في وقت يشهد فيه العالم واحدة من أكثر الفترات حساسية، مع تصاعد التوترات الإقليمية والحرب على إيران وما تبعها من إغلاق مضيق هرمز لفترات متقطعة، هذا المضيق الذي يمر عبره ما يقارب 21% من تجارة النفط العالمية، ويُعد شرياناً حيوياً لسلاسل الإمداد الدولية، شكّل إغلاقه اختباراً حقيقياً لقدرة الدول على حماية أمنها الغذائي واستدامة مواردها.
وفي ظل هذه الظروف، برزت الإمارات كنموذج استثنائي في الاستعداد، والمرونة، والتخطيط طويل المدى، فبينما شهدت بعض الدول اضطرابات في سلاسل التوريد وارتفاعاً في أسعار السلع الأساسية، استطاعت الإمارات الحفاظ على استقرار أسواقها الغذائية بفضل منظومة متكاملة بُنيت على مدى سنوات.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن الاستثمارات الإماراتية في التكنولوجيا الزراعية تجاوزت 2.5 مليار درهم خلال السنوات الخمس الماضية، وأن عدد المزارع الذكية في الدولة تجاوز 1000 مزرعة تعتمد على الذكاء الاصطناعي والاستشعار وإدارة المياه، هذه الأرقام تعكس رؤية واضحة:
أن الأمن الغذائي لا يُترك للظروف، بل يُبنى بالعلم والتخطيط والاستثمار.
وفي ظل إغلاق مضيق هرمز، أثبتت الإمارات أن منظومتها الغذائية قادرة على الاستمرار دون اضطراب، بفضل:
* المخزون الاستراتيجي الذي يغطي شهوراً طويلة.
* تنويع مصادر الاستيراد من أكثر من 120 دولة.
* البنية التحتية اللوجستية المتقدمة.
* الموانئ التي تُعد من الأكثر كفاءة عالمياً.
* الإنتاج المحلي الذي يتوسع عاماً بعد عام.
وقد جاءت مشاهداتي في المعرض الزراعي الإماراتي 2026 حيث كانت زيارتي للمعرض الزراعي الإماراتي 2026 لتؤكد أن هذا الاستقرار لم يكن وليد اللحظة، بل نتيجة استثمار واعٍ في المعرفة والتقنية وتمكين المزارعين.
ففي أجنحة المعرض، لفت انتباهي التطور الكبير في الأبحاث العلمية التي قدمتها مراكز البحوث الوطنية، فقد عرضت هذه المراكز حلولاً عملية لتقليل استهلاك المياه بنسبة تصل إلى 40% عبر أنظمة ري ذكية، وتجارب في الزراعة المائية والهوائية التي تستخدم مياهاً أقل بنسبة 90% مقارنة بالزراعة التقليدية، هذه التقنيات ليست رفاهية، بل أصبحت ضرورة في عالم تتأثر فيه سلاسل الإمداد بأحداث جيوسياسية مفاجئة.
كما برزت المنتجات الزراعية المحلية بجودتها وتنوعها، وهو ما يعكس نجاح السياسات التي رفعت نسبة الاكتفاء المحلي من الخضروات الطازجة إلى ما بين 20% و30%، مع خطط لرفعها إلى 50% بحلول 2030، وفي ظل إغلاق المضيق، أثبت هذا الإنتاج المحلي أهميته في تقليل الاعتماد على الواردات، وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة أي اضطرابات خارجية.
ولم يكن حضور الشركات الصغيرة أقل أهمية، فقد شارك في المعرض أكثر من 120 شركة صغيرة تعمل في مجالات الزراعة الذكية، والإنتاج العضوي، وتقنيات الري، وتصنيع الأغذية، هذه الشركات تمثل جيلاً جديداً من رواد الأعمال الذين يسهمون في بناء منظومة غذائية مرنة -resilient - قادرة على الصمود أمام الأزمات.
إن ما شاهدته في المعرض الزراعي الإماراتي 2026 يؤكد أن الإمارات لا تنتظر الأزمات لتتحرك، بل تبني جاهزيتها قبل وقوعها، وفي عالم تتغير فيه المعادلات بسرعة، وتتعرض فيه سلاسل الإمداد لتهديدات جيوسياسية، تبرز الإمارات كنموذج لدولة حولت التحديات إلى فرص، وبنت منظومة غذائية مستدامة قادرة على حماية مجتمعها واقتصادها.
إن الأمن الغذائي في الإمارات لم يعد مجرد ملف حكومي، بل أصبح قصة نجاح وطنية تتجسد في كل جناح من أجنحة المعرض، وفي كل مزرعة، وفي كل منتج محلي يحمل بصمة هذه الأرض، كما أن القائمين على هذا الملف الحساس في الإمارات المختلفة يستحقون الشكر والتقدير.
*وزير سابق
