أثناء الصراعات، تكون الكِذبات الصغيرة في بعض الأحيان، هي التي تفضح الخداع المستمر، والصراع الحالي في غزة ليس استثناءً من ذلك.
في أواخر الشهر الماضي، حاولت السفينة التي تحمل اسم الكرامة، والتي تديرها المنظمة الخيرية، المسماة حَرروا غزة، أن تبحر من قبرص الى غزة. وكان على متنها أكثر من ثلاثة أطنان من المواد الطبية التي يحتاج إليها سكان غزة حاجة ماسة، كما كان هنالك أيضاً ثلاثة أطباء على هذا القارب الذي يبلغ طوله 20 متراً، يبحرون الى غزة لمساعدة مستشفياتها المزدحمة والتي تعاني من نقص مزمن في المواد.
كانت مهمةً خطيرة، وكان البحر الأبيض المتوسط في تلك الليلة مضطرباً هائجاً، وكانت تلك السفينة قد قامت بخمس رحلات لإيصال المساعدات الى غزة، متحديةً الحصار المفروض من قِبل إسرائيل، منذ سيطرت حماس على غزة سنة 2006.
ولكن السفينة، لم تفلح في الوصول هذه المرة، فقد هوجمت الكرامة من قبل سلاح البحرية الإسرائيلي في المياه الدولية، على بعد نحو 90 ميلاً من ساحل غزة. أحاطت بها عدة سفن حربية إسرائيلية، وأطلقت عليها نيران الذخيرة الحية، وصدمتها عن عمد ثلاث مرات. وحسبما ذكر قبطان السفينة، دينيس هيلي، جاء الهجوم الإسرائيلي من دون أي تحذير، أو أي استفزاز.
وتدعم التصريحات التي أدلى بها أناس مستقلون على ظهر القارب تلك الليلة رواية هيلي لما حدث. وكان من بين الركاب، سينثيا ماككيني، وهي عضوة سابقة في الكونجرس الأمريكي. وقد قالت، تعقّبتنا قوارب الدورية الإسرائيلية نحو 30 دقيقة، ثم صدمتْنا فجأةً نحو ثلاث مرات، مرتين من أمام ومرة من الجنْب، وقال الإسرائيليون إنهم (يشعرون) بأننا متورطون في أنشطة إرهابية.
وكان من ركّاب السفينة أيضاً، مراسل فيديو تابع لشبكة سي إن إن الإخبارية، يُدعى كال بِنهول، كان ذاهباً الى غزة لتصوير الصراع. وقد قال: فجأةً سمعنا صوت الارتطام المدويّ، لا ندري من أين ظهر أحد قوارب الدورية الإسرائيلية بأنواره المطفأة، واتجه نحو الجانب الأمامي لقاربنا وارتطم به، ومع الارتطام تحطمت قمرة توجيه القارب، وأصبح جزء من السقف آيلاً للسقوط. وقد سجّل بنهول تلك اللحظات، حين بدأ الماء يتسرّب الى داخل القارب، وتم توزيع سترات النجاة على ركّابه، وقيل لهم أن يستعدّوا لمغادرته، ومن حسن الحظّ أن قبطان السفينة أفلح في تشغيل مضخة نضح الماء من جوفها، والمحافظة على توازنها، حيث جرجرت نفسها حتى دخلت ميناء صور في لبنان. وكانت محظوظة بالبقاء طافية على سطح الماء، كما كان الحظّ حليف ركابها حيث ظلوا على قيد الحياة.
فماذا قال الإسرائيليون عمّا حدث؟ حاولوا إلقاء اللوم في الحادث على منظمة حرروا غزة، وقالوا إن سفينة الكرامة قد اصطدمت بقاربهم وليس العكس. كما أنكروا حدوث أي إطلاق للنار.
أولاً، من اللافت للنظر أنّ الإسرائيليين صدموا قارباً للمساعدات الإنسانية، وثانياً، أنهم كذبوا بخصوص ما سبّب الحادث. وبالمقارنة مع المذابح التي تمعن إسرائيل في ارتكابها داخل غزة ذاتها، لا تشكّل حادثة سفينة الكرامة شيئاً يُذكر في هذه المأساة. ولكنها مهمة بصورة حيوية لأنها تقول لنا شيئاً: هو إن إسرائيل على استعدادٍ للكذب جهاراً نهاراً وبكل برود. فإذا لم نستطع أن نثق بإسرائيل أن تقول الحقيقة بشأن حادث مع قارب يحمل الإمدادات الطبية، فهل نستطيع أن نثق بها في أي شيء آخر؟ والجواب هو: كلا، بطبيعة الحال.
