مع استمرار تراجع الدولار على مدى السنوات الست أمام اليورو والعملات الرئيسية الأخرى يتواصل طرح التساؤل عما يعنيه الوضع في حال تخلى الدولار عن هيمنته العالمية لمصلحة اليورو .
وهذا السؤال خطير لأن مجلس الاحتياطي الفيدرالي يضخ مبالغ جديدة في الاقتصاد العالمي بوتيرة مذهلة، ويزداد نمو عرض الأموال الأمريكية بمعدل لم يسبق له مثيل منذ العام 1971 عندما فرض الرئيس الراحل ريتشارد نيكسون قيوداً على الأسعار وأنهى قابلية تحويل الدولار إلى الذهب الذي وصل سعر الأوقية منه مؤخراً إلى أكثر من الف دولار أمريكي، ومع ارتفاع اسعار السلع الاستهلاكية بنسبة 4 في المائة عما كانت عليه منذ عام وارتفاع أسعار الإجمالي بنسبة 6،9 في المائة، فإننا نشهد تحقق قول ميلتون فريدمان المشهور إن التضخم ظاهرة نقدية دائماً وفي كل مكان من حيث انه لا يستطيع ان يحدث دون زيادة في كمية الأموال تفوق في سرعتها الناتج .
ويتصرف مجلس الاحتياطي الفيدرالي بأقصى ما يملك من جهد بهدف درء الركود، ولكن وفي سوق مالية تتحول بسرعة إلى سوق عالمية فإنه يسرّع في الواقع من زوال قواه الفريدة .
وفي حقيقة الأمر فإن جميع الاقتصادات الوطنية تظهر صلة ايجابية بين انخفاض قيمة العملة والتضخم وبين انخفاض قيمة العملة وأسعار الفائدة الأمر الذي يعني ان مصارفها المركزية لا تستطيع ان تستخدم سياسة نقدية رخوة لحفز اقتصاداتها اذ ان ذلك يؤدي فقط إلى تأجيج تدفقات رؤوس الأموال إلى الخارج وزيادة في أسعار فوائد السوق لإعادتها من جديد، ولكن الولايات المتحدة ليست كهذه الاقتصادات إذ ان عملتها تمتعت بميزة فريدة باعتبارها مخزن القيمة العالمي ووسيلة التعاملات بالنسبة للتجارة الدولية . بيد ان هذا قد يشهد تغييراً، فقد بات الدولار اكثر شبهاً بعملة دولة نامية نموذجية مع اسعار فائدة سوقية طويلة الأجل ذات أهمية شديدة لتحديد سلوك الاقتراض والاستثمار، وترتفع في الوقت الذي يدفع فيه مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشدة في الاتجاه الآخر .
وإذا استمر ارتفاع الاستخدام الدولي لليورو سيفقد مجلس الاحتياطي الفيدرالي قوى أخرى مهمة، وعند حدوث أزمة مالية، يفترض في المصارف المركزية أن تتصرف كمقرضة السبيل الأخير الباقي حيث تطبع الأموال لدعم البنوك وطمأنة المودعين . ولا ينجح هذا في الدول النامية، فالناس يسحبون أموالهم في كل الأحوال ليس لأنهم يخشون من ان تسمح الحكومات للبنوك بالانهيار وإنما لأنهم يخافون التضخم وانخفاض قيمة العملة اللذين يسببهما طبع الأموال، ولذلك فإنهم يستبدلونها بالدولارات ويقوضون القوى المقترضة لدى مصارفهم المركزية، ولكن ماذا لو فعل الأمريكيون الشيء ذاته وباعوا الدولارات من اجل الحصول على اليورو خلال أزمة؟ سيصبح مجلس الاحتياطي الفيدرالي عاجزاً، وهذا ليس خيالاً علمياً، فقد عكف المستثمرون الأمريكيون مؤخراً على توجيه الأموال إلى صناديق السندات الأجنبية بمعدل قياسي .
وماذا عن أزمات العملات، أو اللعنة بالنسبة للدول النامية؟
ان هذه الأزمات تحدث عندما يخاف المستثمرون المحليون والأجانب من احتمال أن تواجه البلاد نقصاً في العملات الاجنبية الضرورية لسداد ديونها، وإذا كانت أمريكا ستصبح ملزمة بالمتاجرة والاقتراض باليورو بدلاً من الدولار فستواجه المخاطر ذاتها .
وماذا عن نفوذ أمريكا السياسي في العالم؟ إن استمرار تراجع الدولار يعني انخفاضاً في القدرة الشرائية العالمية لجميع مساعداتها الخارجية سواء لأغراض انسانية أو اقتصادية أو عسكرية .
ولكن الأزمة تعني اكثر من ذلك بكثير، واستغلت الولايات المتحدة الدور الفريد للدولار في التجارة والاستثمارات الدولية لإرباك التدفقات المالية لخصومها امثال كوريا الشمالية وإيران، وفي حال تحولت هذه التعاملات إلى اليورو وأجريت من خلال مؤسسات لا تمارس الأعمال في الولايات المتحدة سيتم تحييد هذه السلطة الأمريكية، وستفقد الولايات المتحدة أيضاً نفوذها على الاصدقاء والأعداء الذين يواجهون مشكلات مالية بما انهم سيتطلعون على نحو مطرد إلى أوروبا للحصول على اليورو بدلاً من التطلع إلى أمريكا للحصول على الدولار .
وكل ما أوردناه أعلاه ليس حتمياً بالضرورة ومن حظ أمريكا انها تسيطر على مصير الدولار بمعنى أن العالم ليس لديه أي دافع ليتحول إلى عملة أخرى ما دامت قيمة الدولار طويلة الأجل تبدو آمنة، ولكن هذا يعني أن الحكومة الأمريكية بحاجة إلى أن تعالج مشكلات البلاد الاقتصادية الناجمة عن انهيار سوق الاسكان وضغط الائتمان من خلال تدخلات الميزانية العمومية مباشرة وممولة بشكل واضح بدلاً من تدخلات خارج الميزانية العمومية ومن تقويض مجلس الاحتياطي الفيدرالي للثقة العالمية في الدولار بالاستمرار في اغراق السوق بدولارات جديدة، ولن يؤدي هذا إلا إلى ضرر أكبر بازدهار امريكا ونفوذها العالمي .
مدير الاقتصاد الدولي في مجلس العلاقات الخارجية والمقال نشرته فاينانشيال تايمز