما دفعوا إلى القيام به بإيعاز - غير مبرر - من رفقة السوء هذه .

يضرب والده

بداية قضية مراهق في السادسة عشرة من العمر، كان دائم التعدي بالضرب على والده، وعندما لجأ الأب إلى الشرطة لإنقاذه من ابنه، وبالبحث والتحري، اتضح أن هناك أصدقاء لهذا الشاب يحرضونه على التعدي على والده، ودفعه لرفض الإذعان لأية نصيحة منه، وإيهامه أن والده يعامله كطفل، وهو ما لا يليق به لأنه أصبح رجلاً، فما كان من الشاب إلا أن تمرد على والده، ووصل به الأمر إلى التعدي عليه بالضرب، وبتدخل المختصين ببرنامج التواصل مع الضحية، تم توجيه النصح والإرشاد إلى الابن الذي أدرك خطأ ما ارتكبه، واعتذر لوالده، واسترضاه، وابتعد عن رفقاء السوء المحرضين واصبح سوياً من جديد .

ولا يمكن أن نتغاضى عن قضية القتل التي راح ضحيتها الطفل علي البالغ من العمر 13 عاماً على يد مجموعة من أصدقاء السوء من زملائه في المدرسة، حيث قاموا بطعنه انتقاماً من شقيقه الذي كان على خلاف مع بعضهم في فترة ماضية .

وهنا شاب تعرض للدهس جراء مشاركته في شجار بين فريقين من رفقاء السوء، أدى إلى قيام أحدهم بركوب سيارته، ودهس الشاب الذي ينتمي للفريق الآخر، وإصابة اثنين آخرين في الشجار ذاته بأسلحة بيضاء .

وها هي فتاة تهرب من بيت أسرتها للإقامة مع صديقة لها، ورّطتها في بعض الجرائم اللا أخلاقية، وأفعال تتنافي مع تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، والعادات والتقاليد القويمة .

الصفات السلوكية

والحقيقة فالقضايا عدة، تضمها قائمة طويلة، إلا أننا نكتفي منها بما ذكرناه، لنقف على الصفات السلوكية لرفيق السوء، والتي بينتها فاطمة سجواني الاختصاصية النفسية في منطقة الشارقة التعليمية، بأن إطلاق مسمى رفيق السوء يلحق بمن تصدر عنه بعض التصرفات والسلوكات السلبية، ولرفيق السوء عادة ثلاثة أبعاد شخصية، فإما أن يكون من أسرة مفككة، وضائعاً وغير موجه، وعلى غير معرفة بالصواب من الخطأ، وربما يكون مرفهاً بشكل كبير، ويتمتع في بيته بحرية لا حدود لها، وكل الأمور مباحة أمامه، وقد يكون شاب يعاني نقصاً داخلياً، فيبدأ بالبحث عن شخص مميز، ليلقنه أشياء خاطئة على اعتبار أنها صحيحة، وقد يتخذه عوناً له في ارتكاب أفعال مخالفة، إذ قد يكون ملجأه في التنفيس عن ضغوطه الداخلية، وحرمانه، ونقصه، وضياعه .

وعادة رفيق السوء لديه درجة ذكاء عالية، ودائماً يبحث عن الشخصيات الضعيفة، وليست القوية ليؤثر فيها ويضللها، ويقودها كما يريد، وبالطبع فضعاف الشخصية هم من ينقادون وراء رفيق السوء، ويعتقدون الصدق في ما يقوله لهم .

وأيضاً فرفيق السوء لديه دائماً دوافع وحاجات غير مشروعة، وتقف التربية غير السليمة وراء تكوينه، عدا ذلك فالعقاب البدني، والطرد من المدرسة، والحرمان من حضور الحصص الدراسية، جميعها من أنواع العقاب الايجابي بالنسبة لرفيق السوء، وليس المجدي، حيث إن طبيعة هذه الشخصية تكون عنيفة، ولديها نسبة كبيرة من التمرد، لذا فهم في حاجة إلى برنامج لاحتوائهم، مع محاورتهم، والوقوف على مواطن الضعف والقوة داخلهم، وتنميتها، واحتضانهم وليس نبذهم .

