عادي
7 فصول تستطلع دور التكنولوجيا في التطوير

تقرير المنتدى الاقتصادي يكشف تحديات العصر الرقمي

03:31 صباحا
قراءة 16 دقيقة
تواجه قيادات القطاع الحكومي في أرجاء العالم تحدياً كبيراً على صعيد تقديم الحكومة الجيدة التي تتلاءم مع القرن الحادي والعشرين، إذ ترزح تحت ضغوط متزايدة لتوفير خدمات أكثر وأفضل لسكان أكثر تمدناً، ولإدارة مسائل معقدة تتنوع بين غياب الثقة بالاقتصاد الكليّ والأزمات الدولية وسط بيئة تعاني تدني مستويات الثقة بالحكومة، والتعقيدات البيروقراطية المتزايدة، ومعوقات الموارد الطبيعية .
ويأتي التقرير الذي أعدّه مجلس المنتدى الاقتصادي العالمي، ليشارك الرؤى ووجهات النظر حول قدرة التكنولوجيا على تعزيز قدرة الحكومة الجيدة، عبر تعزيز الشفافية من خلال البيانات المفتوحة، وتمكين المواطنين من الحصول على خدمات إلكترونية أكثر سرعة ودقة، والمساهمة في تعزيز خطوات الاستجابة لإغاثة المواطنين خلال الأزمات . ويستكشف التقرير أيضاً المخاطر والتحديات التي ينطوي عليها العصر الرقمي المتنامي، بما فيها الضرورة المكلفة والمعقدة لمواكبة الأدوات والتقنيات المتغيرة، والفوارق التي قد تمتد بين مجموعات المستخدمين ممن لديهم سهولة أقل في الوصول إلى التقنيات، وأمن وحماية البيانات والمعلومات .
ويفترض المجلس أن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بوسعها في حال إدارتها بصورة جيدة، أن تسهم في إعادة رسم ملامح الحكومة خلال العقد المقبل عبر توطيد الثقة بالحكومة، والقيادة، وتقديم الخدمات، والتمثيل السياسي، ومكافحة الفساد، والتعاون البيروقراطي، وإدارة الأزمات، والابتكار . وفي كل فصل، يقوم المؤلفون بتعريف الموضوع وبتقييم معناه المتنوع والمتحول، كما يستكشفون تأثير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات فيه، ويوفرون الرؤى الأبرز ويشاركون نماذج حالات يمكن لقيادات القطاع الحكومي الاستفادة منها وتطبيقها في عملهم، ويقوم التقرير أيضاً بتقييم المخاطر التي تتضمن الخصوصية والأمن وإمكانات الوصول والقدرات المؤسسية لإعداد وإدارة خطط تكنولوجيا المعلومات الجديدة .
يعتمد التقرير مسألة "الثقة بالحكومة"، التي تمثل ركناً أساسياً للحكومة الجيدة، كمفهوم يوحد كافة الجوانب، ففي غياب ثقة مواطنيهم بالعملية السياسية وبممثلي الحكومة، تعاني القيادات في تمرير التشريعات وسنّ السياسات . وعلاوة على ذلك، تشكل الثقة مؤشراً كليّاً على الوقت الذي تكون فيه الحكومة جيدة، فقياس الثقة قد يساعد الحكومة على معايرة التقدم ورصد الثغرات والتعلم من أفضل الممارسات حول العالم .
وفضلاً عن الثقة بالحكومة، يرصد المجلس قضية "القيادة في الحكومة" كعامل أساسي ثانٍ وكمتغيرٍ ذي أثر . فثورة المعلومات والتحول الديمقراطي يتسببان بتغيير نوعي طويل الأمد في حكومات القرن الحادي والعشرين ومؤسسات ما بعد العصر الحديث، ومن شأن بناء القيادات في حقبة التكنولوجيا أن يسهم في صياغة العقد الاجتماعي الذي يربط بين الحكومات والمواطنين، مع اكتساب هيكليات السلطة التقليدية ومثلث المحيط والقيادة والتبعية .
