كون هالينان *

القوى النووية في العالم ملزمة قانونياً بنزع أسلحتها، في وقت يؤكد الاشتباك الأخير بين القوتين النوويتين الهند وباكستان، ضرورة التحرك نحو إزالة الأسلحة النووية في العالم.
تلزم المعاهدة الدولية لحظر الأسلحة النووية، الموقعة في عام 1996، جميع الدول التي تمتلك أسلحة نووية بتفكيك هذه الأسلحة.
والغاية من هذه المعاهدة لم تكن منع انتشار الأسلحة النووية فحسب، بل أيضاً «تحديد مدة قصيرة محددة لنزع شامل للأسلحة النووية تحت إشراف دولي دقيق وفعال». وقد وقّعت 191 دولة على هذه المعاهدة على أساس تفاهم دولي، بأن تتخلى القوى الكبرى عن أسلحتها النووية. ولكن هذه القوى لم تتخذ حتى الآن أي إجراء فعلي لإزالة أسلحتها النووية.
وإذا كان الأمريكيون والروس قد خفضوا مع مر السنين أعداد الرؤوس النووية في ترسانتيهما، إلاّ أنهما تنفّذان حالياً - ومعهما الصين - برامج ضخمة لتحديث أنظمة أسلحتهما النووية. وبدلاً من وجود عالم خالٍ من الأسلحة النووية، نشهد اليوم استمرار وجود هذه الأسلحة، إضافة إلى برامج ضخمة لتحديث القوات العسكرية التقليدية. وبالنسبة للبلدان التي لا تمتلك أسلحة نووية، أصبح عالمنا اليوم أسوأ العوالم الممكنة.
وهذا الوضع الخطر كان واضحاً تماماً خلال الاشتباك العسكري الأخير بين الهند وباكستان - حيث تبادلت الدولتان هجمات جوية ومدفعية، مع حرصهما على إبقاء الأزمة تحت السيطرة. ولكن الأزمة انطوت على خطر رهيب، لأن كلتا الدولتين تتبنى استراتيجية تشمل احتمال تصعيد نووي.
وفي ما يتعلق بالهند، فهي تتبنّى عقيدة عسكرية تسميها «بداية باردة»، إذ تسمح للجيش الهندي بالتغلغل حتى مسافة 30 كلم في عمق أراضي باكستان من أجل مطاردة «إرهابيين». ومن جهتها، تعتمد باكستان إستراتيجية تمنح قادة الجبهات العسكرية الحدودية، سلطة استخدام أسلحة نووية تكتيكية ( أسلحة محدودة القوة مصممة لاستخدامها في ميدان معركة في حال اندلاع حرب).
وما يزيد من احتمال تراشق نووي بين الهند وباكستان، هو التفاوت الكبير بين حجم القوات العسكرية لكل من دولتين تعد إحداهما 200 مليون نسمة والأخرى 1،3 مليار نسمة.
وتحتفظ باكستان، بموجب عقيدتها العسكرية، بحق البدء في استخدام أسلحة نووية. أما الهند، فإن عقيدتها العسكرية تقضي بعدم المبادأة باستخدام أسلحة نووية، ولكنها تتضمن إمكانية استخدام هذه الأسلحة «في حالات معينة».
باختصار، ليست هناك قيود فعلية تمنع تفجر حرب نووية بين الدولتين.
وفي حال تفجر مثل هذه الحرب، فإن تأثيرات الانفجارات النووية لن تكون محدودة إقليمياً فقط. وحسب دراسة مشتركة كبرى لجامعات كولورادو، وروتجرز وكاليفورنيا ( في لوس آنجلوس ) في الولايات المتحدة، فإن تراشق الهند وباكستان بمئة قنبلة نووية فقط بقوة قنبلة هيروشيما لن يؤدي إلى مقتل وإصابة 45 مليون إنسان فحسب، بل سوف يطلق أيضاً في الجو سُحباً تغرق العالم في «شتاء نووي» ( خال من أشعة الشمس ) لمدة 25 سنة. وهذا بدوره سوف يخفض درجات الحرارة عبر العالم إلى مستويات العصر الجليدي، ما سيتسبب بمجاعات إقليمية على نطاق واسع. وحسب الدراسة، فإن الإنتاج العالمي للحبوب سوف ينخفض بنسبة 10 - 15 % في نصف العقد التالي. وهذا سيعني أن «الملياري إنسان الذين يعانون اليوم من نقص غذائي، سوف يموتون نتيجة للجوع والأمراض عقب تراشق نووي بين الهند وباكستان».
وهذا بدوره يعني أنه لا يوجد شيء يمكن تسميته حرباً نووية «إقليمية» أو «موضعية».
والمشكلة الكبرى التي يواجهها عالمنا اليوم، هي أن من الصعب تحقيق نزع شامل للأسلحة النووية، لأن القوى النووية الكبرى تصر على الاحتفاظ بترساناتها. وهذا بدوره يشجّع دولاً أصغر على صنع - أو التخطيط لصنع - أسلحة نووية في محاولة ل «موازنة» القوات النووية للقوى الكبرى.

* برفسور في الصحافة وصحفي أمريكي - موقع «أنتي وور»