فيما انهمك الرئيس المنتخب باراك أوباما بوضع اللمسات الأخيرة على توزيع المناصب الكبرى في حكومته، وانشغل بالإفصاح عن توزير من وقع عليه اختياره ليعمل ضمن فريقه في السلطة، ثمة قلق دولي يتنامى وخشية من أن إدارته لا تمت للراديكالية بأي صلة، وأنها خاوية من روح التغيير الجذري الحقيقي، إلا أنه بينما انصرف اهتمام العالم إلى اختيارات أوباما في التوزير وتسمرت أنظاره على المناصب العليا في إدارته، اسدل الستار مؤخراً على سباقين آخرين بعدما حسمت نتائجهما في نهاية المطاف، وسيكون لما تمخض عنه هذا الصراع في الكونجرس أثره البالغ في نجاح أوباما في رئاسته. وهنا في هذا الموطن على الأقل يبصر المرء في ثنايا هذه المسألة بصيص أمل يغريه بقليل من التفاؤل.

وفي خضم التغطية الإعلامية الشاملة التي كادت تبلغ حد الكمال في رصدها لكل صغيرة وكبيرة في الانتخابات الرئاسية الأمريكية وتسجيلها لكل شاردة وواردة في هذه المعمعة، كان من السهل أن يتوارى خلف الزحام ويغيب وسط الضجيج مشهد انتخابي آخر كانت رحى معاركه تدور في حلبات مجلسي النواب والشيوخ، وهما المجمعان التشريعيان اللذان يتكون منهما الكونجرس. ولكي ينجح أوباما في المضي بنهجه قدماً وتنفيذ خططه وتمرير ما يراه من تشريعات، لابد له من دعم يحظى به من المجلسين.

ويهيمن الديمقراطيون في مجلس النواب على أغلبية المقاعد، لذا فإنهم يسيطرون على أهم المواقع السياسية، مثل منصب المتحدث باسم المجلس ورئاسة اللجان المؤثرة ذات الشأن التي تشرف على تمرير التشريعات والقوانين. ومن بين أهم هذه اللجان النافذة ذات الخطر لجنة الطاقة والتجارة التي تتمتع بقوة هائلة وصلاحيات، وتعتبر من أعظم اللجان تأثيراً في واشنطن.

ومما لا يقل أهمية، قدرة أوباما على تمرير التشريعات والقوانين في مجلس أمريكا الأعلى في الكونجرس، ألا وهو مجلس الشيوخ الذي يضم 100 شيخ. والرقم السحري الذي يحتاجه أوباما هنا هو الرقم 60 كي يستأثر بالأغلبية، التي إذا حازها حصّن الديمقراطيين من عمليات إجهاض تمرير القوانين التي قد يلجأ إليها الجمهوريون، وهي تقنيات وأساليب تستخدمها المعارضة السياسية في محاولة منها لحرف التشريع عن مساره.

فبعد الرابع من نوفمبر/ تشرين الثاني فاز الديمقراطيون ب 57 مقعداً، ومازالوا في حاجة إلى ثلاثة مقاعد أخرى، إلا أنهم ما لبثوا أن فازوا بمقعد آخر الأسبوع الماضي إذ اندحر سيناتور ألاسكا تيد ستيفنز، وهو أقدم سيناتور جمهوري في تاريخ أمريكا كله، وكان يعتبر قوة هائلة لا يقوم في وجهها شيء في الكابيتول هيل على مدى عقود متطاولة، وانهزم في السباق لإعادة انتخابه أمام منافسه الديمقراطي مايور مارك بيغيتش. وإذا فاز الديموقراطيون بمقعدين آخرين، كما هو مرجح فسوف يبتسم لهم الحظ.

وإذا ما فاز الديمقراطيون أيضاً في المجلسين بعد اختتام السباق في مينيسوتا وجورجيا فسيحظى أوباما برقم 60 السحري، إلا أن هناك أسباباً أخرى وجيهة تبعث على الابتهاج بأفول نجم السيناتور ستيفنز، فبالنسبة لأولئك الذين يساورهم القلق والهواجس بشأن الأثر المدمر للنفط وأربابه الكبار وأموالهم في إفساد الساسة وشراء ضمائرهم وتوجيه السياسة حسب مشتهاهم، جاءت نهاية ستيفنز وكأنها بلسم لجراحهم وأثلجت صدورهم. لقد كان ستيفنز هذا أحد أكبر المدافعين عن أباطرة الصناعة النفطية في الكابيتول هيل. وكما كانت مجلة نيوزويك أشارت العام الماضي: كان ستيفنز مقرباً دائماً من أساطين صناعة النفط، بل ربما كانت صلاته حميمة جداً.

