لا يتوقف المخرج محمد العامري عند حد في بحثه الدائم عن أشكال وتصورات إخراجية جديدة، وفي هذه المرة يقدم مغامرة كوريغرافية فن تصميم الرقصات تخللت مسرحية صهيل الطين التي أخرجها لمسرح الشارقة الوطني، وهي من تأليف الكاتب إسماعيل عبد الله، ومثل فيها الدور الرئيسي الفنان أحمد الجسمي والفنانة حنان المهدي مع مجموعة من شباب المسرح الإماراتي، وعرضت مساء أمس الأول في قصر الثقافة في الشارقة على هامش فعاليات مهرجان أيام الشارقة المسرحية .
يعالج النص مسألة الحرية بإسقاطها على علاقة الأب وابنته، وفي جو شبه أسطوري يتأثث فضاؤه بالتماثيل تنزل البنت عبر سلم منصوب في طرف الخشبة رافعة صوتها بعبارة سيولد . . سيولد . . سيولد من رحم الطين والماء، فترد عليها التماثيل المتحركة سيوأد . . سيوأد، وينزل الأب عبر السلم ذاته، ليرد عليها بدوره: سيولد . . سيولد . . سيولد من طين ونار، وعبر الحوار نكتشف أن الذي يبشر به الأب وابنته هو الحُلْم الذي انتظره كل منهما سنين طويلة، لكنهما يختلفان في تصوره، فالأب يريد من ابنته التي تصمم له التماثيل أن تشكل له حلمه تمثالاً من الطين وتشويه في النار كما تعود هو على فعل ذلك، حتى يبقى حلمه رهن إشارته وطوع بنانه، خاضعاً ذليلاً لسلطانه، وأما هي فتريد أن تصنعه من طين وتغسل جسده بالماء حتى يتشبع بالحياة، ويكون قادراً على الاستقلال والفعل خارج إرادة الأب، وهنا يكون الخلاف عميقا بين الأب الذي يريد الإبقاء على سلطته وسيادته واستعباده لمصنوعاته، وبين البنت التي رأت أن نجاحه في صناعة تمثال خارج عن الطاعة يعني صناعتها لذاتها وحريتها وانعتاقها من سلطة القهر والذل التي خضعت لها عشرين عاماً .
تصنع البنت تمثالها عبر لوحات كوريغرافية معبرة، وتتلقى الإلهام من أمها القتيلة بسبب بحثها هي الأخرى عن حريتها، فتفلح في بث القوة في تمثالها، وتحريره من الخوف وجعله يتمرد فيواجه بقية التماثيل الأخرى ويهزمها، وحين ينزل الأب من جديد ويرى أنها صنعت تمثالها الخاص بها يفاوضها لاستعادة السيطرة على زمام الأمور، وحين لا يفلح يسعى إلى طرح التمثال بالقوة في النار، لكنه لا يقوى على زحزحته، فيعمد إلى ابنته يريد أن يرميها في النار، لكن العكس هو الذي يحدث فتلقي به في أتونها، وتعود إلى تمثالها تراقصه مبتهجة بما حققته، وتمسك بيده وتصعد السلم .
ينتصر الماء رمز الحياة والحرية على النار رمز الموت والقهر، وتنتصر البنت المكبوتة على أبيها المتجبر، والمرأة على الرجل، هل في ذلك ملامح لنظرة وجودية؟ ربما، فلا دعم يأتي من الخارج، كل شيء يحدث في أعماق نفس الإنسان، فمنها تأتي الإرادة والقوة التي تصنع الفعل الذي هو سبيل الحرية، سبيل الوجود .
شارك في التمثيل في العرض أحمد إسماعيل وعمر صفر ومحمد جاسم ومحمد درجلك وأحمد درجلك وعلي درجلك وعثمان جوهر، الذين شكلوا المجموعة الراقصة، وحافظوا على حرفية عالية، وشكل تناغم وانتظام حركة أجسادهم المطلية بالطين (لتعطي شكل التماثيل) لوحات تشكيلية ذات مدلولات قوية، خصوصا في بداية العرض حيث أوحت الحركات المنتظمة حول محاور السلاسل المتدلية من الأعلى بما تخضع له تلك التماثيل المتحركة من عبودية ومذلة، وفي نهاية العرض حيث المواجهة بين هذه المجموعة وبين تمثال البنت، والحركات التي تعبر عن الصراع ثم الهزيمة، وقد حافظ الممثلون بشكل كبير على تقمصهم لأدوارهم، في حركاتهم وسكناتهم التي تعطي كلها ملامح التماثيل، ما يدل على امتلاكهم لقدرات كبيرة جاهزة للاستغلال .