السياسة الشرعية من أهم المفاهيم الإسلامية حيث تعكس اهتمام الإسلام بدنيا السياسة وإدارة شؤون الحكم، وتربط ربطاً مباشراً بين القواعد الشرعية والأحكام التعبدية من ناحية وبين سياسة الدنيا ورعاية مصالح البلاد والعباد من ناحية ثانية .

والسياسة الشرعية مبحث قديم من مباحث علم الفقه وعلوم الكلام، وقد يستخدم هذا الاسم بشكل مباشر وقد تتم دراسته وتأصيل قواعده في ثنايا عشرات المعارف والعلوم الشرعية .

والسياسة الشرعية من حيث الممارسة والتطبيق من المفاهيم التي ثار حولها جدل كبير، بين أهل الحكم تارة، وبين أهل العلم تارة ثانية، وبين بعض العامة من ناحية ثالثة .

والأسئلة المهمة التى نبحث عن إجابة واضحة لها هنا: ما المقصود بالسياسة الشرعية؟ وما السياسي المتغير فيها وما الشرعي الثابت؟ وكيف نبلور النظرية الإسلامية في هذا الجانب المتعلق بإدارة شؤون الحكم؟

الدكتور محمد كمال إمام أستاذ الشريعة الإسلامية في كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، وهو واحد من أكبر المهتمين بهذا الجانب يقرر بداية أن السياسة الشرعية تعني باختصار وضع شريعة الإسلام في مجال التطبيق خاصة في ميادين الحكم والقانون وسياسة الرعية .

ويضيف: السياسة الشرعية كعلم اهتمت بتنظير رؤى الإسلام حول وجود الحاكم وأسس اختياره وضرورة خدمة الدنيا وحماية الناس وتوفير حقوقهم الأساسية وعلى رأسها حق العدل والأمن والحرية وسلامة البدن والمال والنفس والمعتقد .

وجميع جوانب السياسة الشرعية مطبقة في الإسلام منذ نزل الوحي، سواء في عقائده أو في عباداته أو في أخلاقياته أو في شرائعه .

ولكن الملاحظ أن مباحث الحكم والسياسة لم تستقل كثيراً عن هذه الجوانب الأربعة الرئيسة في دراسة الإسلام، والسبب في تصوري أن الفكر الإسلامي لا يفصل كثيرا الجزئيات التي نقول عنها اليوم مثلا إنها جزئيات اقتصادية أو سياسية عن الجوانب الشرعية الواضحة . . بمعنى أن الجوانب المالية كالزكوات والصدقات والخراج . . هي من الشريعة . . والعبادة التي لا تنفكك عن العقائد . ووجود الإمام السياسي لا ينفك عن رسالة الدين كله حتى درسه البعض في مباحث العقيدة وعلم التوحيد .

دراسات متميزة

ومع هذا فقد أفرزت التجربة الإسلامية آلاف البحوث الخاصة التي تصنف علمياً في السياسة الشرعية حتى صارت لهذا العلم مناهج خاصة الآن في علوم الشرعية والاقتصاد والقانون والسياسة في معظم جامعات العالم الإسلامي وبعض دول أوروبا .

وللتذكرة فقط نشير إلى بعض الدراسات المتميزة التي أصلت للسياسة الشرعية في الفكر الإسلامي بشكل بارز . . مثل الرسالة للإمام الشافعي، والأموال لأبي عبيد تلميذ أبي حنيفة، والأربعين في أصول الدين لفخر الدين الرازي، والاقتصاد في الاعتقاد لأبي حامد الغزالي، والأحكام في أصول الأحكام لسيف الدين الآمدي، والسياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية والحسبة ومسؤولية الحكومة الإسلامية لشيخ الإسلام ابن تيمية، والطرق الحكيمة في السياسة الشرعية لابن القيم، والأحكام السلطانية وأدب الدين والدنيا للإمام الماوردي، ومقدمة ابن خلدون، ومدينة الفارابي الفاضلة، وكتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي، وإرشاد الفحول للإمام الشوكاني . وغيرها من مئات الدراسات التي اجتهدت في وضع قواعد إدارة شؤون البلاد والعباد في الفكر الشرعي .

الأموال والحدود والجهاد

وبرؤية فكرية واسعة يجمل الدكتور كمال إمام أبرز الجوانب التي تكون مقاصد السياسة الشرعية في الدين والدنيا ومن ذلك:

1- الأموال ويدخل في ذلك تحقيق الكفاية للناس وحسن إدارة المال وجلبه وتوزيعه بالعدل على خلق الله . . وما يقتضيه من تنظيم العمل وتملك الأرض وجلب الصدقات والضرائب والكفارات والخراج ومصارفها الشرعية، في ضوء مسؤولية الولاة في أموال الدولة أو الأموال السلطانية، كما عبر أكثر من عالم .

2- الحدود الشرعية، أي الجرائم والعقوبات وما يعنيه من حماية الكليات الخمس والمقصود بها شرعاً حفظ المال والعرض والنفس والعقيدة والعقل . وبالتالي تطبيق الحدود والتعازير وكل العقوبات التي يراها الحاكم ضرورية لحفظ الوطن والمواطنين ورد الظالمين أو المفسدين في الأرض، من خلال ولايات القضاء وولاية الحسبة والمظالم وغيرها .