والأدهى من ذلك أن سيرته كانت تطفح بفضائح الفساد التي تزكم روائحها الأنوف، فعلى سبيل المثال أورد تقرير لصحيفة لوس أنجلوس تايمز في عام 2003 كيف أن ستيفنز نذر حياته منذ أواخر حقبة التسعينات لجني المال بشكل نهم واستطاع في زمن قياسي مذهل أن يصبح مليونيراً، وذلك بفضل استثماره مع كبار رجال الأعمال الذين فازوا بعقود حكومية أو حصدوا منافع أخرى بمساعدته.

وكان ستيفنز قد أدين قبل أيام من انتخابات 2008 في محكمة فيدرالية بتهم تتعلق بالفساد والكذب وبإخفاء مبلغ 250 ألف دولار تلقاها على شكل هدايا من أحد مقاولي البترول وشملت تجديدات لمنزله.

ولطالما واظب ستيفنز على التحرك المرة تلو المرة والعمل لحساب أصدقائه في صناعة النفط. وحال ستيفنز في عام 2005 دون ارغام كبار رؤساء ومديري صناعة النفط على حلف اليمين والقسم أثناء مثولهم وتحدثهم في جلسات استماع لجنة مجلس الشيوخ التي كان يترأسها، وكانت صناعة النفط قد دأبت على مدى سنوات هي ومناصروها وداعموها على السعي الحثيث للوصول إلى آخر أراضي البراري البكر في أمريكا والمسماة محمية الحياة البرية القوية في القطب الشمالي، وهي الملاذ الآمن للحياة البرية كي تقوم بالتنقيب عن النفط. وفي إحدى السنوات حاول ستيفنز أن يرفق بمسودة تشريع مقترح لمخصصات الدفاع السنوية فقرة تؤيد مشروع التنقيب. وأثناء نقاش مشروع القانون توجه ستيفنز إلى زملائه الشيوخ وقال: نحن نعرف القطب الشمالي هذا ونحن أدرى بشعابه وأموره أما أنتم فلا تعرفونه على الإطلاق.

ورداً على هذا قال زعيم الأغلبية هاري.م.ريد، وهو ديمقراطي من نيفادا: لقد وقع العسكر عندنا في قبضة التنقيب عن النفط في القطب الشمالي فصاروا رهينة لهذه القضية، ونعت الفقرة التي أقحمها ستيفنز لترجيح حجج التنقيب بأنها هدية أخرى يهبها للمصالح الخاصة وللشركات الكبرى المتنفذة وأضاف: لقد آن الأوان كي نقول لا لإساءة استخدام السلطة. وكان ستيفنز يحاول أن يصبح أول مجرم يدينه القضاء ومع ذلك يفوز في الانتخابات لعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي، إلا أنه أخفق في هذا.

وأوباما إنما خاض معركة الرئاسة مدججاً بسلاح الدعاية والاستقطاب الأشد فتكاً والأعظم تأثيراً، ألا وهو شعار التغيير، حتى خيل للناس أنه هو المخلص المنتظر الذي امتشق عصا التغيير السحرية ليأتي بالفرج ويعيد أمجاد ازدهار كان قد لاح لكثيرين أنه آيل إلى الاندثار، لذا فإن المحك الحقيقي لنجاح أو إخفاق أوباما في اختبار الرئاسة هو مدى تجسيده لمفهوم التغيير المنشود، ومدى تحقيقه لغايات هذا التغيير. أما وقد أميط اللثام عن هوية فرسان التغيير بمنظور أوباما وقد شدّت نتائج انتخابات الكونجرس مؤخراً عضده بهنري واكسمان الليبرالي الذي تحدى رئيس لجنة الطاقة والتجارة، والذي اشتهر بهجومه اللاذع على رؤساء الشركات وبكونه حليفاً مهماً لدعاة حماية البيئة وفاز برئاسة لجنة الطاقة والتجارة، وشدت أزره كذلك باندحار السيناتور ستيفنز وانكفائه إلى مزابل التاريخ فسيكون من السهل على أوباما، نسبياً، أن يحدث التغيير المأمول. وهذه بالطبع بشارة خير وأنباء سارة بالنسبة للملايين الذين يصبون إلى تغيير جذري ويتطلعون إلى رئيس أمريكي يجترحه. لذا دعنا نأمل في ألا يخيّب أوباما ظننا ويخذلنا هذه المرة.

كاتب صحافي وناقد ومحلل سياسي متخصص بقضايا العولمة والصحة والبيئة ورصد التضليل الإعلامي، ويشارك في تحرير موقع ميديا لينس.