في مكة المكرمة، وعند رحابها الطاهر، تتجلى هذه الآية العظيمة من سورة الحجرات الآية 13 «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ»، حيث البشر هناك يتوافدون من كل فجٍ عميق، في مشهد مهيب، تقشعر الأبدان لجماله، وهيبته، يتوافدون شباناً وكهولاً وخليطاً عمرياً يتشكل ويتغير ويتزايد ويتوحد على مدار الساعة.
عند الطواف، عند السجدة الأولى لك بعد الانتهاء من مناسك العمرة، تبدو مكة وكأنها تجمع شعوب الأرض في مساحة لعِظمِ مكانتها، تود ألا تبرحها، تبقى هناك تقبّل الأرض، وترفع اليدين دعاء وابتهالاً وبكاء. في مكة المكرمة تكون أنت كما لم تكن من قبل، وكما لن تكون من بعد، تتوحد مع خالق الكون في حوار ٍ إيماني وحده فقط سبحانه وتعالى الذي يحتملك فيه، ويتفهمك، ويقرأ ما بداخلك جلّ جلاله في علاه.
في مكة وجوه كثيرة، متجددة، أطيافها مختلفة، ألوانها غائرة في التعدد، صفاتها، قيمها، أخلاقياتها، سلوكها الإيماني، كل ذلك يتجلى أمامك، وما عليك سوى استيعاب اللحظة، واقتناص الوقت لتنسلَّ بحذر شديد، لكيلا تؤذي أحداً منهم بحركة ما غير محسوبة باتجاه ركضك شوقاً نحو الحرم والسعي لملامسة الحجر الأسود الطاهر، أو الفوز بركعتين عند المقام، وتود أن تُقيم َهناك حيث السكينة والمحبة والدعاء.
هناك وأمامك تتجلى مشاهد لم تألفها، ثقافات متعددة، بشرٌ لا يغادرون أمكنتهم، وكأنها سُجِّلت بأسمائهم، لا يتركون لك مساحة صغيرة كي تتخذ وضعاً للصلاة أو الدعاء، ينامون ويستيقظون ويأكلون ويشربون في ذات المكان، دون محاولة من أي طرف آخر لتوعيتهم بخطأ ما يفعلون، فالصلاة تُبنى على الطهارة والنظافة، وأولئك النفر الذين يملأون ساحات الحرم المكي الشريف لا يعبأون بذلك، إنهم يمارسون سلوكيات من المهم جداً أن يُلتفتَ لها، وأن تتم توعيتهم بخطئها، وتدريبهم على السلوك الإسلامي الصحيح.
هناك كنّا، ومن هناك عدنا في الأيام الأولى من شهر رمضان المبارك، عشنا أجمل الأوقات، في مكة لا تشعر بجوع أو عطش أو مرض أو تعب، عينُ الله ترعاك أينما اتجهت، كما هي ترعاك في حلّك وترحالك، نفحات إيمانية عظيمة تشرّبنا بها، ونود أن نعود لنرتوي من جديد.
رمضانكم مبارك وكل عام وأنت بخير.