ويستكشف الفصل الأول مفهوم "الثقة بالحكومة" و"دور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات" في مسألة الثقة، وفي حين تنبع أهمية الثقة من أسباب عديدة، من بينها سببان أساسيان يبرزان عن غيرهما، أولهما أن الثقة تمثل موقفاً إيجابياً ينطوي على قيمة متميزة ويشكل بحد ذاته غاية منشودة . والثاني أن الثقة تسهم في تحسين قدرة الحكومات على خدمة المواطنين . ويوفر المؤلفون إطار عمل يتناول الثقة والأداء الحكومي من حيث الشفافية والتناغم مع الجمهور وقابلية المساءلة وإمكانية الوصول والقدرة على الاستجابة، كما يستكشفون طبيعة وأهمية الثقة، والتوجهات الراهنة في ثقة الجمهور بالحكومة، والعوامل المساعدة على بناء الثقة، وقدرة تكنولوجيا المعلومات على توطيد أو هدم الثقة .
وفيما يلي مجموعة من أبرز الدروس المستفادة والتوصيات ذات الأهمية:
* إن التقنيات التي تسهم في تحسين الأداء الحكومي قد تكون الأقوى عند تطبيقها بالاقتران مع (أو كجزء من) استراتيجية متناسقة تركز على المواطنين .
* تحتاج الحكومات إلى إعداد بيئة مناسبة تسهم في التمكين وإطلاق قدرات التكنولوجيا وتسخيرها لتعزيز الثقة، ويتضمن ذلك دعم التقنيات على غرار الإنترنت فائق السرعة والاتصال اللاسلكي وإطار العمل الملائم لمعالجة مسائل الأمن والخصوصية والقدرة على الاتصال .
* ليست التكنولوجيا حلاً سحرياً للوصول إلى ثقة أكبر، فالحكومات الإلكترونية أو منصات المشاركة الإلكترونية البطيئة أو غير الفعالة قد تضّر برؤية المواطنين للأداء الحكومي الذي يشكل مكوناً أساسياً للثقة .
* على القيادات الحكومية أن تفكّر مليّاً بتصميم نظام يسخّر التكنولوجيا بفعالية لإعادة بناء الثقة .
ويبحث الفصل الثاني في "القيادة" في الحكومة، إذ يناقش تطور القيادة وفعلية وكيفية تغيرها جراء التكنولوجيا . كما يتناول المؤلفون تصنيفين للقيادة في مواجهة التكنولوجيا، أولهما التصنيف الداخلي المتعلق بشخص القائد ومنصبه والعمليات والنتائج، والخارجي لكونه يتعلق بالتبعية والسياق .
وتضم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ثلاثة جوانب أساسية قادرة على تطوير القيادة في القطاعين الحكومي والخاص، وهي تكنولوجيا المعلومات والبيانات الضخمة والتقنيات سريعة الانتشار .
وبالنسبة لتكنولوجيا المعلومات فإنها تترك أثراً في هيكلية المؤسسات، فالهياكل التنظيمية الهرمية تكتسب طابعاً منبسطاً، في حين تسهم شبكات تعهيد الأعمال في تعزيز الأرباح عبر التوزيع الفعال للموارد (العمليات) . وعلاوة على ذلك، فإن القدرة الحالية للوصول إلى المعلومات، وإمكانية التعبير والقدرة على التواصل، تؤثر في العلاقة التي تربط بين القيادة وأتباعها بصورة أكثر بكثير من أي تقنيات سابقة في مجال المعلومات الوظيفة .
أما البيانات الضخمة، بوسع الحكومات أن تستفيد من استخدامها وتحليلها لتعزيز الكفاءة (العمليات) .
وبينما توصف التقنيات سريعة الانتشار بأنها العملية التي تشهد نشوء أحد المنتجات أو الخدمات بشكل أولي في التطبيقات البسيطة في قاعدة السوق، لينطلق بسرعة إلى قمة السوق ويحل بالتالي مكان المنافسين المعروفين .
وسوف يتعين على الحكومات، إضافة إلى كبرى الشركات حول العالم، أن تعكف على تسخير التقنيات الأسيّة والابتكار في سبيل دفع عجلة أهدافها بسرعة قصوى .
أما الفصل الثالث، فهو يركز على تأثير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات على صعيد تقديم الخدمات، نظراً لأن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات تتمتع بالإمكانات التي تتيح لها تحسين الأداء الحكومي وإعادة بناء الثقة . وفي يومنا الراهن، تلعب التقنيات الرقمية دوراً متزايد الأهمية في الحياة اليومية للناس والشركات، لتبدل بذلك المواقف تجاه طبيعة وطرق تقديم ومزودي الخدمات العامة .
