يستند مفهوم إدارة التميز إلى إطار فكري واضح يعتمد التكامل والترابط، ويلتزم منطق التفكير المنظومي الذي يري المنظمة على أنها منظومة متكاملة، تتفاعل عناصرها وتتشابك آلياتها ومن ثم تكون مخرجاتها محصلة لقدراتها المجتمعة، ومن ثم فإن إدارة التميز هي القدرة على توفيق وتنسيق عناصر المنظمة وتشغيلها في تكامل وترابط لتحقيق أعلى معدلات الفاعلية، والوصول بذلك إلى مستوى المخرجات الذي يحقق رغبات ومنافع وتوقعات أصحاب المصلحة المرتبطين بالمنظمة .

ويتضمن الإطار الفكري لمفهوم إدارة التميز العديد من العناصر في مقدمتها أن تقوم المنظمات من أجل تحقيق غايات وأهداف، ومن ثم فإن الخطوة الأولى في بناء منظمة تتحقق فيها إدارة التميز ينبغي أن تكون التحديد الدقيق والواضح للغايات والأهداف المرجوة واعتمادها أساساً للتخطيط والتوجيه في كافة مجالات النشاط بالمنظمة، وكذا اعتبارها المقاييس الأهم للتعرف على مستويات الإنجاز وتقويم النتائج .

وتعمل المنظمات في إطار مناخ اجتماعي وسياسي واقتصادي متغير ومتطور، كما تتفاعل عوامل الثقافة والتطورات العلمية والتقنية في إعادة صياغة المجتمعات وتطوير توجهاتها ونظمها ومنظومات القيم بها وتستمد المنظمات مواردها من المناخ المحيط، كما تصدر إليه مخرجاتها وتلتزم في عملياتها بالقواعد والقيم المتعارف عليها فيه . أي أن الترابط والتفاعل والتعايش الإيجابي بين المنظمة والمناخ المحيط هو دعامة وركيزة في بناء منظمة تتحقق فيها إدارة التميز .

وتلعب القيادة الإدارية دوراً محورياً مؤثراً في صياغة أهداف وغايات المنظمة وتحقيق ترابطها مع المناخ المحيط، وتفعيل عناصرها وقدراتها الذاتية . وبذلك تصبح القيادة الإدارية الاستراتيجية ذات القدرات المعرفية المتطورة من أهم مقومات وآليات إدارة التميز .

وتتبلور مسؤوليات إدارة التميز في دراسة وتفهم المناخ المحيط والكشف عما به من فرص ومهددات، وتهيئة العناصر والمقومات الذاتية بالمنظمة لاستثمار تلك الفرص والتعامل مع المهددات . ولا يتحقق هذا الأداء الإداري المتفوق بمحض الصدفة أو باتباع منهجيات تعتمد العفوية والاستناد إلى الخبرة الذاتية للقادة، وإنما تتطلب اعتماد منهجية إدارية متفوقة هي الإدارة الاستراتيجية التي تربط تلك العناصر الخارجية والداخلية ذات التأثير في أداء المنظمة وتقدم الإطار الفعال للتنسيق بين مختلف عناصر الأداء من أجل استثمار الفرص وتجنب المهددات، ومن ثم تحقيق إدارة التميز .

ويتحقق للمنظمة القدرة على إنجاز أهدافها وغاياتها من خلال تنظيم استخدام ما يتوفر لها من موارد وتنسيقها في عمليات مترابطة ومتشابكة تتصل بداياتها بنهاياتها ويمكن تخطيطها وتوقيتها ورقابتها للتأكد من صلاحيتها والاطمئنان إلى التزامها بمواصفات الجودة في كل ما يجري بها . ويحقق الأخذ بمنطق إدارة العمليات تفوقاً واضحاً في نمط الإدارة وإنجازاتها عن الإدارة التقليدية التي كانت تكرس التقسيمات التنظيمية والمجموعات الوظيفية المنفصلة والمتباعدة . إن إدارة التميز تتحقق بفعل تكريس الترابط والتشابك في عمليات المنظمة ومن ثم حسن استثمار الموارد وربط المدخلات بالمخرجات وفق أسس واضحة وقابلة للقياس .

