إعداد: محمد نبيل سبرطلي
ساحل سيليا التابع لمحافظة أنطاليا التركي لا تتوقف قيمته على سحر المشهد: الحدائق الطبيعية والجبال الخضراء والبحر اللازوردي، بل يأتي السياح إلى هذا الساحل ليروا بأم أعينهم بجلاء كيف سادت حضارات ثم بادت . وتحت هذه اللجة الزرقاء الجميلة يسبح السياح وأعينهم مثبتة بذهول على مدن ومعابد ومسارح وصالات ضخمة ومساكن كانت مأهولة غمرها البحر فأصبحت صورة مكملة لسحر المكان .
على ساحل سيليا رست سفن أهم الغزاة في التاريخ القديم أبرزهم إسكندر المقدوني الذي أبحر بقواته على متن سفن عبر هذا المكان الخلاب في طريقه إلى الشرق . ويمكن لعشاق التاريخ القديم في عصرنا الحالي أن ينشروا أشرعتهم ويبحروا من تحتهم في البحر مدنا وآثاراً عريقة غارقة لتروي ماذا حدث لتلك الحضارات التي لم يبق منها سوى أصداء الماضي .
سفن خاشيارشيا رست هنا!!
وعلى متن السفينة يمكن أن يمعن السائح النظر عبر لجة الماء الزرقاء فيرى بقايا مدينة غارقة تخلد في هدوء أبدي وجدران قديمة وسلالم وأرصفة نمطية تحمل بصمات رومانية وكنائس بيزنطية تغطيها الطحالب البحرية .
وعلى مرمى النظر في عمق المياه الشفافة يمكن رؤية مرسى حجري ابتلعه البحر ليبدو وكأنه تحول لحديقة مائية في قلب الماء . وفي هذا البحر، الذي يسلب الألباب، رست سفن الملك الفارسي خاشيارشيا الأول (من السلالة الإخمينية) حيث كانت تتوجه لغزو بلاد الإغريق في القرن الرابع قبل الميلاد . وهنا أيضاً رست سفن بروتس وإسكندر المقدوني والكثير الكثير من الملوك والغزاة وهم يتوجهون شمالاً وجنوباً شرقاً وغرباً للغزو أو للاستكشاف .
الطريق إلى سيليا
هناك وسيلة وحيدة لزيارة ساحل سيليا . ففي الأيام الخوالي، كانت الدروب الجبلية وعرة ولابد من اختراق الجبال للوصول إلى هذا الساحل . ولكن الوسائل العصرية سهلت مهمة السفر إلى سيليا من خلال الفسيحة، وبين منطقة الانطلاق والوصول تتجمع على الساحل الكثير من القرى المدهشة الثرية بآثارها القديمة والحافلة بالمتنزهات والحدائق الطبيعية .
كما تقع أعين السياح على مشاهد صافية وخلابة غير متوفرة في أماكن أخرى فهناك الخلجان الصغيرة المتوهجة بإطلالتها وقدم تاريخها والتي تشهد آثارها على عراقتها وأنها كانت مأهولة تزخر بالتجارة والزراعة والصناعة والحياة قبل أن تحل بها النوائب وتغرق تحت أمواج البحر .
ولكن إذا أراد السائح أن يفهم ويدخر في ذاكرته أسرار ساحل سيليا لابد أن يسافر إليها عبر البحر على متن مركب مثلما فعل العظماء والملوك من قبل .
ولذلك عمدت الورش المحلية في القرى المطلة على المكان إلى بناء مراكب لهذا الغرض وسفن تقليدية لها شراعان بأعمدة سميكة، وتلك المراكب تزحم الساحل . ولاتزال هذه المراكب تنتج يدوياً في ورش محلية في بودروم ومرمرة، لكن نشأة تلك الصناعة لا تزال موضع جدل بين المؤرخين .