وتتضمن التقنيات المشار إليها، البيانات المفتوحة والبيانات الضخمة، والتقنيات المدمجة و"إنترنت الأشياء"، والمنصات المتنقلة المتكاملة والشاملة، والحوسبة السحابية، وشبكات الجيل التالي، وبكافة الأحوال، قد تترافق هذه التقنيات بمجموعة من المخاطر والتحديات التي يتعين على الحكومة مواجهتها .
ويستطلع المؤلفون دور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في تحسين وتطوير الخدمات، وتمكين المواطنين من المشاركة في ابتكار خدمات جديدة، وضمان الظروف اللازمة لتطبيق هذه التحسينات بنجاح، ومن أجل تحقيق ذلك يجب الربط مع استراتيجية أو خطة حكومة رقمية شاملة، حيث إن التشخيص الدقيق قد يسهم في تقييم النضوج الرقمي ورصد التقنيات والمنصات التي يمكن استخدامها .
كما يجب التشجيع على تبني النماذج الجديدة لتقديم الخدمات، وعلى هذا الصعيد، تمثل الشمولية الشرط الأول لتحقيق هذا الهدف، إذ قد يتوجب على الحكومات أن تستثمر في البنية التحتية، كما نوه المؤلفون بضرورة الاستثمار في القدرات الجديدة، البشرية والتقنية على حد سواء، إذ إن التقنيات الرقمية تشكل عاملاً مهماً للتمكين ووسيلة للتواصل والتفاهم بين الأطراف . ويستدعي الأمر توفر مهارات أساسية لضمان الاستفادة القصوى من الفرص التي توفرها التكنولوجيا، وإدارة مخاطرها في الوقت نفسه .
أيضاً فمن الضروري التعاون بين الجهات الحكومية والحكومات والقطاع الخاص . فالشراكات التي تربط بين الأطراف المعنية ومجموعات المستخدمين تتسم بأهمية محورية لضمان معرفة الناس لكيفية الوصول إلى الخدمات الجديدة، كما يجب ضمان موثوقية النماذج الجديدة لتقديم الخدمة، ففي هذا الإطار، يتعين على الحكومات أن تسعى جاهدة إلى الحفاظ على مستوى دائم من التوافر والجودة، حيث ينبغي للمواطنين أن يتمكنوا من الحصول على المعلومات والاعتماد على الخدمات الأساسية حتى في الظروف الملحّة .
ويسلط الفصل الرابع الضوء على كيفية تأثير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التمثيل السياسي . ورغم الآمال التي تنعقد على دور الإنترنت في تمكين الجميع من التمتع بمستوى من التمثيل السياسي، إلا أن الأثر يتفاوت إلى درجة كبيرة .
ويعمد المؤلفون إلى تقييم مجموعة من المنهجيات التي تتيح تحقيق التمثيل، بما فيها الديمقراطية القائمة على التداول والمشاركة، واستكشاف العوامل الخارجية والداخلية التي تؤثر في التمثيل، وكيف يمكن للحكومة صياغتها وتشكيلها، والدور المحدد لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات . فهذه التكنولوجيا تنطوي على تأثيرين أساسيين غالباً ما يعملان بالترادف، فهي توفر مستوى أعلى من التمثيل (الصوت) وتتيح للحكومة رؤية أوسع (المراقبة)، وتصفية المحتوى والتحكم به .
وفي هذا التقرير، يشارك المؤلفون التصميمات والممارسات الأكثر فعالية، والمخرجات التي يمكن توقعها نتيجة توفر مستوى أعلى من التمثيل السياسي على الإنترنت، ويحذرون من مخاطر المنهجيات الفاشلة . ويتضمن ذلك التخطيط والاستثمار، حيث إن هناك العديد من الحكومات غير الجاهزة ل "التفاعل الإلكتروني" المتواصل مع الجمهور، الأمر الذي قد ينطوي على الكثير من التكاليف والتعقيدات .
إضافة إلى ربط الجهات الحكومية الأساسية وتؤدي السلطة التنفيذية ومجالس النواب والمحاكم إلى تحويل اهتمامات المواطنين وتفضيلاتهم إلى سياسات، وينبغي أن تكون مبادرات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات مدمجة في طريقة عملها .
الشمولية، حيث يمكن لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات أن تساعد على رفع مستويات الثقة والشرعية وفعالية صناعة السياسات والحوكمة، لكن "فضاءات" المشاركة الجديدة ينبغي أن تكون مطّلعة ومدارة بشكل يضمن تمثيل الأطراف المعنية .