في اليوم التالي لحادث سفينة الكرامة، نشرت صحيفة جِويش كرونيكل مقالة مهمة، تناولت حملة إسرائيل الدعائية الجديدة الخاصة بالصراع، فقالت إن إسرائيل تشعر بالنجاح في حرب العلاقات العامة. وكشفت المقالة أن الدولة العبرية أجرت صيانة شاملة لآلة دعايتها وعلاقاتها العامة، منذ صراع لبنان سنة ،2006 فقد عكفت على مدى ستة أشهر قبل غزو غزة، على وضع استراتيجية جديدة للعلاقات العامة، تدعم وتروّج رواية الأحداث من وجهة النظر الإسرائيلية. ولدى إسرائيل الآن مديرية إعلام وطني جديدة ضمن مكتب رئيس الوزراء، تقوم بتنسيق رسالة الحكومة الإسرائيلية عبر دوائرها الحكومية المختلفة. فقد تعلمت إسرائيل من صراعها في لبنان، عندما انتُقِدت على نطاق واسع واعتُبِرتْ معتدية، ولم يُعتَبَر ذلك الصراع كارثة عسكرية وحسب، بل خسرتْ فيه إسرائيل، معركة العلاقات العامة أيضاً.
وهي لن تسمح لذلك بأن يحدث ثانيةً، ولذلك فإنّ لدينا الآن عدداً أقل من الضباط العسكريين؛ ونساءً أكثر؛ ورسائل خاضعة لسيطرة صارمة؛ ووزراء منضبطين. وإذا كان لا بدّ من إجراء مقابلة مع مسؤول عسكري،، فسوف تكون المقابلة على الأغلب مع ضابطة عسكرية، لكي تعكس صورة أنثوية أنعم.
ونتيجة ذلك، ستبدو التغطية الإعلامية في نظر الإسرائيليين أقل عِداء ل إسرائيل بالتأكيد ممّا كانت عليه الحال أثناء حرب لبنان، رغم أن ذلك قد يتغير مع ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين في صفوف الفلسطينيين. ويقول يردين فاتيكاي، رئيس مديرية الإعلام الوطني نعتقد بوجه عام، أننا نجحنا في نشر رسالتنا.
وممّا يثير القلق، ان هنالك أدلة على نجاح دعاية إسرائيل. فقد جاء في تقديرات أجرتها وزارة الخارجية الإسرائيلية، لثماني ساعات من التغطية عبر الإذاعات الدولية في وقت سابق من هذا الشهر، ان ممثلي إسرائيل حصلوا على 58 دقيقة من التواجد على الهواء، بينما لم يحصل الفلسطينيون إلاّ على 19 دقيقة فقط.
كما ان الإسرائيليين خاضوا معركتهم الدعائية على الشبكة العنكبوتية بجيش من المدونين ومواقع الانترنت الموالية ل إسرائيل، فقد عبّؤوا أنصارهم في المدن المؤثّرة مثل لندن وواشنطن، الذين هبّوا ليَزْحَموا الشبكة العنكبوتية، سواء في غرف الدردشة، أو موقع اليوتيوب، أو موقع تْويتَر. وعلى سبيل المثال، لو دخلت على موقع المركز الإسرائيلي البريطاني للاتصالات والأبحاث، لوجدت فيه: ان حماس قد أجبرت إسرائيل على أن تتصرف عسكرياً، حين تخلت عن وقف اطلاق النار.
وفكرة أنّ حماس هي التي تخلت عن وقف اطلاق النار، كانت إحدى الرسائل الرئيسية التي تروّجها مديرية الإعلام الوطني والتي سندعوها بحق باسم مديرية التضليل الوطني.
وثمة حجة رئيسية أخرى وهي ان إسرائيل هي الضحية في الصراع الذي هو من صنع حماس، وانّ إسرائيل منذ البداية لا تفعل شيئاً سوى الردّ على هجمات الصواريخ التي تطلقها حماس دون أي استفزاز، ولذلك فهي تتصرف دفاعاً عن النفس. والخلل في هذه الحجج مثل حجة القول ان إصابة سفينة الكرامة لم تكن غلطة إسرائيل، انها أكاذيب، أو على الأقل تزوير جسيم للحقيقة.
والأرقام تتحدث عن نفسها. أولاً، ينبغي علينا ألا ننسى الحصار الذي شل الحياة في غزة، والذي يشكل أساس الأزمة برمتها. ففي نوفمبر/ تشرين الثاني من السنة الماضية، أبرز تقرير صادر عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، كيف ان الحصار الإسرائيلي لغزة، له أثر مدمّر على صحة السكان.
