رجال الأعمال هم عصب أي اقتصاد في كل زمان ومكان، والدعامة الكبرى في ازدهار الدول وارتقاء الأمم وتزداد أهميتهم في عصرنا الحاضر الذي يشهد تخلف المسلمين وعدم قدرتهم على استغلال مواردهم، واعتمادهم على غيرهم في تلبية حاجاتهم .

فلقد اقتصر المسلمون للأسف الشديد على أداء العبادات وتركوا خلف ظهرهم ما أمرهم به الإسلام من معاملات، وأهملوا دعوته الحكيمة إلى الحياة السعيدة وفق نظام اقتصادي رباني أحدّ في تشريعاته، حكيم في أصوله، قويم في تطبيقاته، أجدى في نفعه وفائدته، وأخذوا يرقعون دنياهم بتمزيق دينهم من خلال السير وراء الاشتراكية المقهورة تارة، والرأسمالية المهزومة تارة أخرى، فضلاً عن نظام هجين ما بين ذاك وذاك تارة ثالثة لا يسمن ولا يغني من جوع . وكان من نتيجة هذا التقليد والمحاكاة لغير المسلمين بحلوه ومره أن فقدوا شخصيتهم وأضاعوا عزهم ومجدهم .

ورغم ما تعانيه الأمة الإسلامية فمازال الأمل معقوداً على رجال الأعمال للنهوض باقتصادها والعودة بها إلى ما كانت عليه في سابق عهدها من قوة في الاقتصاد، وازدهار في المعرفة، ورحب في المعيشة حتى فاضت بيوت المال بالأموال ولم يجد الخلفاء من الفقراء من يعطونه فزوجوا الشباب، وعتقوا العبيد والإماء .

وواقع رجال الأعمال اليوم يكشف أن هناك فئة من هؤلاء الرجال ينطبق عليهم قوله تعالى: رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار (النور: 37) .

فهؤلاء الرجال استعملوا ما وهبهم الله من المال الجزيل والنعمة الطائلة في طاعة ربهم، فعظموا الإنتاجية والإنتاج، وعمروا البلاد، وسعوا إلى توفير فرص عمل للعباد، وتقربوا إلى الله تعالى بأنواع عديدة من القربات طمعاً في حسن ثواب الدنيا والآخرة، ولم يزدهم المال إلا تواضعاً وخشية لربهم، وشكرا على هذه النعمة .

وإلى جانب هذه الفئة توجد فئة أخرى من رجال الأعمال فتنهم المال وأعماهم الثراء، فتعلقوا بالشهوات من نساء وخمور وقصور، وقناطير مقنطرة من ذهب وفضة، وسيارات فارهة وخدم وحشم وحراسات شخصية، وفرحوا بالمال فرح البطر الذي ينسى المنعم بالمال وينسى نعمته، وينشغل به قلبه، ويتطاول به على خلق الله، حتى وصل الحال بفريق منهم أن كان نتاجاً لسفاح بين السلطة والثروة، كما يكشف واقع رجال الأعمال أيضاً أن فيهم من كانوا إخواناً متحابين فلما تعاملوا فيما بينهم بالدينار والدرهم انتكس ورعهم، ودب الخلاف والتنازع بينهم، وتبادلت الاتهامات لذممهم، وتمكن الشيطان من نفوسهم وحال بينهم وبين سلامة صدورهم .

ويضع فقه الوقت والمرحلة وفروض الكفايات على رجال الأعمال مسؤولية عظيمة تجاه حاضر الأمة ومستقبلها لتحقيق مشروع النهضة الإسلامية المأمول، ومن ثم نريد رجل الأعمال الذي يعمل على كسب المال ليكون بيده وعلى ألا يستعبد قلبه، وأن يستغله لخيره وخير أمته وخير أهله، بأن يأتي بالمال من حلال، وينفق ما آتاه الله منه في وجوهه وسبله، مبتغياً رضا الله تعالى والدار الآخرة، غير ناس نصيبه من الدنيا، مستشعراً إحسان الله عليه بتوسيع رزقه عليه، متقرباً إلى الله تعالى بأنواع عديدة من القربات طمعاً في حسن ثواب الدنيا والآخرة، مع التواضع والخشية لله، والشكر على هذه النعمة، ملتزماً في ذلك بما سنّه الإسلام من ضوابط إيمانية وأخلاقية وتنموية لإحسان العمل في هذا المال، بما يوازن بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع، ويحقق الخير والعدل في الدنيا والسعادة والفلاح في الآخرة .

فمن خلال الضوابط الإيمانية يعتقد رجل الأعمال بأن المال مال الله والبشر مستخلفون فيه، فيسعى للاستفادة مما سخره الله في الكون من مقومات بتسخير عقله وعلمه وجمع همه وإرادته للانتفاع بهذه المقومات واستثمار خيرها، مع استحضار النية في أعماله المالية كما يستحضرها في أعماله التعبدية، والإيمان بقضاء الله وقدره في الربح والخسارة، والأخذ بالأسباب والعمل لجلب الأرزاق مع التوكل على الله وتقواه والإكثار من استغفاره وتجنب معصيته، وإيمانه بأن التفاوت في الأرزاق سنة من سنن الله تعالى، وحرصه على الحفاظ على مقاصد الشريعة في العبادة والمعاملة، فلا تشغله أمواله عن إحسان العبادة لله عز وجل .