فهم الحدود الحقيقية، حيث توفر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات العديد من أدوات تحسين التمثيل، ولكل منها تكاليفها وفوائدها التي ينبغي قياسها واستخدام بالتناغم مع الآليات الأخرى .
وأخيراً التفاعل عوضاً عن التقييد، بدلاً من السعي إلى التحكم بقنوات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، تتوفر أمام الحكومة منهجية أفضل تتمثل في تقييم وفهم القنوات، والمشاركة فيها بفعالية لتكون طرفاً في الحوار .
ويأتي الفصل الخامس ليبحث في تأثير التكنولوجيا في مكافحة الفساد، لاسيما أن وباء الفساد يؤدي إلى إفساد الثقة وتهديد الأساسات التي تقوم عليها الحكومة الجيدة، فهو يقوّض فعالية العائدات والإنفاق، ويهدد التنافسية ويضعف العدالة السياسية والأمن والشمولية . ويوضح المؤلفون النظرية التي تقول إن "البيانات الضخمة تثمر عن حكومة أفضل" .
وعلى صعيد تقييم الفوائد والخواطر، يوفر المؤلفون هذه المجموعة من الآراء والرؤى، منها أن إتاحة المعلومات وصناعة القرار ليطلع عليها أكبر عدد ممكن من الجمهور، وهو ما يؤدي إلى مكافحة الفساد وتكتلات حجب المعلومات، والتحفظ وقلة المساءلة، وهي الأركان التي تقوم عليها الأنظمة الفاسدة .
ولبناء حكومة أفضل، تتسم ميزة انفتاح البيانات بأهمية أكبر من الحجم، فالحكومات والمؤسسات بحاجة إلى ضمان إتاحة الوصول إلى البيانات التي تنشرها، وسهولة قراءتها وقابليتها للتعديل والتداول .
ويعد الناشطون في مجال البيانات بمثابة وكلاء للشفافية والمساءلة والتغيير . وبدءاً من مبرمجي التطبيقات إلى المنظمات غير الحكومية وقادة المجتمع المحلي، ينبغي تقديرهم وتمكينهم وحمايتهم .
وستقود التكنولوجيا إلى تغيير حتمي في السياسة، لكن هذا التغيير ينبغي له أن يكون في الاتجاه الصحيح . فالالتزام بالشفافية قد يترافق أحياناً بتكلفة معينة، لكن صناع القرار يتعين عليهم ضمان اتخاذ الجانب الصحيح .
كما يجدر بالحكومة والقطاع الخاص أن يعملا معاً لتحقيق المكاسب المتبادلة، إذ يتعين على صناع القرار الالتقاء بممثلي القطاع لمناقشة الشروط التي يمكن تطبيقها لتوفير مثل هذه البيانات لبعضهم بعضاً، والتفاعل مع الجمهور لجمع الآراء والمقترحات وفهم الأهداف التي ترمي الجهود إلى تحقيقها .
ويتناول الفصل السادس مسألة البيروقراطيات المتماسكة، والعشوائية والانعزالية ضمن الحكومة، فالانعزالية قد تؤدي إلى تقويض الثقة بين الأقسام والمكاتب، وبالتالي ضعف ثقة المواطنين بقدرة الحكومة على تقديم خدمات سريعة ومتناسقة، وفي عالمنا المعاصر، أصبح التعاون والتنسيق والتراتب الأفقي في عمليات الحكومة وتقديم الخدمة، بمثابة حتميات يمكن تيسيرها عبر الإمكانات سريعة التوسع للتكنولوجيا والتغيرات المحورية في بيئة المجتمع والسياسة .
ويستكشف هذا الفصل كيفية تطبيق منهجيات الحكومة بأكملها بنجاح لكسر الانعزالية، والإمكانات اللازمة لجعل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات جزءاً من هذا الحل، ولذلك ينبغي السعي إلى توفير مزيج توليفة يجمع بين الاستراتيجية والجمهور والتكنولوجيا، فالقيادة القوية والمتابعة الفعالة وحسن تحديد المساءلة للممثلين والأطراف المعنية، تشكل جميعاً متطلبات أساسية لإحداث التغييرات ضمن القطاعات ومستويات الحكومة وضمن نطاق سلطتها .
