عرضنا في المقال السابق (إعادة هيكلة سوق العمل السعودي) للتدابير الراديكالية التي اتخذتها وزارة العمل السعودية والمتمثل في رفع رسوم رخص العمل من 100 ريال إلى 2400 ريال سنوياً اعتباراً من يوم الخميس 15 نوفمبر/تشرين الثاني ،2013 أي بزيادة نسبتها 2300% دفعة واحدة، وذلك من أجل رفع كلفة العامل الأجنبي وبالتالي وضع حد للآثار السلبية المتعاظمة لاتساع الفجوة التنافسية بين قوة العمل السعودية وقوة العمل الأجنبية في سوق العمل السعودي لصالح الأخيرة، واستمرار وتيرة ارتفاع الطلب على العمالة الأجنبية بواقع 5% سنوياً، مقابل ارتفاع نسبة البطالة بين السعوديين إلى 5 .10%، وكذلك عرضنا لردود الفعل على هذه التدابير التي أبداها ممثلو قطاعات الأعمال باعتبارها أكلاف إضافية ستزيد نفقاتهم التشغيلية وتؤثر بالسلب على هوامشهم الربحية وعلى تنافسيتهم .

والهدف النهائي من ذلك هو جعل العامل أو الموظف السعودي الخيار المفضل للتوظيف لدى القطاع الخاص، على غرار استراتيجية مشروع إصلاح سوق العمل البحريني تماماً . ولكن وبخلاف بعض مضامين مشروع إصلاح سوق العمل البحريني،

فإن مشروع إصلاح سوق العمل السعودي يتضمن إجراءً تم اتخاذه سابقاً ويقضي بجعل الحد الأدنى لراتب الموظف السعودي 3000 ريال، بينما اختار مشروع إصلاح سوق العمل البحريني جعل هذه المسألة ضمن سقف تحريره لسوق العمل، بأن ترك لقوى السوق (العرض والطلب) تقرر مستوى الأجور .

إلى ذلك أيضاً فقد تم إغراء شركات القطاع الخاص السعودي بتقاسم أجرة العامل/الموظف السعودي معها بنسب معينة يتحملها صندوق تنمية الموارد البشرية السعودية هدف مقابل توظيف أي شاب أو شابة سعودية، وذلك من أجل تشجيع الشركات والمؤسسات السعودية على استقطاب العمالة الوطنية السعودية، فيما تم إغراء العامل/الموظف السعودي للإقبال على العمل في القطاع الخاص من خلال خفض ساعات العمل في القطاع الخاص من 48 ساعة في الأسبوع إلى 45 ساعة (مع تفضيل ومطالبة اللجنة الوطنية للجان العمالية في السعودية بخفضها إلى 40 ساعة أسبوعياً بحسب رئيسها نضال رضوان، إضافة لمطالبة اللجنة بتصحيح الأجور من أجل إغراء السعوديين للعمل في القطاع الخاص) .

ورغم أهمية هذه الإجراءات الراديكالية لإصلاح سوق العمل السعودي فإن هنالك بعض المحاذير التي يجب التنبه لها لعل أهمها على الإطلاق:

1- إن هذه الإجراءات الهيكلية لإصلاح سوق العمل لا تخلو من تأثيرات جانبية أبرزها أن التدخل في ضبط جانب العرض لقوة العمل في السوق من شأنه أن يفقد سوق العمل السعودي بعض مرونته التي يؤمنها فائض قوة العمل الأجنبية في السوق والذي يعمل على عدم ارتفاع تكلفة العمالة وبالتالي رفع الأجور وما يستتبعه من ارتفاع للتضخم .

2- ليس مضموناً أن تعمل هذه الإجراءات على تحقيق الهدف النهائي منها بشكل كامل وهو جعل العامل السعودي الخيار المفضل للتوظيف على المدى القريب على الأقل، نظراً للبون الشاسع بين ما خلفته وراكمته الثقافة الاستهلاكية وبين المتطلبات الجديدة لثقافة الإنتاج المراد إشاعتها .

3- سوف ينجم عن التطبيق الصارم لهذه الإجراءات الهيكلية بروز ظاهرة سوق العمل الموازي (نموذجه العمالة السائبة في البحرين)، وهي ظاهرة لها عواملها الموضوعية المرتبطة بشبكة واسعة ومتنفذة من المصالح المتشابكة لمختلف قطاعات الأعمال .

4- ويبقى التحدي الأبرز الذي سيواجهه هذا المشروع المتقدم لإعادة هيكلة سوق العمل السعودي، متمثلاً في المقاومة العنيدة التي سيبديها القطاع الخاص السعودي تجاه تطبيقاته . فليس سهلاً على عديد مؤسساته أن تتقبل هذه الطفرة الفجائية في تكاليفها التشغيلية والتي من شأنها التأثير في قدرتها التنافسية . وعلى ذلك سوف يتعين على كافة الجهات المعنية بمتابعة تطبيق حزمة هذه الإصلاحات الهيكلية لسوق العمل السعودي، أخذ هذه المسألة في الحسبان، مع أهمية أن تبدي مرونة كافية للتعاطي مع اعتراضات المؤسسات خصوصاً المؤسسات الصغيرة وإلى

حد ما المتوسطة التي سيكون تأثير الإجراءات في أدائها أكبر بكثير من تلك التي تتمتع بهامش مالي وتنافسي أكبر في السوق .

* خبير اقتصادي