مراكب "الغوليت"
يمكن وصف الرحلة إلى ساحل سيليا بأنها رحلة بحرية ممتعة على متن اليخوت، وهي الرحلة الأكثر فخامة بالنسبة للسياح ومنظمي الرحلات في تركيا . وخلال العام الحالي أدخلت إدارة السياحة ثلاثة يخوت "غوليت" من هذا النوع إلى الخدمة لتأجيرها في رحلات خاصة، وهي تمثل أفضل اليخوت تقنية متوفرة في الأسواق . وفيما أبقى الصناع السمات القديمة راسخة في تلك المراكب يعكس ذلك اللواح الخشبية التي كانت مراكب "الغوليت" القديمة تصنع منها .
ويحتوي متن القارب على مجلس ومائدة طعام تتسع ل 15 شخصاً وسرير نصف دائري فسيح وعدد كبير من الوسائد فضلاً عن مجلس آخر بالقرب من مقدمة المركب وجاكوزي وخمسة كبائن تكفل للسياح رحلة مريحة .
صباح النعناع والخزامى
تنتشر على طول الساحل المطل على البحر المتوسط عوالم أثرية قديمة تبعث الحياة في الرحلة البحرية القريبة من الشاطئ، فحول كل لسان يمتد من اليابسة إلى البحر يبرز التاريخ ليحكي ملاحمه القديمة وقصص حضارات سادت ثم بادت وشعوب عريقة سكنت هذه البقاع الخلابة وتركت آثارها وراءها بعد أن اختفت من صفحات التاريخ . وليس بعيداً عن الشاطئ تبرز الكثير من الآثار الرومانية والبيزنطية والقلاع التي شيدها الصليبيون وهم في طريقهم لغزو القدس . وبعد أن يقضي السياح فترة الصباح وهم لا يملون من السباحة في اللجة الزرقاء وبعد تناول الغداء مع المقبلات، وهي سلسلة طويلة من الأطباق الفاتحة للشهية التي تكاد لا تنتهي، تأتي فترة تناول الشاي مع الأصناف المختلفة للكيك الطازج، ويتم بعدها الإبحار صوب مسرح روماني أو مدينة غارقة وهو ما يضفي على الرحلة البحرية أجواء غنية بالصور التاريخية وهنا لا يتوقف المرشد السياحي عن إلقاء محاضراته المثيرة التي توضح كل شيء مثير للفضول والمعرفة غارق تحت الماء .
وطبقا لجدول الرحلة ، يبحر المركب في صبيحة اليوم التالي عبر خليج صغير وتستقبل السياح مجموعة من الجزر الصغيرة التي تقع على مسافات بعيدة من الشاطيء . وترسو السفينة عند مغارة بحرية محاطة بالجبال، ويغلف صوت ارتطام الموج المركب بينما تغطي المكان رائحة زهور الخزامى وشذا النعناع البري يعطر سطح المركب وينفذ إلى خياشيم ركابه . وما أن يعطي القبطان إشارة الأمان حتى يندفع جميع المقيمين بالمركب إلى البحر الرقراق ويقفزون وسط سرب من الأسماك الفضية صادف وجودها هناك .
ومن هذه السواحل انضم السيليون إلى جيش خاشيارشيا الأول (ملك فارس) في القرن الرابع قبل الميلاد، وهنا أيضاً تناول إسكندر المقدوني عشاءه تحت ضوء القمر وهو يواجه مستقبله الغامض . ووصل بروتس إليه بحثاً عن الولاءات . وقام الامبراطور الروماني هادريان برحلته البحرية المثيرة برفقة زوجته في تلك الأيام السعيدة التي لاتزال آثارها تجسدها المباني الدارسة . وفي هذا المكان أيضاً أمر نيرون في لحظات تجلي نصب منارة عملاقة، وإليه قاد الملك الفينيقي هانيبعل أسطوله من بيرغامون لمواجهة الرومان .
ويكفي هنا أن يستيقظ السائح صباحاً على روائح عطر الزهور البرية ورائحة النعناع التي تغشى أنفاسه ومشهد الجبال الخضراء واللجة الزرقاء على مد النظر .
عادي
سيليا التركية . . بحر لازوردي في أحضان الجبال
16 نوفمبر 2013
02:33 صباحا
قراءة
4
دقائق