وفي الفصل السابع، نقوم بتقييم الدور الذي يمكن لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات أن تلعبه في الأزمات المتفاقمة أو معالجتها عند تدني أو غياب الثقة بالحكومة، فعصرنا الراهن يشهد بروز الأزمات بين الدول، بما فيها الحرب الأهلية والعنف الطائفي، ويشكل انهيار الثقة بالحكومة سبباً شائعاً للنزاعات الداخلية وحتى الدولية . وفي حين يمكن تسخير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات من قبل المواطنين الساخطين أو فاقدي الثقة لنشر المعلومات وحشد المناصرين، إلا أنه من الممكن أيضاً تسخيرها عبر الجهود الدولية لحماية ومؤازرة المدنيين المتضررين بالأزمات .
وقد بدأ اللاعبون الدوليون باستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لدعم المدنيين في مناطق الأزمات، ولكن المجال ما زال متاحاً لمزيد من التحسينات .
ويسلط هذا الفصل الضوء على أبرز التحديات والطرق التي يمكن لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات أن تسهم من خلالها في تعزيز قدرات الوكالات الدولية لمساعدة المدنيين، منها الصحة، حيث إنه بوسع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات أن تسهم في تحسين خدمات وإمدادات ومعلومات الصحة البدنية والنفسية، في الأماكن التي تشهد نقصاً في العناصر الطبية .
ثانياً: التعليم والتوظيف، حيث يمثل التعليم عن بعد الذي يمكن توفيره عبر الأجهزة المتنقلة غير المكلفة أو عبر أجهزة الكمبيوتر، أحد السبل لردم فجوة التعليم .
ثالثاً: الأمن، ففي سبيل ضمان أمن المخيمات، يمكن استخدام الطائرات بدون طيار بهدف الاستطلاع .
وقد يتطلب إدخال الابتكارات التقنية الحديثة إلى مجال الإغاثة مجموعة من أطر العمل القانونية والتشغيلية لدعم الإجراءات المناسبة من قبل مجتمع الإغاثة . وقد يكون من الأفضل اتخاذ هذه الإجراءات من قبل الهيئات التنظيمية الدولية متعددة الأطراف، نظراً لأن القطاع الخاص بوسعه لعب دور مهم في هذا المجال .
وبدوره، يسلط الفصل الثامن الضوء على الابتكار في الحكومة . فالقدرة على إدراك وتقييم التحديات والاستجابة لها بمرونة، تتسم بأهمية حيوية لتمكين الحكومات من حفظ الاستقرار ومواصلة التنمية في مواجهة الأزمنة المتبدلة . وأثناء التعامل مع القيود المتزايدة مثل الميزانيات المحدودة، والمخاطر الجيوسياسية والمنافسة التجارية، يحتاج القطاع الحكومي إلى التحلي بالابتكار في سبيل تحقيق رسالته بنجاح .
أما الفصل الأخير، فهو يحدد ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الحكومة، أعدها المجلس بالتعاون مع فريق الاستطلاعات الاستراتيجية في المنتدى الاقتصادي العالمي، وتم تطوير السيناريوهات التي تتوقع سياقات محتملة يمكن ضمنها التساؤل حول الأدوار والأشكال المستقبلية للحكومة، بهدف توسيع آفاق تفكير أعضاء المجلس للمساعدة على جعل التقرير على أعلى قدر ممكن من المتانة والوضوح، وهي أيضاً تعد مرجعاً لتسهيل الحوارات البناءة بين طيف واسع من الأطراف المعنية حول الخطوات السياسية اللازمة لضمان استعداد الحكومات للمستقبل، بصرف النظر عما يحمله بين طياته .
وقد أثمر استكشاف الطرق المختلفة لممارسة هذه القوى في المستقبل، عن تطوير ثلاثة سيناريوهات هي:
سيناريو عام 1984 الإلكتروني: وهو عالم تتحقق فيه الوعود بالبيانات الضخمة، وتنتشر فيه التهديدات الاقتصادية والجيوسياسية والإلكترونية، ويشكل التكاتف الاجتماعي قيمة مجتمعية جوهرية . ووسط التقلبات الاقتصادية، وانعدام الاستقرار الجيوسياسي وتنامي مخاوف الأمن الإلكتروني، يشهد هذا العام صعوداً متنامياً في الحس الوطني . فالناس على استعداد لمقايضة جزء من حريتهم وخصوصيتهم مقابل حس متزايد من الأمن الجمعي .