3- الجهاد وما يستتبعه من قيادة الجيوش والإعداد المادي والمعنوي أو العلاقات الدولية . . وهو من أعظم الولايات في إدارة البلاد .

4- جوانب الأسرة والاجتماع . . وهي من أبرز الجوانب التي ميزت السياسة الشرعية . . فالإسلام يبني الدول والعمران ويضع قواعد حاكمة لنظام الأسرة والعلاقات الاجتماعية والثقافية . . ولهذا رأينا من يكتب عن اختصاصات الولاة في الدولة المسلمة يشدد على جوانب مثل التفكير والاجتهاد الشرعي وعلاقات الزواج والطلاق وتربية الأولاد ورد المظالم وتوثيق عرى المجتمع . . باعتبارها جزءاً من السياسة الشرعية .

5- الولايات أو رئاسة الدولة . . وما تستتبعه من وجود الحاكم وسلطاته ومشروعيته وجهاز الدولة التنفيذي من قضاء ووزارات وشرطة . . ومن مسؤوليات تقوم بها الدولة تجاه رعاياها .

نظرية السلطة

ويتوقف الدكتور كمال عند نقطتين مهمتين في مجال سياسة الحكم . . ويعني بهما السلطة الحاكمة وعملية البيعة والاختيار .

ففي مجال السلطة الحاكمة قدمت السياسة الشرعية مساهمات شديدة الأهمية في مجال الفكر السياسي الإنساني، من ذلك:

- رفع الإسلام عن كاهل البشرية فكرة الحاكم المقدس أو الحكومة الإلهية أو الثيوقراطية . . فليس عندنا قداسة لحاكم بل هو راع ومسؤول عن رعيته أمام الله والناس والقانون .

- وجود السلطة ضرورة وواجب لازم للوجود الإنساني وعمران الكون وحماية الدين . . هكذا فعل المسلمون، ويقول الإمام الغزالي: الدين والسلطان توأمان ويقول الماوردي: يجب إقامة إمام يكون سلطان الوقت وزعيم الأمة ليكون الدين محروساً بسلطانه ويكون السلطان جارياً على سنن الدين وأحكامه .

- ليست مهمة اسم الحاكم (خليفة أو إمام أو ملك أو رئيس) والمهم وظيفته في سياسة الدنيا وحراسة العدل .

- من واجبات المحكوم الطاعة في المنشط والمكره، والنصح باليد واللسان والقلب، والصبر عند الظلم، ومقاومته عند الانحراف المباشر . . يقول الإمام النووي: لا ينعزل السلطان بالفتن، والنصح واجب كما في حديث: أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر .

- العدل والعلم والكفاية وسلامة البدن والعقل والحواس، وعدم الإلحاح في طلب الولاية، وتولية الأصلح في كل ولاية بحسبها .

مبادئ اختيار الحاكم

وفي مجال البيعة والاختيار قدمت السياسة الشرعية مبادئ سامية في اختيار الحاكم من أبرزها:

- الشورى والاختيار الحر وهو وسيلة الفكر الإسلامي في تولية الأصلح .

- البيعة خصوصية شرعية، فالنخبة أو أهل الحل والعقد بالتعبير الشرعي، يختارون والشعب والأمة تبايع هذا الاختيار، وبموضوعية فإن قواعد البيعة والاختيار تفوق جوانب كثيرة مما قدمه الفكر الإنساني في هذا المجال، خاصة مفهوم العقد الاجتماعي الذي تحدث فيه روسو وفولتير وهوبز وغيرهم، فتفاصيل البيعة تتفق وتفوق جوانب العقد الاجتماعي .

- الشعب مشارك ومراقب لحقوقه وواجباته من خلال الوعي والاهتمام بأمر المسلمين، وحماية الحريات والواجبات العامة والخاصة، ورد البغاة والمحاربين المهددين لهوية الدولة نظامها العام .

- الوسائط الديمقراطية الحديثة مثل الانتخابات أو الأحزاب السياسية وأساليب الرقابة والتشريع . . لا تتعارض مع ما قدمه الإسلام في مجالات إدارة شؤون الحكم . . بل هي من مقاصد السياسة الشرعية وأدواتها، طالما أنها لا تتصادم مع حقائق الإسلام وثوابته الشرعية ومصالح الأمة، وقد توسع الفكر الإسلامي في التذكير بهذه المصالح والمقاصد، وحددها الإمام الشاطبي في الموافقات في المقاصد الضرورية (مثل حفظ النفس والمال) والمقاصد الحاجية (مثل السفر والمأكل والمشرب) والمقاصد التحسينية (مثل الزينة والنظافة) وهي ما يسميها الفكر السياسي والاقتصادي الحديث بالرفاهية والترفيات .

وأحب أن أؤكد في النهاية أن الفكر الإسلامي قدم جوانب شديدة الروعة في إدارة البلاد وشؤون الحكم، وأن كثيراً من هذه المبادئ أكثر عمقاً وفهماً لحاجات الناس والمجتمع مما قدمه الفكر الغربي في دنيا السياسة، كما أن وقوع بعض القصور أو التجاوزات من بعض سلاطين المسلمين لا تحسب على السياسة الشرعية بقدر ما يفهم في سياق الخطأ البشري في التطبيق .

أيضاً فإن من أعظم جوانب هذه السياسة الشرعية أنها تلتمس كل ما هو مفيد من تجارب البشرية، لأن الحكمة دائماً ضالة المؤمن، يلتمسها أين وجدها .