الدور المدرسي

وإذا كانت المدارس الساحة الأساسية لوجود رفقاء السوء، فعليها دور كبير في توعية الطلاب، وتقويم سلوكاتهم، وفي ذلك يقول د . عبدالله السويجي رئيس مجلس التعليم في الشارقة: دور التعليم بالدرجة الأولى يتركز في إعداد الشخصية السوية، من خلال تعزيز المفاهيم، والمبادئ، والقيم التربوية، المستمدة من الكتاب والسنة، والأنشطة الإثرائية التي تعزز هذه الجوانب لدى الطلبة، في ظل المتغيرات التي طرأت، نتيجة افراز مجتمع الرفاه التي احدثت تغيراً جذرياً في أنماط السلوك، والتعامل بين أفراد المجتمع، خاصة الطلبة الذين هم رجال المستقبل .

وللمحافظة على الطلاب لابد أن نعزز لديهم ومن خلال المناهج، والقدوة، والأنشطة الإثرائية، كيفية الحفاظ على أنفسهم من التواصل مع رفقاء السوء، إذا شعر الواحد منهم بأن هذا أو ذاك غير سوي، ومختلف عنه في القيم، والمبادئ، والسلوك، ولقد طبقنا في مدارس الشارقة برنامج الثقافة الأمنية، الذي عزز الشخصية الوطنية لدى الطلبة، وأطلعهم على كيفية في حماية أنفسهم ووطنهم، ووجههم إلى التبليغ عمن يرتكب أفعالاً سيئة من هؤلاء الرفقاء، مع الابتعاد عنهم .

ونحن في أمسّ الحاجة خلال المرحلة الحالية إلى أن نعزز في ابنائنا قيم الحوار، والتواصل، والرأي والرأي الآخر، من خلال ترغيبهم في الاستماع إلى الآخرين، وتحليل ما يسمعونه منهم، وما إذا كان يتفق مع المبادئ، والقيم، والموروث الثقافي أم لا، وبهذا نستطيع المحافظة عليهم من الإنجراف تجاه رفقاء السوء، والأمر بشكل عام يحتاج إلى تكاتف جميع الجهود، على المستويات المختلفة، وتكثيف الحملات التثقيفية، من خلال وسائل الإعلام، وربط الطلبة بالبيئة المجتمعية، وبالقيم، والأصول، والعادات والتقاليد، وبذلك نستطيع أن نجعل من رفقاء السوء، وبالحوار، والنقاش، والتعاون، رفقاء إيجابيين .

مصادقة الأبناء

وعن المفترض أن تقوم به الأسر لإبعاد الأبناء عن الإنسياق وراء مصادقة أي رفيق سوء، ترى موزة الشومي مدير إدارة الطفل في وزارة الشؤون الاجتماعية، وعضو مجلس إدارة جمعية توعية الأحداث، أنه على الأسر توعية الابن بكيفية اختيار أصدقائه، بتوضيح صفات الصديق الجيد له، فيما تعتبر الأم والأب الأفضل للابنة والابن في المصادقة، فبمقدورهما وحدهما توجيه الأبناء لكل ما هو صحيح وسليم من التصرفات، والسلوكات، والأفعال، فيما من الضرورة بمكان أن يبدأ الأب والأم بمصادقة الأبناء منذ الصغر، لاسيما أن معظم الانحرافات تبدأ في الطفولة، وهي الفترة التي يفتقر فيها الأطفال إلى الادراك الكامل بكل الأمور، ما لم تتم توعيتهم وتثقيفهم، ويكون دائماً السبب في هذه الانحرافات رفقاء السوء، والانجراف وراء أفكارهم، خاصة وأن 90% من إنحرافات الأحداث تعود إلى أصدقاء السوء .