أما السيناريو الثاني هو المجتمع المسور، وهو عالم أفلست فيه الحكومة المركزية، وتقع السلطة السياسية بين أيدي الأفراد ومؤسسات القطاع الخاص، وتسود المجتمع المسؤولية والخيارات الفردية، وقد أصبح القطاع الخاص مزوداً رئيسياً للخدمات المجتمعية .
أما السيناريو الثالث والأخير هو دولة المدينة، ففي هذا العالم، تصبح السلطة لا مركزية لتصل إلى مستوى المدينة وتتغلب فيه البراغماتية على المثالية على صعيد معالجة القضايا المجتمعية، ويؤدي التمدين إلى نمو في أعداد المدن وحجمها وتماسكها .

التطبيقات الذكية تدعم الثقة في الحكومات


في أعقاب الأزمة المالية العالمية، انحدرت الثقة بالحكومة إلى مستويات غير مسبوقة تاريخياً، مما كان له بالغ الأثر على الأداء . فيومنا الراهن يشهد قبولاً أقل للسياسات الحكومية، وارتفاعاً في التكاليف الإدارية، وضعفاً في شرعية القوانين والتشريعات .
وتتمثل الوسيلة المباشرة والأكثر قوة لإعادة بناء الثقة في تحسين خصال وأداء الحكومة، في تعزيز شفافيتها وتحسين عدالة الإجراءات والمساءلة، ورفع القدرة على تلبية احتياجات المواطنين .
ومن أجل بناء ثقة الحكومة والاستفادة مما سببته الأزمة الاقتصادية العالمية .
ويستدعي الوصول إلى الحكومة الجيدة إحداث تغيير جوهري في العلاقة التي تربط بين المواطنين والحكومة، إذ يمكن لقيادات القطاع الحكومي حول العالم أن تسخّر قوة التكنولوجيا بغرض إعادة بناء ثقة المواطنين في سبيل تحقيق هذا الطموح .
وعلى مدار العقدين الماضيين، حققت تكنولوجيا المعلومات والاتصالات انتشاراً واسعاً في مختلف أرجاء العالم، واسهمت في تحويل طريقة حياة الناس وأسلوب عمل الحكومة . ففي يومنا الراهن، أصبح البريد الإلكتروني وسيلة رئيسية للتواصل بين الناس داخل وخارج الحكومة، إذ يشهد كل يوم إرسال أكثر من 140 مليار رسالة بريد إلكتروني . وتستخدم الحكومات الخدمات والتطبيقات السحابية على نطاق واسع لتخزين المعلومات وتزويد المواطنين بإمكانية الوصول إلى البيانات والخدمات، إضافة إلى أن بطاقات الهوية الشخصية الذكية باتت أيضاً تحقق انتشاراً واسعاً .
وعلى صعيد آخر، استخدمت بعض الدول الهواتف المتحركة للاستفادة من الخدمات الحكومية مثل إستونيا، وتحويل النقود في كينيا، وتخطيط التنقلات في سنغافورة . فالتأثير الهائل الذي تتميز به التكنولوجيا، لاسيّما على طريقة خدمة الحكومة للمواطنين وتفاعلها معهم، ينطوي على مقومات متميزة لتعزيز الثقة .
وتتضمن تكنولوجيا المعلومات على وجه الخصوص ثلاثة مجالات قد تسهم في تمكين قيادات القطاع الحكومي من إعادة بناء الثقة بالحكومة، أولهما الحكومة الإلكترونية والمشاركة الإلكترونية، حيث يمكن لهذه الأدوات أن تساعد الحكومات على تقديم خدمات أكثر كفاءة وفاعلية، لتمنح المواطنين آلية لمساءلة الحكومة، وتقليص الآراء المسبقة حيال انعدام العدالة، وتحسين إمكانية الوصول إلى الخدمات .
وبصورة نموذجية، تعني الحكومة الإلكترونية تقديم الخدمات الحكومية بشكل إلكتروني، بدءاً من تحصيل الضرائب ووصولاً إلى الوصفات الدوائية،
وذلك كله عبر بوابة إلكترونية واحدة على الإنترنت .
وقد بادرت عدة بلدان منها كندا وكوريا الجنوبية إلى تطبيق التقنيات التي تتيح إجراء المدفوعات والمشتريات .
وقد يأتي ذلك على شكل التصويت الإلكتروني كما في البرازيل وإستونيا، أو على شكل المشاركة غير الانتخابية حول مواضيع معينة مثل المشاركة في وضع الميزانيات في كولونيا بألمانيا .
