عقدة الإنكار

03:43 صباحا
قراءة دقيقتين
الإنكار ليس قراراً واعياً، بقدر ما هو حالة نفسية تدرج في خانة الأمراض التي تعانيها الذات غير السوية، وهو لا يصيب الأفراد فقط، بل يتمدد إلى الجماعات وأحياناً إلى الدول، والتحليل النفسي لهذه الحالة، هو أن من يتورّط بها يعجز عن رؤية الواقع كما هو، فلا يسمع إلا صدى صوته، ولا يُبصر إلا ما يريد، وتنفرد الأيديولوجيات المغلقة والصماء بهذا الوضع، لهذا تتوقف عن النمو عند طور محدد، وكل ما ينشأ حولها أو حتى تحت قدميها لا تشعر به .
والأيديولوجيا الصهيونية ذات المرجعية اللاتاريخية، والتي تشبعت بالأسطورة منذ ولادتها، مصابة بحالة متطرفة من الإنكار، فهي كذبت على نفسها وعلى من اقتفوا خطاها كالمضبوعين بأن فلسطين أرض بلا شعب، وأنها صحراء مهجورة، وهي الآن تواجه أكثر من أحد عشر مليون فلسطيني داخل فلسطين التاريخية وفي الشتات وهؤلاء لهم حضور كوني في كل مجالات الحياة، ومنهم أكاديميون ومثقفون بارزون في القارات الخمس، لكن الإنكار المزمن، هو ما يصيب الصهيونية، وبالتالي الكيان الذي أنتجته كخطأ تاريخي بعبارة المؤرخ أرنولد توينبي بالعمى، وهو عمى مزدوج يصيب البصر والبصيرة معاً، وما يعانيه اليهود الآن من توتر مفرط وإرباكات هو نتاج منطقي لتناقض لم تستطع الصهيونية حتى عندما تأسرلت وتحولت إلى دولة أن تعالجه، وما حدث بالفعل أن هذا التناقض تفاقم لأنه يتناسب طردياً مع الوجود الفلسطيني فيزيائياً ومعنوياً، والكذب قد يدوم ستة أعوام أو حتى ستة عقود لكنه على موعد محتم مع النهاية، والنهاية كما تتضح الآن كارثية وفادحة .
وقد لا تكون الصهيونية وحدها ما انفرد بهذه الإصابة السايكولوجية، فكل ما يماثلها من أيديولوجيات أو تيارات عرضة للإصابة بالمرض ذاته، وذلك بسبب الانغلاق والدوغمائية التي تحذف الآخر من معادلات الصراع والوجود، ثم يأتي الأمر الواقع ليقلب السحر على السحرة كلهم .
إن الإصرار المرضي والشاذ على مواصلة الإنكار يصيب من يمارسه بالضمور أولاً، ثم يبدأ بأكل نفسه، لأنه محكوم بما يسمى النمو الدائري أو المراوحة حول الذات بدافع نفسي ووهمي هو أن هذه الذات هي محور الكون ومركز الوجود .
الذين مارسوا الإنكار دفعوا ثمن عماهم، وهم "براقش" التي لم تجن فقط على نفسها بل على أحفاد أحفادها .

خيري منصور

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"