ولابد أن يكون الأب في المنزل قدوة أمام الأبناء، فإذا كان مثلاً يدخن، ولا يستطيع الإقلاع بسهولة عن ذلك، فعليه إفهام الابن أن السبب وراء هذه العادة السيئة التي يداوم عليها، كان رفيق سوء، وأن مصيره سيكون كذلك إن إنقاد إلى أي من رفقاء السوء، وعليه تنبيهه كذلك إلى أن التدخين بداية الطريق إلى الانحراف بشكل عام، وعلى الآباء والأمهات توجيه الأبناء إلى أن أصدقاء السوء ليسوا بالضرورة أن يكونوا أشراراً، فمن الممكن أن يكون الواحد منهم طيباً، وودود، بما يساعده على التأثير بشكل أكبر في الصديق من هؤلاء، وتكون النهاية ضياع الأخير، وهذا النوع من رفقاء السوء من الخطورة بمكان عن غيرهم ممن يجنحون للعدوانية والعنف، لأن سلاحهم الابتسامة، والتودد والتقرب، وهذا الأسلوب الأخطر في التأثير .

ومن الأهمية ترديد أمثلة للأبناء حول الكيفية السليمة التي يجب أن يكون عليها الصديق من الوقوف إلى جانب صديقه وقت الضيق والشدة، وغير ذلك، ويجب أيضاً توجيه الأبناء إلى نصح أصدقائهم، فيما من الضروري ابتعاد الأسر عن العنف في معاملة وتوجيه الأبناء، فإذا ارتكب الابن مثلاً خطأ بسيطاً، فلا يجب تعنيفه، واللجوء إلى ضربه، وحرمانه من الذهاب إلى المدرسة، وغير ذلك، حيث من الضروري شرح تداعيات الخطأ الذي ارتكبه له، وبيان الخطورة التي قد تترتب عليه، واحتوائه، واحتضانه .

وحالياً نقوم في حملة لا لرفقاء السوء بتنظيم ورش توعوية في المدارس موجهة للطلاب، بالتعاون مع جمعية توعية ورعاية الأحداث، لبيان تأثير رفقاء السوء، وصفاتهم، وأهمية تجنب الانسياق لهم، ونهاية كل فعل مخالف، والورش تتضمن أفلام توعية، وغير ذلك من الإرشادات، والتوجيهات، والإيضاحات، وخلافه .

العامل الأول

أكدت دراسة صادرة عن الإدارة العامة لمكافحة المخدرات أن أغلبية القضايا التي يتورط فيها أحداث، يرجع السبب فيها إلى رفقاء السوء وخاصة ما يتعلق منها بقضايا المخدرات، حيث إن رفيق السوء هو العامل رقم واحد في الإدمان، حيث أشارت الدراسة إلى أن أكثر من 60% من المتورطين في قضايا التعاطي، خاصة الجرعة الأولى من المخدرات، كان أصدقاء السوء السبب وراء تورطهم فيها، إلى جانب دور صديق السوء في تورط اكثر من 70% من المضبوطين في جرائم السرقات .

ووفقاً لإحصاءات وتقارير الإدارة العامة للتحريات والمباحث الجنائية في شرطة دبي فإن 90% من جرائم الأحداث، وراءها رفيق السوء، والصحبة غير السوية .

تزداد صيفاً

وفقاً لتصريح للعقيد جمال الجلاف نائب مدير الإدارة العامة للتحريات والمباحث الجنائية لشؤون الإدارة والرقابة، فجرائم الأحداث تزداد سنوياً، وفي فترة الصيف بنسبة 31%، بسبب رفقاء السوء والشللية، وأوقات الفراغ، وتتنوع الجرائم بين السرقات، والقيام بأفعال فاضحة سواء كانت لفظية أو حركية، أو غيرها من التورط في جرائم أخرى مثل تعاطي المخدرات، أو المشاجرات التي لا تحمد عقباها .

وأشار إلى أنه من واقع ملفات القضايا الواردة والتي يتورط فيها على الأخص المراهقين، يتبين أن رفيق السوء كان الدافع للتورط في العديد من تلك القضايا، بما يضاعف من دور أولياء الأمور، في توعية أبنائهم بالابتعاد عن أي رفيق سوء، وفي حالة ملاحظة أي تغيير في سلوك الابن لابد من التحرك الفوري، والوقوف على سلوكيات من يصادقه، وإبعاده على الفور عنه إذا لم يكن جيداً، مع ضرورة تنشئة الأطفال على مصادقة الأفضل سلوكياً، والابتعاد عن التورط في أي جرم . ودعا أولياء الأمور إلى أن يكونوا أصدقاء لأبنائهم لحمايتهم من رفقاء السوء المتواجدين في المجتمع .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"