وتساعد الحكومة الإلكترونية على تقديم الخدمات للمواطنين بمستويات أعلى من الكفاءة والفاعلية . ففي إستونيا، يمكن تسجيل الشركات الجديدة عبر الإنترنت في غضون 20 دقيقة فقط، كما أنها تمنح المواطنين مزيداً من السبل لمساءلة الحكومات، فمن خلال الموقع الإلكتروني للحكومة، يمكن للمواطنين مشاركة آرائهم ومقترحاتهم، وهو ما يحدث في أمريكا حيث يستقبل الموقع الإلكتروني للحكومة أكثر من 27 ألف تعليق شهرياً .
أيضاً تسهم آليات المشاركة الإلكترونية، لاسيّما في الأنظمة الاقتصادية الناشئة، في تقليص الآراء المسبقة حيال الفساد . ففي البرازيل، اسهم طرح نظام التصويت الإلكتروني في خفض نسبة صناديق الاقتراع التي تم اعتبارها غير صالحة من نسبة 40% حتى أقل من 10%، كما تسهم الحكومة الإلكترونية والمشاركة الإلكترونية في تحسين إمكانية الوصول إلى الخدمات، فأكثر من 90% من سكان إستونيا يحملون بطاقات هوية شخصية إلكترونية، كما قام أكثر من نصف مواطني السويد باستخدام الإنترنت للحصول على المعلومات من الهيئات الحكومية .
أما المحور الثاني لتكنولوجيا المعلومات هو البيانات المفتوحة، التي تسهم في إضفاء الشفافية على عمليات الحكومة ونتائجها، وإتاحة الوصول إلى البيانات الحساسة بكلفة منخفضة، وتعزيز القيمة الاقتصادية عند ترافقها بتحليلات البيانات الضخمة، إضافة إلى خلق قاعدة للتطبيقات التي تلبي احتياجات المواطنين، وتحفيزهم على المشاركة في تقديم الخدمات الحكومية، ومشاركة معايير الأداء التي تمنح الحكومة مزيداً من الشفافية في نظر المواطنين .
وعلى مدار العقد الماضي، شهد مجال توفير الحكومة للبيانات المفتوحة تطوراً ملحوظاً من الرقمنة البسيطة للوثائق الحكومية (مثل سجلات الأراضي والصحة)، إلى تأسيس بوابات إلكترونية للبيانات المفتوحة التي تتيح توفير البيانات الحكومية بصيغة حرّة وغير مقيدة .
وتمتد البيانات المفتوحة لتشمل "بياناتي"، وهي المعلومات التي يتم جمعها حول الفرد ويمكن بعد ذلك توفيرها للفرد نفسه، ويقدّر تقرير حديث صادر عن معهد "ماكينزي" أن البيانات المفتوحة تمتلك المقومات التي تتيح بمفردها تحرير 3 تريليونات دولار من القيمة الاقتصادية عبر سبعة قطاعات اقتصادية .

جوزيف جونيور: ثورة المعلومات أدت إلى تهميش بعض الدول والمجتمعات


قال جوزيف إس ناي جونيور، عميد الجامعة وبروفيسور الخدمة المتميزة، في كلية جون إف كينيدي الحكومية، رئيس مجلس الأجندة العالمية حول مستقبل الحكومة، إن الجدال حول الحكومة الجيدة والسيئة مغرق في القدم ويعود تاريخه إلى أيام اليونان القديمة، وهو قوي بقوة "حكاية الحكومة الجيدة والسيئة" للرسام امبروجيو لورنزيتي، التي تغطي الجدران الثلاثة لقاعة السلام في قصر الجمهور بمدينة سيينا . وفي حالة الحكومة الجيدة، يجلس الحاكم الموّقر بين فضائل الشجاعة والعدالة والشهامة والسلام والحكمة ورباطة الجأش، وتنّم صورة المدينة عن الاستقرار والازدهار والسعادة .
وأضاف جوزيف جونيور، أن التصور المذهل للحكومة الجيدة والسيئة يطرح تساؤلاً أزلياً في الفلسفة السياسية، مفاده: هل الحكومة الجيدة مهمة، وإذا كانت الإجابة أجل، فما السبب؟ وسنعمل على إثبات أهمية الحكومة الجيدة نظراً لثلاثة أسباب رئيسية هي: أولاً، لأن الفرق بين الحكومة الجيدة والسيئة يلمسه المواطنون لكونها تؤثر تأثيراً حاسماً في جودة حياتهم، وثانياً لأن المواطنين مساهمون فعالون في تشكيل حكوماتهم، وثالثاً لوجود محركات تدفع الحكومة الجيدة والاستراتيجيات لبناء مستقبل أفضل .