وأنه يسبب انهياراً مستمراً في الأمن الغذائي لما يبلغ 70% من سكان غزة، كما يقول تقرير الصليب الأحمر، الذي اختتم بالقول، ان سوء التغذية المزمن آخذ بالتصاعد، كما ان النقص في المكونات الأساسية للغذاء، اللازمة للصحة والنمو، يثير قلقاً كبيراً.
وعلى مدى فترة وقف إطلاق النار المفترض بين الجانبين، واصلت إسرائيل هجماتها على غزة. فما بين يونيو/ حزيران ،2007 ويونيو/،2008 على سبيل المثال، قتلت الهجمات الإسرائيلية 68 فلسطينياً. وفي نوفمبر/ تشرين الثاني بينما كان العالم يحتفل بانتصار باراك اوباما قتلت إسرائيل ستة من مقاتلي حماس. وعلى الرغم من ان حماس ردّت بإطلاق الصواريخ على إسرائيل، فإنه لا يمكن الادعاء بأنها فعلت ذلك دون استفزاز.
وبصرف النظر عن الكلمات التي تستعملها إسرائيل، لا يوجد مبرر للقوة الساحقة التي تستخدمها، فعلى مدى السنوات الثماني الماضية، قتلت الصواريخ الفلسطينية نحو 20 إسرائيلياً، بينما قتلت العمليات العسكرية الإسرائيلية، على مدى السنوات الثلاث الماضية، نحو 1700 فلسطيني في غزة. ومنذ بدء المذبحة الإسرائيلية الجديدة، زاد عدد الشهداء الفلسطينيين عن 500 ( قارَبَ العدد وقت ترجمة هذه المقالة 800 شهيد- المترجم)، بينما قُتِل أربعة إسرائيليين بنيران الصواريخ.
وحتى عندئذٍ، حاولت إسرائيل التبرير بالقول ان معظم الناس الذين قتلتهم من مقاتلي حماس، بينما تبيّن أنّ ثلثهم كانوا من رجال الشرطة. كما انّ عدداً كبيراً منهم مدنيون. وحسب معلومات المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، التي نشرها الأسبوع الماضي، كان قد استُشهد 106 أطفال، و22 امرأة( هذه الأرقام أيضاً أصبحت قديمة-م). وكان ذلك قبل أن تقصف إسرائيل مدرستين تابعتين للأمم المتحدة، فتقتل أكثر من 50 شخصاً، بينهم عائلة بكامل افرادها ومن ضمنهم سبعة أطفال.
وبعيداً عن التعلل بالردّ على صواريخ حماس، هنالك أدلة على ان إسرائيل تستغل الأسبوعين الباقيين من فترة حكم بوش، لتدفع باتجاه إزاحة حماس عن السلطة في غزة بصورة تامة. إن إسرائيل تمضي نحو تغييرٍ للنظام. وترى أن عليها ان تفعل ذلك بينما لا يزال بوش في السلطة، لأن الرئيس المنتخب اوباما، قد لا يؤيد مثل هذا العمل الوحشي.
وهنالك دليل دامغ آخر ضد إسرائيل. فالمرء يعرف ان لدى إسرائيل ما تخفيه، حين تحظر دخول الصحافة الدولية تماماً مثلما يفعل روبرت موجابي في زمبابوي. في الأسبوع الماضي، قالت إسرائيل إنها لن تسمح إلاّ بدخول ثمانية من الصحافيين الدوليين الى غزة، وأنهم جميعاً سيكونون خاضعين للرقابة الدقيقة.
كتب روبرت فيسك، مراسل صحيفة الاندبندنت لشؤون الشرق الأوسط، العريق والذي يحظى بسمعة طيبة، ان الحظر الذي فرضته إسرائيل على الصحافة يمكن تعليله بمنتهى البساطة، بأن عدداً كبيراً من الجنود الإسرائيليين سوف يقتلون عدداً كبيراً من الناس الأبرياء.. وستكون صور المذبحة أبشع مما يطاق.
وعليه، عندما تستمعون الى ناطق عسكري إسرائيلي يدعي أن قتل المدنيين كان دفاعاً عن النفس، فكّروا بركاب سفينة الكرامة، وكيف شارفوا على الموت، وهم يحاولون إيصال إمدادات طبية، وان قصة ذلك القارب دليل على كذب إسرائيل.
* كاتب مستقل وصحافي تحقيقات يكتب
في الشؤون السياسية والبيئية والصحية