وليست الجودة مجرد مواصفات قياسية للمنتجات والخدمات التي تنتجها المنظمة، ولكنها فلسفة شاملة لكل ما يجري في المنظمة من فعاليات، وصفة أساسية تتصف بها كافة المدخلات والعمليات والمخرجات في المنظمة . إن إدارة التميز تتحقق حين يعم الالتزام بالجودة بمعنى أداء العمل وفق المواصفات وبالمستوى الذي يرضي العميل أو المستفيد سواء كان من عملاء المنظمة الخارجيين -الزبائن- أو من العاملين بها، وبذلك تصبح الجودة الشاملة سمة رئيسة في إدارة المنظمة .

وتعتمد إدارة التميز على المعلومات والحقائق التي تصف كل ما يجري داخل المنظمة وخارجها، والتعامل الواعي مع تلك المعلومات والحقائق لاستخراج المؤشرات الدالة على تقدم الأداء في مختلف مجالات النشاط، وتوقع المشكلات والتنبؤ بالفرص والمهددات . ويعتبر بناء وتفعيل نظم المعلومات الإدارية الشاملة أساساً في تنمية فرص التميز . وتتخذ الإدارة قراراتها في ضوء معطيات الظروف الذاتية للمنظمة ورؤيتها وفهمها للظروف والمتغيرات الخارجية . وتحاول الإدارة دائماً تقويم إنجازاتها والحكم على كفاءة العمل ومستويات الإنتاجية بالقياس إلى المعايير المحددة في خطط وبرامج الأداء والأهداف والنتائج المخططة، كما تعتمد على مقارنة إنجازاتها ومستويات الأداء والفعالية بها مع غيرها من المنظمات المتفوقة والمتميزة، وتسعى إلى الوصول إلى مستوى الممارسة الأكثر تفوقاً من خلال اتباع منهجية القياس المرجعي .

وعلى العكس من الإدارة التقليدية، فإن إدارة التميز تسعى للتطوير والتحسين بصفة مستمرة وليس فقط عند مواجهة بعض المشكلات أو العقبات . ويعتبر التطوير المستمر من مقومات إدارة التميز إذ يتيح للإدارة أن تكون دائماً في موقف أفضل من المنافسين، وأن يكون لها السبق في تطوير المنتجات والخدمات ونظم الأداء بما يكفل للمنظمة التفوق في الوصول الأسرع إلى الأسواق وتوفير منافع ومميزات للعملاء لا يجاريها المنافسون .

إن الأداة الحقيقية والقوة الفاعلة في تحقيق غايات وأهداف المنظمات هم الموارد البشرية من العاملين ذوي المعرفة الذين يتم اختيارهم بعناية فائقة، وتوفر لهم الإدارة فرص التنمية المستمرة والتدريب الهادف إلى زيادة مهاراتهم .

وتسعى إدارة التميز إلى تحقيق عوائد ومنافع متوازنة لمختلف أصحاب المصلحة ذوي العلاقة بالمنظمة . فأصحاب رأس المال يريدون عائداً مناسباً يعادل المخاطر والتضحيات التي تحملوها برصد أموالهم للاستثمار في المنظمة، والعاملون يرغبون في تعويض جهودهم بما يكافئ مساهماتهم في إنتاج الأرباح، والعملاء يسعون إلى الحصول على منتجات وخدمات أفضل وبجودة أعلى بتكلفة أقل ووفق الشروط والتوقعات التي يفضلونها كذلك يكون للمتعاملين مع المنظمة من موردين وموزعين وغيرهم مصالح ينبغي أن تحافظ إدارة التميز على تحقيقها . كما يكون للمجتمع بأسره مصالح ومتطلبات ينبغي على إدارة التميز تحقيقها .

وتعمل إدارة التميز على بناء وتنمية العلاقات مع مختلف الطوائف والأطراف الذين ترتبط بهم المنظمة . ويكون من سمات التميز القدرة على استثمار وتوظيف تلك العلاقات في سبيل تعظيم فرص المنظمة للوصول إلى غاياتها وأهدافها .

ويعد القياس أساس تفوق إدارة التميز التي تعمل وفق مبدأ ما لا يمكن قياسه لا يمكن إدارته والسيطرة عليه . ويتطلب إعمال مبدأ القياس ضرورة التعبير الكمي عن العناصر والآليات والعلاقات الداخلة في الأداء .

ومن بين مفاتيح إدارة التميز تنمية وتوظيف الرصيد المعرفي المتجدد للعاملين وتيسير وتفعيل فرص التعلم التنظيمي إلى جانب تنمية آليات التفكير المنظم والتزام منهجية علمية فى بحث المشكلات واتخاذ القرارات والتوجه بالنتائج .

* أستاذ في قسم العلوم المالية والمصرفية الجامعة الأمريكية

[email protected]