محمد رباح

بدت الصورة في مدارسنا، مع نهاية الأسبوع الماضي قاتمة، بعد أن غابت الروح عن الفصول الدراسية، التي أصبح وداع طلبتها لها قبل بدء كل إجازة رسمية أو امتحانات فصلية من مسلمات العملية التعليمية، في مشهد ستتوارثه الأجيال القادمة من الطلبة، فالمتابع لخفايا الميدان التربوي، لم يبد اندهاشاً كبيراً لمشهد الغياب، فجميع الأدلة كانت تشير إلى أن حالة من الغياب الجماعي ستعرفها مختلف المدارس، بعد أن أضحت مسألة عدم الالتزام بالدوام المدرسي ثقافة، يتوارثها الطلبة من مرحلة تعليمية إلى أخرى، حيث تتسع دائرتها شيئاً فشيئاً، لتطال حتى الطلبة المتفوقين الذين يسرحون إلى منازلهم، لاستحالة استمرار الدراسة في فصول اكتضت بكل شيء عدا العنصر الرئيسي في العملية التعليمية.
قضية الغياب الجماعي تطل علينا سنوياً مع كل مناسبة، حتى أنها أصبحت إحدى الثقافات الطلابية، التي لا يوجد للصدفة مكان لحدوثها، بل إنها تستجمع مختلف عناصرها مع سبق الإصرار، فترى التحضير لها يبدأ مبكراً، في ظل مباركة أولياء الأمور، وعجز وزارة التربية والتعليم عن اتخاذ قرار بحق الطلبة المتغيبين، وتحميل المدارس والمناطق التعليمية المغبة لها، ومطالبتهم إياها بتفويضهم صلاحية عقابية، تتيح لهم وأد الظاهرة، التي إن دلت على شيء فإنما تدل على إهمال كبير، وغياب لروح الانضباط.
الغياب المتعمد يميط اللثام عن ثقافة يصعب مقاومتها، أتت وليدة مساهمة غير مباشرة من مختلف أطراف العملية التعليمية، حيث الطالب ينشد الغياب بحجة التحضير للامتحانات، والأهل لا يقوون على رفض طلبه، خوفاً من أن يكون بحاجة فعلية لإجازة تكون عوناً له على استذكار مادة ينحصر عدد صفحاتها عاماً بعد الآخر، فيما الإدارات المدرسية توحي لطلبتها بطريقة غير مباشرة بعدم الحضور، لاستغلال ذلك في تحضير القاعات، والانتهاء من الكشوف.
من الواضح أن الميدان التربوي بدا متفهماً لحالات الغياب الجماعية، حتى أنه يجزم أن المشهد سيتكرر مستقبلاً، بعد أن أضحى ثقافة جديدة جاءت نتاج تطبيق نظام الفصول الدراسية الثلاثة، ما يستدعي إعادة النظر في عدد أيام تمدرس الفصل الأخير، وحجم المادة التي يبنى الاختبار بالاستناد إليها.
الوزارة مطالبة بضرورة تحديد موقفها من مسألة الغياب التي تحولت إلى ظاهرة، وعدم ترك الباب مشرعاً أمام الطلبة لتحويل دفة العملية التعليمية كما تشتهيها أنفسهم، فيقرعون نفير الغياب قبل الامتحانات، ويصلون أيام الإجازات، بعد أن أمنوا جانب العقاب، وأصبحوا على يقين أن المسألة ستنتهي عند حدود لفت النظر لا أكثر ولا أقل.
العام الدراسي أيامه تتآكل، وساعات التمدرس تنحسر إلى نسب غير مسبوقة عالمياً، ما يستدعي تدخلاً سريعاً، كي لا تعلو كلمة الطلبة على القوانين واللوائح، ولا بديل هنا عن تغليظ العقوبة، لوضع حد لظاهرة أتت وليدة مساهمة غير مباشرة من مختلف أطراف العملية التعليمية.
التعلم من التجارب ضرورة لمن ينشد التطوير والتحسين، وحالات الغياب الجماعية تستدعي تدخلاً سريعاً.

[email protected]