ومن خلال الضوابط الأخلاقية يتمسك رجل الأعمال بأخلاق وآداب الإسلام لقدرتها على تأهيله لكي يكون صالحاً لكل عمل من أعمال الخلافة في الأرض متميزاً عن غيره من البشر، فيلزم نفسه بالصدق وذلك بأن يلتزم في البيع والشراء جانب البيان والوضوح والشفافية، وتجنب ترويج السلع بالدعاية الكاذبة والحلف الكاذب، وأن يستوي عنده درهمه ودرهم شركائه، فيفصح لهم عما بينهم من معاملات بكل شفافية من دون استئثار بمعلومات لنفسه تحول بينهم وبين معرفة مصير أموالهم، كما يلزم نفسه بالأمانة فيكون أميناً في الكيل والميزان فلا يبخس الناس أشياءهم ويكيل لهم بغير ما يتمنى أن يكتال له، وكذلك إظهار عيب بضاعته لمشتريها إذا كان فيها عيب عملاً بحق المسلم عليه في النصيحة موقناً أن تلبيس العيوب وترويج السلع لا يزيد رزقاً، بل يمحقه ويذهب بركته فالمال لا يزيد من خيانة .

كما يلزم نفسه بالسماحة وذلك بالتيسير في البيع والشراء فيتقبل غبن أخيه البائع إذا كان ضعيفاً أو فقيراً، ولا يغالي في الأسعار إذا كان بائعاً، ويقيل أخاه المسلم المشترى إذا طلب إعادة السلعة إليه فيرفع الضيق والحرج عنه، وأن يسعى إلى حسن قضاء ما عليه من ديون، ويربأ بنفسه أن يكون ممن يأكلون أموال الناس بالباطل سواء أكانت هذه الأموال لبنوك أو أفراد، وليحرص على أداء دينه في ميعاد استحقاقه بإحسان، وإذا تعثر في السداد فلا يكثر من الأعذار ولينوِ القضاء، ومهما كلمه صاحب الحق بكلام ولو كان شديداً فليحتمل ذلك وليقابله باللطف، وأن يقوم بالتيسير على المدينين المتعثرين فيحسن لهم مرة بالمسامحة وحط البعض، ومرة بالإمهال والتأخير، من دون تحميلهم أية غرامات تأخير لأن ذلك ربا محرم، وأن يراعي حقوق شركائه، ولا يجعل منه المال وسيلة للطمع والاستئثار بحقوق الآخرين، وإذا حدثت تصفية وتخارج فليكن بالمعروف .

ومن خلال الضوابط التنموية يلتزم رجل الأعمال بعدم ترك المال عاطلاً، واستثماره فيما ينفع الناس وبما يسهم في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، مستخدماً أرشد السبل في استثماره متجنباً السفه واستخدام السفهاء في ذلك، مراعياً احتياجات وأولويات المجتمع، موجهاً هذه الاستثمارات وفق الترتيب الشرعي للأولويات الإسلامية من ضروريات فحاجيات فتحسينات، ملتزماً بالمبادئ الإسلامية للمعاملات، كمبدأ الأصل في المعاملات الإباحة، ولا ضرر ولا ضرار، وربط الكسب بالجهد، والغنم بالغرم، والربح وقاية لرأس المال، والأصل براءة الذمة، والقصود في العقود معتبرة، وما أدى إلى الحرام فهو حرام، والتحايل على الحرام حرام، ورجل الأعمال الذي يسمو بنفسه فوق الصغائر ويرغب في نيل حظ الدنيا والآخرة، ويحسن كما أحسن الله إليه يلتزم بهذه الضوابط فيقدر الآخرة حق قدرها، ويضع الدنيا موضعها فيأكل طيباً، وينفق قصداً، ويقدم فضلاً . لا تدخل الدنيا قلبه بل تكون في يده واليد العليا خير من اليد السفلى، والمال قوام الحياة فلا يضيعه بل يجعله مطية إلى الآخرة وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا (القصص: 77) . وبذلك

يحقق جوامع الخير فيفيد نفسه، ويحقق البر والتنمية لمجتمعه، وقبل هذا وذاك يقع أجره على الله، ويكسب عز الدنيا وكرامة الآخرة .

إننا في أمسّ الحاجة إلى الحفاظ على رجال الأعمال المخلصين الصادقين وتشجيعهم، مع خلق رجال أعمال جدد قادرين ومبتكرين من خلال تأهيل الشباب وتدريبهم وتمويلهم لإنشاء مشروعات صغيرة، ومساعدتهم على تطوير أعمالهم وتنمية استثماراتهم وكذلك توفير المساعدات العلمية والتقنية والإدارية لهم، ويمكن في هذا الإطار قيام المشروعات التجارية والصناعية الكبيرة بدور مهم في التمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تمثل منتجاتها مدخلات لها، فضلاً عن دور مؤسستي الزكاة والوقف في هذا الجانب، وكذلك تمويل البنوك والمؤسسات المالية لتلك المشروعات بوسائل التمويل الإسلامية المتعددة والمتنوعة مع المتابعة اللازمة لذلك، وهو ما يسهم في علاج مشكلة البطالة، ويدفع بقاطرة التنمية والإنتاج، ويضعنا على الطريق الصحيح لتحقيق النهضة الإسلامية المأمولة .

خبير في الاقتصاد الإسلامي