وأوضح أنه سيتم مناقشة أن الحكومة الجيدة تنطوي على جانب أكبر من الأهمية في العالم الرقمي الذي تأتي فيه التكنولوجيا لتسلط الضوء على مدخلات ومخرجات الحكومة مثل تقديم الخدمات أو الابتكار، الأمر الذي يؤثر بصورة حاسمة في رخاء المواطنين .
وأكد أنه في عالمنا المتصل ببعضه البعض، أصبحت المعلومة تسافر بسرعة أكبر، كما أن الاتصالات أضحت أقل كلفة من ذي قبل . فقد قامت "الإدارة الوطنية للملاحة الفضائية والفضاء" (ناسا) بتنزيل البيانات بسرعة قدرها 622 ميجابت بالثانية، في حين يتمتع المستخدم العادي للإنترنت بسرعة اتصال قدرها 3 .3 ميجابت، وفي جميع الحالات، فإن حقيقة معرفة مواطني الدولة (س) بأن مواطني الدولة (ص) يتمتعون على سبيل المثال بمعايير معيشية أفضل، من شأنها أن تفاقم من معاناة المعيشة في الدولة (س) .
ولفت إلى أن التكنولوجيا ساهمت في تمكين المشاركة المدنية في عمليات صناعة القرار، ومنحت صوتاً للعديد من الجماعات المتصلة .
ويؤدي التمثيل السياسي إلى تأسيس هيكلية سلطة جديدة بين القيادات والمواطنين، إذ تأتي نهضة الأتباع عبر التكنولوجيا لتضفي على الهيكليات الهرمية طابعاً أكثر انبساطاً وتضع الحكومات أمام مزيد من المساءلة .
وأشار جونيور إلى أن تقرير التكنولوجيا ومستقبل الحكومات قدم أمثلة عن الحكومة الجيدة في ثماني مناطق رئيسية، حيث الأداء الجيد في القطاعات الأساسية يؤدي بشكل قياسي إلى دولة أكثر نجاحاً . وعلاوة على ذلك، تأتي الرؤية الاستراتيجية بعيدة الأمد لتعوض عن القيادة الجيدة في العصر الرقمي .
وأضاف، لقد قمنا بتصميم هذا التقرير عبر اختبار فرضيات تقول بأن مكونات الحكومة الجيدة أصبحت تتغير في العصر الرقمي . وفي سبيل صياغة مستقبل مجتمعاتها باستخدام الأدوات المناسبة، يتعين على القيادات الحكومية أن تسأل نفسها عن الشكل الذي ستكون الحوكمة عليه في عام 2050 .
ونظراً لأن ثورة المعلومات أصبحت بالفعل تؤدي إلى تهميش بعض الدول والمجتمعات، وتسهم في الوقت نفسه في خلق فرص جديدة لبلدان أخرى، فما من وقت مثالي يأتي فيه هذا السؤال أكثر من الوقت الراهن، وقد رصد المجلس المحركات المعدودة التي من شأنها أن تؤثر في الحكومة في المستقبل في سبيل تمهيد الأرضية المناسبة للتحول الحكومي .
وهذه المحركات هي: التمدين، الإقليميات الضخمة، وبناء المجتمعات، الهوية، والتوقعات المجتمعية، ووفرة الموارد المالية للحكومة، وتقديم الخدمات من خارج الحكومة، وتوزيع العمل بين الأطراف، والبيانات الضخمة، والقدرات الإلكترونية، ومدى تعقيد التحديات، والبدع والموضات في نماذج الحوكمة، والقيادة .
وتتجسد أولويتنا من خلال هذا التقرير، في بحث السبل التي يمكن لتكنولوجيا المعلومات أن تساعد فيها على تحسين الحوكمة وتقليص مشاعر العزلة والاغتراب بين الأتباع . ومن شأن معرفة التوجهات أن تسهم في تغيير مستقبل الحكومة، وكلنا رغبة بأن نساعد القيادات على تصور المستقبل الذي ترغب بتحقيقه لبلدانها .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"