حوّل أردوغان تركيا إلى معتقل كبير بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة التي كانت أقرب إلى المسرحية لتبرير حملة الاعتقالات التي طالت الآلاف.
في كل بلدان العالم هناك معتقلون إلا في تركيا، والسبب بسيط هو أن تركيا معتقلة.
هذا ما طرحته وكالة «فرانس برس» منذ أيام حين نشرت موضوعاً لأم تركية تناضل من أجل حرية ابنها المحكوم عليه بالسجن المؤبد، وقد بدأت بتقديم مشهد ينقسم بين وحشية الجلاد وبراءة الضحية.
بحجابها الملون ومعطفها الطويل الذي يقيها برد أنقرة لا تسترعي الوالدة التركية ملك تشيتينكايا انتباه الشرطة، لكنها عندما ترتدي سترة تطالب بالعدالة لابنها المسجون فرقان، فإن دقائق قليلة فقط تكفي لوصول شرطيتين تأخذانها بصمت وتقتادانها في عربة الاعتقال التي تدور على الوالدة ملك وأمثالها في رحلة القمع الوحشية التي يغيب فيها القانون والعدالة، وتجري عمليات تلميع الجرائم وتشويه الضحايا، وهي لعبة رجب طيب أردوغان المقيتة.
منذ بدأت هذه المرأة التركية احتجاجاتها أواخر سبتمبر/ أيلول الماضي اعتقلت قرابة 30 مرة، وبعد كل اعتقال تزداد إصراراً وقوة، وهي على قناعة بأن الحق والعدل سينتصران، ولكنها في غير غفلة عما تحيكه سلطات القمع من دسائس رخيصة للإيقاع بها وهي تخوض معركة أنبل قضية بالنسبة لها.
لا شيء يثني الأم ملك، لأنها تحارب من أجل ابنها تلميذ سلاح الجو الذي لم يناهز 19 عاماً عندما سجن في يوليو / تموز 2016م إثر الانقلاب الذي أطاح بأعداء أردوغان في مذبحة عسكرية وسياسية ستبقى تداعياتها مفتوحة في الوضع التركي لمراحل وليس لفترات قليلة.
في هذا الشأن، كما هو معروف، لقي مئات التلاميذ العسكريين الآخرين مصير فرقان، وباتوا يواجهون عقوداً من السجن لدورهم في مسألة تقول عائلاتهم: «إنه لم تكن لديهم وسيلة لفهمها»، نظراً لوجودهم في فترة قصيرة، ولأنهم ينفذون تعليمات قاداتهم، وهو الأمر الذي أدخلهم ذات الوضع الملتبس، حيث يعاملون من دون رحمة، ويستخدمون كبش فداء.
وما هو جدير بالذكر أن الوالدة التركية ملك حين لجأت إلى مطالبها ووسائلها المشروعة لم تصطدم بواقع التجاهل وحسب، بل والاستهداف أيضاً.
تثابر الوالدة ملك في مطالبها بالإفراج عن ابنها وزملائه، وتتساءل: كيف يمكن لهؤلاء الأولاد أن ينفذوا انقلاباً؟ وتحض المارة في الطريق على أن يكونوا مدركين للظلم والمخالفات والعملية القانونية غير العادلة التي مر بها ابنها وآخرون.
وفي المشهد صرخت قبل لحظات من توقيفها: «رجاء احرصوا على سماع أصوات التلاميذ العسكريين».
الوالدة ملك تطالب بسماع أصوات التلاميذ العسكريين، لكن الإشكالية هي أن السلطات البوليسية لا تسمعها، ولا تريد أن تسمعها.
اعتقلت 30 مرة نتيجة المراقبة والمتابعة وكتم الأنفاس وتقييد الحركة. هذه هي علاقة المواطن بالسلطة في تركيا. فالمسألة تعود إلى سياسة القبضة الوحشية، حيث باتت تركيا معتقلاً للحرية والعدالة والكرامة؟
لعل من المناسب الإشارة هنا إلى أنه بعد محاولة الانقلاب اعتقل عشرات الآلاف، وتم فصل قرابة 150 ألف موظف في القطاع العام، وكانت العملية قد هزت أركان وبنيان النظام الذي خرج من الانقسام إلى التفكك، وبات مفتوحاً على الانهيار.
ومما هو جدير بالذكر أيضاً، أمام هذا التداعي، الموقف الاستحقاقي القانوني والأخلاقي الديني والإنساني الذي اجترحته الوالدة ملك منذ بداية مواجهتها قضية ابنها وزملائه، إذ كانت تأمل في البدء أن يحقق النظام العدالة، لكن مع المحاكمة الظالمة تبددت تلك الآمال.
وقالت الوالدة ملك: «عندما وافقت محكمة الاستئناف على الحكم بدأت أعتقد أن لا عدالة في هذا البلد، وبدأت أسعى لتحقيق العدالة في الشارع».
ومع تمسكها بثبات ببراءة ابنها وزملائه من وقيعة الانقلاب، تؤكد أن لا أحد في الأسرة لديه صلات بالداعية فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة، والذي تتهمه الحكومة بإصدار أمر الانقلاب.
منذ إدانة ابنها تقوم تشيتينكايا كل أسبوعين برحلة بالحافلة ذهاباً وإياباً تستمر 20 ساعة لزيارته في سجن سيليفري الواقع على مشارف إسطنبول.
وخلال واحدة من تلك الرحلات قررت القيام ب «مسيرة العدالة» من أنقرة إلى السجن لتسليط الضوء على قضية ابنها، لكنها اعتقلت واحتجزت قبل أن تبدأ السير، واحتجزت لثلاثة أيام، وباتت متهمة بأكثر من قضية، ومن ذلك الانتماء إلى منظمة إرهابية مسلحة.
قالت: إنها لم تكن مدركة في السابق مدى الظلم في تركيا، بل صوتت لأردوغان في الماضي. وأوضحت: «كنت ربة منزل منشغلة ببيتي وأولادي.. كنا نصدق ما نشاهده على التلفزيون، هذه التجربة علمتنا أن وسائل الإعلام لا تنقل الحقيقة».
في الختام تقول الوالدة ملك: «عندما كنت أذهب لزيارة ابني كنت أبكي باستمرار، لم أكن قادرة على وقف دموعي، بل حتى فكرت في الانتحار، لكنها لا تستسلم، وتؤكد: «الشخص المحق يجب ألا يخشى شيئاً، أستمد شجاعتي من براءة الأولاد».